اذا أردت تغيير نظام سياسي لدولة كبرى أو منطقة جغرافية كاملة.. وان كان هدفك عمل زلزال في أوصال تركيبة اجتماعية لشعب عريق.. ولو كانت مساعيك هي مسح أو تشويه هوية ثقافية لأمة ذات تاريخ وحضارة قديمة .. عليك أولا بتبديل سلوكها الجماعي والفردي, وان مفاتيح أبواب التغيير هي اثارة غرائز معدة وعقل وعين الانسان, حتى التي تعتمد على المشاهدة فقط وليس العطاء الفعلي, فاطلاع الفرد على ما يفتقده حقيقة, أو تجسيد أحلامه الراسخة في خياله ليراها على شاشة عرض تلفزيونية أو سينمائية, تكون هي البداية الشيطانية لغرس بذور الحقد, وبسط أرضية خصبة للتمرد الاجتماعي, أما اذا أرادت ترسيخ قواعد نظام سياسي وحمايته من الاخطار الخارجية, وكانت الأهداف العليا هي الحفاظ على النسيج الاجتماعي لأمة, وتوجهت نحو تثبيت الهوية الثقافية بخطط مدروسة مستمرة ومنتظمة, فإن مفاتيح أبواب التثبيت هي ايضا اثارة غرائز معدة وعقل وعين الانسان, لكن في هذه الحالة لابد ان تعتمد على الواقعية الصادقة والشفافية في التعامل مع الأمة, وعرض قدراتها الحقيقية التي تملك أدواتها القومية, أو الممكن الوصول اليها بالعمل الجاد, وهذه هي البداية السوية لاستثمار بذور الرضا واستقرار الشعوب. فوسط الزحام في سوق مفردات النظريات للنظم الجديدة لدنيا العولمة, وتحرير الاقتصاد, والتوجه نحو التكتلات واتفاقيات التعاون الفني والمشاركة التجارية, نرى من حولنا صراعات جديدة جديرة بدراستها, وهي تستحق الدقة في مراقبة نواياها, وحتى نختار الصيغة الافضل لتقدم الانسان العربي وحمايته من شرور الوقوع في براثن خطط تهدف في النهاية لهدم قيمه, وبث الخلل في معايير حساباته, وبهذا الصدد نتعرض لبعض من جوانب تجربة من هذا الصراع (الامريكي ــ السوفييتي) إبان الحرب الباردة, تلك التي لم تتضمن فقط عمليات سباق التسلح والتهديد بين الكتل الغربية والشرقية السابقة, بل تعدتها لمراحل اخرى, ففي نهاية الخمسينات دخلت كل من موسكو وواشنطن تجربة حذرة في مجال التعاون الثقافي, بمبادرة خرجت في حينه من روسيا, وكانت هذه المبادرة هي بداية النهاية للنظام الاشتراكي الشيوعي, حيث لم تولد معها سبلا لحماية المجتمع السوفييتي من الانهيار, واستغلت أمريكا غفلة واخطاء حكام الكرملين وعلى رأسهم الرئيس السوفييتي الراحل (نيكيتا خروشوف) , فبعد موت الزعيم الروسي ستالين عام ,1953 والتقط خروشوف خيوط نسيج الحس الشعبي المتعطش للتغيير, وترجمه الى سياسة اصلاحية داخلية كان من شأنها اذابة الجليد بين الاتحاد السوفييتي والغرب, وفي يونيو 1957 أفصح عن رغبته في التعاون مع أمريكا في مجالات التبادل العلمي والفني والثقافي. ولقد وقعت كل من الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي اتفاقية ثقافية في عام ,1958 كانت هي الاتفاقية الأولى بين البلدين بعد الحرب العالمية الثانية, وكانت لها نتائج وافرازات كثيرة, منها تبادل الأعمال الفنية والأفلام السينمائية, وكان الروس في أشد الشوق والولع بأفلام هوليوود, وحتى الآن ايضا يستمتع الامريكان بالافلام الروسية, لكن من منطلق آخر يتسم عرضها على الشعب الامريكي باثبات ان روايات الكتّاب الروس كانت أعمالا دعائية لصالح الأجهزة السوفييتية الحاكمة التي اعتمدت على الكذب وتضليل الشعب, أما الامريكان فهم حكام العالم والدلائل لا تحتاج لشرحها, ومن افرازات هذه الاتفاقية الثقافية ايضا اقامة المعارض الدائمة والمراكز الثقافية على اراضي البلدين, وكانت تلك الخطوة بداية لدعاية مدروسة وفرصة لتجسد الحياة في الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة, حيث كانت النوايا الخفية لموسكو وواشنطن هي اقتحام عقول شعبي البلدين, ولقد حصلت روسيا بموجب الاتفاقية في حينه على أرض معارض دائمة في نيويورك, والامريكان على منطقة شاسعة في موسكو اقاموا عليها حديقة امريكية كبيرة, تمكنوا من خلالها تحقيق نجاحات اكثر مما حققها السوفييت, فقد استطاعت امريكا تسويق النموذج الامريكي الغربي, ذلك الذي زاد من انبهار معظم المتلقين من السوفييت لتلك الثقافة الجديدة الواردة, وكانت هذه الخطوة هي بمثابة المسمار الاول الذي دقه العم سام في نعش الشيوعية الحمراء, اما السوفييت فكان منهجهم يعتمد على تسويق النموذج الاشتراكي, برأس سهم تعرض تقدم الصناعات في الماكينات والآلات الزراعية, التي تعتمد على تكنولوجيا العلوم المتطورة اعتقادا منهم ان هذا النمط الدعائي يسيل لعاب المواطن الامريكي, اضافة الى ابراز التقدم السوفييتي في عالم الفضاء, في الوقت الذي اعتمدت فيه واشنطن على سياسة المباشرة في دعايتها, اسلوب سيكولوجي مختلف, وذلك بتلبية الاحتياجات النفسية للمواطن الروسي, لإطلاعه على نمط الحياة الامريكية, فركزت واشنطن على تقديم النمط الاستهلاكي في غلاف الرفاهية والراحة, تلك التي يفتقدها المواطن الروسي, وبالفعل تمكنت امريكا من اغراء الشعب الروسي, وإثارة دهشته ومشاعره الاساسية. وحينما مدت مراكز التحليلات السوفييتية الرئيس خروشوف بتقارير مفادها ان الامريكان بدأوا خطة غزو العقل السوفييتي, تملكته غرائز الكبرياء ولم يتنبه للخطر الامريكي القادم, بل اعلن لمستشاريه بوضوح تام انه لا خوف من الامريكان, وان الشعب الروسي يمكنه الاستفادة من النموذج الامريكي في استلهام دفعات التشجيع والطموح للنهوض بالانتاج الروسي, ولقد علمت اجهزة الاستخبارات الامريكية باختلاف وجهات النظر بين الكرملين ومستشاري الرئاسة, وبدأت الحكومة الامريكية اللعب على هذا الوتر, واستثمار مكابرة خروشوف وذلك من خلال نشر مقالات في الصحف الامريكية تدعم وجهة نظره بصورة غير مباشرة, وتمتدح قدرة العقل السوفييتي وعدم سقوطه في براثن الدعاية الامريكية, وتخفت في استخدام هذا الاسلوب وراء الديمقراطية وحرية الصحافة الامريكية على سبيل خداع السوفييت, بل وخوفت من القدرات السوفييتية وامكانية غزوها للمجتمع الامريكي نفسه, وكان كل هذا بمثابة الاقراص المخدرة التي قدمها الامريكيون للسوفييت, والتي نجحوا في تنفيذ مخططهم الثقافي في هدوء وبعمق شديد التأثير, وعلى الخط الموازي استمرت في عرض وتسويق التجربة الامريكية, وتقديم مجتمعها على انه متقدم ومتعدد الامكانيات والآليات, يعتمد على الديناميكية, ويمنح الفرصة لحرية الابداع, ويقدره ماديا ومعنويا, ولقد رصد الكونجرس الامريكي في حينه ميزانية لهذا المعرض في موسكو بلغت 3.6 ملايين دولار, وكانت هذه الميزانية بالنسبة لنشاط الدعاية الامريكية قليلة, فقد آثرت الحكومة الامريكية الا تبالغ في الميزانية الرسمية, واعتمدت على النفقات غير المباشرة حتى ان الرئيس الامريكي ايزنهاور, تبنى في حينه حملة سرية في اوساط رجالات المال والاعمال وكبريات الشركات, لجمع التبرعات المالية الكبيرة, ورصدها في صناديق سرية فاقت الميزانية الرسمية, وكانت هذه الاموال تنفق مباشرة للتأثير على الشعب السوفييتي. في هذا المعرض كان يوجد جناح خاص لولاية ديترويت تعرض فيه احدث موديلات السيارات, واجنحة اخرى لشركات صناعة الاغذية مثل: جنرال ميلز, وجنرال فودس, وجراند يونيون, وعدد من الشركات الاخرى, وكانوا يقدمون بصفة دائمة أحلى وأشهى المأكولات والمشروبات, وكانت شركة البيبسي كولا توزع مجانا وبصفة دائمة المشروبات الغازية في معلبات كرتونية تعدت كلفتها ملايين الدولار, وكان المواطنون الروس يكررون الوقوف في صف توزيع الدعاية اكثر من مرة للحصول على اكثر من عبوة, وكان القائمون على الدعاية يعلمون ذلك ويتغاضون بل ويشجعونه بصورة غير مباشرة, لان ما يحدث كان مؤشرا على نجاح الدعاية وسيرها في الطريق المرسوم لها تماما, كما ان شركات الكمبيوتر اقامت صالات للعرض لآلاف المعلومات عبر الكمبيوتر عن الاسلحة وقوات الدفاع والموازنات المالية الامريكية, وكلها معلومات كان معظم الشعب الروسي يعتقد انها سرية, وكانت تضعه على اعتاب المقارنة بين التكتم المعلوماتي الحادث في بلاده وبين ما يحدث في امريكا, بجانب هدم ما يحدث للدعاية السوفييتية المشككة حول امريكا, كما كانت صالات العرض تضم على الاقل وبصفة دائمة 50 شابا امريكيا يقومون بدور الترجمة الفورية من الانجليزية الى الروسية, وبينهم عدد من الزنوج يقومون بدور قيادي في الترجمة وارشاد الزوار, وهدف وجودهم الحقيقي هو هدم فكرة العنصرية ضد السود في امريكا, والتي كانت تستثمرها الدعاية الروسية ضدها, وكانت مادة ثرية للاثارة الروسية في وسائل الاعلام السوفييتية, وبين حين واخر كان يتم فتح مجال المناقشة بين المترجمين والروس, حول مشكلة العنصرية لتوجيه المفاهيم الروسية للوجهة المرادة, وكان الامريكان لا ينفون بشكل قاطع ان العنصرية لها وجود في امريكا, بل كانوا يرجعون وجود بعض مظاهرها الى الخلافات بين اشخاص يعملون وآخرين لا يجدون فرص عمل اي السبب هو خلافات اقتصادية, كما ركزت صالات العرض من خلال شاشات تلفزيونية ضخمة على القاء الاضواء المركزة على الطرق الفسيحة, والمشروعات العملاقة, والانجازات الفخمة لامريكا من مدارس وجامعات ومؤسسات اقتصادية. في ذلك الوقت كان الرئيس الامريكي الراحل (ريتشارد نيكسون) نائبا لايزنهاور في ذلك الحين, وقد قام بعمل مناظرة شهيرة مع الرئيس السوفييتي خروشوف, عرض كل منهما رؤيته, وتبادلا الاتهامات في أن الامريكان لديهم أفكار مسبقة خاطئة عن الشيوعية, والسوفييت لديهم خوف دائم من الانفتاح والافكار الجديدة التي تدعو للتطوير, وكانت هذه المناظرة تذاع بصورة دائمة في المعرض بعد تسجيلها وذلك بدون تدخل المونتاج فيها, وقد ورد في نهاية هذه المناظرة الشهيرة عبارات قالها الطرفان, اتسمت بالبرود وجاءت بها تأكيدات ضمنية تشير أن قيام حرب جديدة مسلحة بين الطرفين الامريكي والسوفييتي أمر مستحيل, بل ذهبت أبعد من ذلك لتوضح وجود تحول نوعي في اللهجة السوفييتية, وفي عام ,1959 كانت أمريكا هي الدولة الوحيدة التي لا تربطها اتفاقية تجارية مع الاتحاد السوفييتي, وأراد خروشوف للمرة الثانية اجراء تغييرات لهذا الوضع, فأعلن صراحة ان الغيرة تملكته من رؤية الصناعات الامريكية التي توفر الراحة للمواطنين الامريكان, وفي تناقض اثار التساؤلات حوله, اعلن خروشوف مصادرة اكثر من 100 كتاب امريكي من روسيا تحت دعوى احتوائهم على دعاية مضادة لروسيا. ان التعرض لهذا الموضوع في هذا الوقت بالذات, من خلال طرح هذه التجربة في أكبر صراع حضاري عرفه التاريخ الحديث, لهو أمر جدير بالدراسة واليقظة, لحقيقة النوايا الطيبة الظاهرية التي تخفى في طياتها سموما بطيئة, قد لا تظهر آثارها القاتلة الا بعد حوالي نصف قرن من الزمان مثلما حدث للشعب الروسي الذي يعاني الفقر والتفكك الاجتماعي الذي أصبح يهدد بقاءه. كما ان عرض هذه التجربة ليس دعوة للتخويف ولا فقدان الثقة في النفس لكنه فقط نقطة مضيئة على طريق العولمة الحديثة, في الوقت الذي نتفتح فيه نحن العرب على العالم, نرى أنه من المفيد ألا ننسى في مسيرة الاندماج الدولي متعدد التوجهات, آن السبيل الأبقى الفعلي لتقدم الانسان العربي هو المحافظة على الهوية الثقافية وحمايتها من الانصهار, وليكون مشروبنا المفضل عربيا خالصا, لحماية أنفسنا من مؤامرات جديدة.