تهانينا القومية الحارة للشعب اليمني وللرئيس علي عبدالله صالح على نحو خاص بصدور قرار هيئة التحكيم الدولية حول تنازع السيادة على جزيرة حنيش الكبرى لصالح اليمن, وبشرى عودة العلاقات بين اليمن واريتريا الى سابق مصداقيتها, عبر تسليم اريتريا بالحكم وانسحاب قواتها من الجزيرة فورا دون تلكؤ أو عوائق ! وربما لأنني عرفت معدن الشخصية اليمنية على مدى زهاء خمسين زيارة صحفية لليمن في اعقاب اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962, موصولة بعلاقات نضالية سابقة جمعتني بزعامات حركة الاحرار في القاهرة, عندما توافدوا عليها اواخر الخمسينات للتنوير بمأساة الجور والعزلة والتخلف التي كان الشعب يتجرع مراراتها تحت حكم أئمة بيت حميد الكهنوتي, من هنا يحق لي الشهادة غير حانث على عشق هذا الشعب للوطن على نحو خاص ومتميز لا يتغافل عن اي تهاون في سيادته أو تفريط في شبر من ترابه أو التسامح مع اي مساس بكرامته, وشواهد تاريخه القديم والعامر على ذلك بلا حصر! واذا كان اليمنيون قوام جيوش الفتح الاسلامي التي وصلت الى مشارف الصين جنوبا, وحتى الاندلس شمالا, ايمانا بالدعوة ودفاعا عن العقيدة, فلأنهم عشقوا وطنهم اولا عن ايمان راسخ وعقيدة مقدسة لا تأبه لقوى البغي والطغيان, وعلى أهبة الاستعداد دوما للذود عن حياضه, وهكذا عندما أدرك اليمنيون ان الخلافة العثمانية المريضة باتت استعمارا, انبروا الى تعقب الاتراك وقطع دابرهم من اليمن, وعندما حاول بعض السياسيين المغامرين التفريط منذ 20 عاما في سيادة اليمن على اراضيه, كان مصيرهم الاغتيال السياسي تباعا في بيروت ولندن, بينما رحب الشعب اليمني عن طيب خاطر باعادة ترسيم الحدود المشتركة مع سلطنة عمان عبر تبادل الاراضي والمنافع بالتراضي والوفاق! والحقيقة انه لولا شعبية الرئيس علي عبدالله صالح التي اكتسبها بانجازه التاريخي للوحدة بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي, ودحره للمؤامرة الانفصالية بنجاح واقتدار لما كان تفويض الشعب اليمني له ضمنيا من دون استثناء, على اجازة وثيقة مكة المكرمة التي أزاحت عقبة تاريخية كأداء على طريق العلاقات مع المملكة العربية السعودية, وولوج البلدين حثيثا صوب اعادة ترسيم الحدود المشتركة بالتراضي والوفاق. على ان ما يجوز في علاقات اليمن مع اشقائه لايجوز مع غيره من الدول والشعوب غير العربية ان تجرأت بالعدوان على حقوقه وسيادته على اراضيه, وذلك على وجه التحديد كان موقف الرئيس علي عبدالله صالح والتزامه الوطني بردع العدوان الاريتري على جزيرة حنيش الكبرى, اذ كان عليه ان يتجاوب مع مطلب الشعب اليمنى بحشد كافة الامكانات لتحريرها بالقوة المسلحة باعتبار ان (ما اخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) خاصة وان الشعب اليمني لعب دورا سياسيا وتعبويا مقدرا في دعم نضال الشعب الاريتري للتحرر من نير الاستعمار الاثيوبي, وكانت (حنيش الكبرى) وغيرها من الجزر اليمنية معبرا انذاك للسلاح والمؤمن للثوار الاريتريين, فإذا المقابل (جزاء سنمار) ! والشاهد ان الرئيس اليمني كان في موقف لايحسد عليه ابان الانتخابات النيابية التي اجريت في ابريل 1997, حين كثفت احزاب المعارضة هجومها وانتقادها لموقفه, والى حد اتهامه بالتهاون والتفريط والهروب من المواجهه, بدعوى جنوحه لاسهل الحلول المتاحة عبر التحكيم الدولي في النزاع, بينما اجمع المراقبون آنذاك على ان مستقبل وحياة علي عبدالله صالح رهن الحكم لصالح او لغير صالح اليمن. والشاهد ان خيار القيادة السياسية اليمنية للحل السلمي, قد افرز عددا من القواعد السياسية الهامة على صعيد العلاقات العربية والاقليمية. * دور الوثائق والخرائط التاريخية وكذا المعاهدات والقانون الدولي والاعراف والوجود المستمر والظاهر على الارض, كونها وسائل معتمدة وفاعلة ازاء الفصل في منازعات الحدود, وبديلا حضاريا امنا, ازاء تجنب ويلات الوسائل العسكرية, في ضوء ما اسفر عنه التحكيم الدولي من عودة منطقة طابا الى مصر وحنيش الكبرى الى اليمن. * يترتب على ذلك ضرورات قيام محكمة العدل العربية بشرط تصديق كافة الدول العربية جماعة على ميثاقها والتزامها بأحكامها, وعندئذ فقط سوف تنزاح زهاء 75% من حجم الخلافات العربية التي تتعلق معظمها بالمشكلات الحدودية. * واذا كانت هذه الوسيلة قد نجحت في استرداد حقوق مصر التي كانت تغتصبها اسرائيل, وفي تحجيم التآمر الاسرائيلي على العلاقات اليمنية الاريترية كمنطلق للتواجد العسكري في باب المندب, فنحن من باب أولى علينا استثمار نجاح آلية التحكيم الدولي في حل مشكلات الحدود بين السودان وجيرانه حفاظا على مصداقية العلاقات العربية الافريقية, وكذا حل مشكلة المياه بين سوريا والعراق وبين تركيا حفاظا على مصداقية العلاقات مع دول التخوم, والتحشد العربي لانجاح التحكيم الدولي في قضية لوكيربي عبر مطالبة امريكا وبريطانيا بتوفير ضمانات العدالة للمحاكمة وتأمين حياة الليبيين المشتبه بهما! اما على صعيد اليمني فقد بات من المتعين على الحكومة استثمار زخم انتصارها السياسي والقانوني بعودة حنيش الكبرى الى الوطن الام في تحقيق خمسة اهداف حيوية وعاجلة اولها: وضع خطة للتنمية العمرانية والسكانية والاقتصادية تشمل مئات الجزر اليمنية غير المأهولة في البحر الاحمر والمحيط الهندي حتى لا تظل مطمعا للعدوان والاستلاب, وثانيا: تسريع خطى تنفيذ برنامج الاصلاح الاقتصادي والاداري, ايذانا باجتياز عنق زجاجه ارتفاع معدلات الضائقة المعيشية التي تعانيها الطبقات الكادحة ومحدودة الدخل, وثالثا: التأكيد على هيبة السلطة المركزية وشفافية الحكم عبر استئصال ظاهرة اختطاف الاجانب والسياح وفوضى انتشار السلاح وآفة الرشوة والفساد, واخيرا: فتح ابواب الحوار الوطني على مصارعها لانجاز صيغة مستقرة للوحدة الوطنية تستوعب رموز وتيارات المعارضة السياسية في الداخل والخارج, حتى يتفرغ اليمن لانجاز مهام النهوض والتنمية وقطع الطريق على التدخلات الاجنبية المشبوهة في شؤونه الداخلية! حسن اذن ان تبادر اريتريا الى سحب قواتها من جزيرة حنيش الكبرى قبيل مضي مدة التسعين يوما التي حددتها هيئة التحكيم الدولية لتنفيذ الحكم, وحسن كذلك ان ينص الحكم على حرية نشاط الصيادين الاريتريين في جزر الارخبيل اليمني, كما كان عليه الحال قبيل اندلاع النزاع في الخامس من ديسمبر 1995, مشمولا بالاعلان عن البدء في ترسيم الحدود البحرية بين البلدين تنقية للعلاقات المشتركة من اي شوائب سلبية باقية. في كل الاحوال فقد كان التحكيم الدولي في النزاع الحدودي بين اليمن واريتريا وقناعة الطرفين بجدوى الحل السلمي الدبلوماسي في نزع فتيل كوارث الصدام العسكري والعداءات السياسية, بمثابة ضربة قاضية ــ من حيث النهج والنموذج والتوقيت ــ لدعوة وليم كوهين وزير الدفاع الامريكي دول المنطقة مؤخرا الى قيام نظام دفاعي مضاد للصواريخ التي يزمع انطلاقها مستقبلا من العراق وايران, وكأنه يستهين بعقولنا التي تدرك ان المطلوب مجرد ترويج صناعة السلاح الامريكي التي اصابها الركود منذ ازمة الخليج الثانية, والهائنا عن الخطر الاكبر والمحقق على العرب والمسلمين معا, عبر مخزون اسرائيل الهائل من الصواريخ والرؤوس النووية!