ذهبنا إلى لبنان بدعوة من مؤسسة البابطين للاحتفال بالعميد بشارة عبدالله الخوري أو الاخطل الصغير كما اشتهر لقبه, فوجدنا لبنان يحتفي برئيسه الجديد العماد اميل لحود الذي اصبح رئيس الجمهورية اللبنانية, وبين العماد والعميد تأخذ المفارقات في لبنان بالظهور . العميد بشارة عبدالله الخوري رحمه الله من شعراء لبنان الفحول, والعماد اميل لحود من قادة الجيش اللبناني المرموقين وقد شق طريقه بأغلبية نيابية إلى كرسي الرئاسة في وقت عصيب هو الذي نعيشه اليوم, ولكن المفارقة ليست هنا, فبين العميد والعماد الكثير من التشابه والكثير من المفارقات. العميد الاخطل الصغير نصب اميرا للشعراء العرب بعد أحمد شوقي رحمه الله, وكان ذلك في ربيع سنة 1961 في بيروت وفي قاعة اليونسكو التي احتفل بها هذه المرة للتذكير بمساهماته, وهو بالتالي ثاني امراء الشعر العربي وثاني عمدائه, بينما العماد لحود هو ثاني رجل عسكري في تاريخ لبنان يتسلم الكرسي الرئاسي بعد قائد الجيش السابق فؤاد شهاب الذي اصبح رئيسا للجمهورية اللبنانية في نهاية الخمسينات (1958) وكانت مرحلة عربية حرجة تكاد تتشابه في بعض مظاهرها بما نراه اليوم. إميل لحود هو ابن اللواء السابق في الجيش اللبناني جميل لحود وهو من عائلة سياسية, والده جميل اصبح وزيرا للشؤون الاجتماعية والعمل في وزارة عبدالله اليافي في الستينات واخذ بالدفاع عن حقوق الفقراء والمحتاجين حتى لقبته الصحافة اللبنانية باللواء الاحمر كناية عن كونه يساريا متعاطفا مع الفقراء, واللون الاحمر هو من ألوان شعر الاخطل الصغير المحببة إلى نفسه لانه يعبر عن التغيير والثورة في ذاته, وقد لقبه بعض الكتاب في عصره بصاحب القصائد الحمر وقد كتب في ذلك يقول مدافعا عن موقفه (ان الامة التي لا تعتني بقصائدها الحمر, لا تستحق قصائدها البيض) . ولا تنتهي المقارنة بين العميد والعماد عند هذا الحد, فالعماد لحود في معظم ما كتب عنه من تعليقات في الصحف سواء اللبنانية أو الغربية, كان مناط اجماع على ان اختياره من اللبنانيين كان لنظافة كفة, وبعده عن الشبهات, وقد عرف عنه الاستقامة الشخصية, والاخطل الصغير كشاعر مدح ورثي وافتخر كونه شاعرا, ولكنه لم ينظم قصائده مجاملة أو التماسا لنعمة بل اثباتا لوجوده كشاعر في عصره, فرثى سياسيين وادباء قدموا خدمات لامتهم العربية. لبنان مكان للمتناقضات العربية ومكان للتوافق العربي ايضا, وبعد ان خرجت من حرب اهلية طاحنة لم يكن احد ليصدق انها ستتعافى بهذه السرعة, وقد جمعت مؤسسة البابطين الثقافية اكثر من ثلاثمائة رجل وامرأة من النخبة الثقافية العربية في بيروت, من كل الاصقاع العربية, للاحتفال بالاخطل الصغير والاحتفال بالثقافة العربية التي قدمت لها لبنان من خلال مبدعيها وناشريها وفنانيها في شتى المجالات افضل اشكال الابداع شعرا وموسيقى وادبا. العماد لحود متزوج من لبنانية ذات اصول ارمنية, والنائب نسيب لحود قريبه اللدود كونهما نقيضين في السياسة متزوج من مسلمة, وهي شقيقة لاحدى زوجات امير عربي كريم, وفي الثلاثة ايام الحاسمة بين العميد والعماد تحتفل بيروت باعادة النصب التذكاري لرياض الصلح الزعيم اللبناني ذي الدور الرائد في استقلال لبنان, ويتحدث عن العائلة الصلحية حفيده من احدى بناته وهو الامير الوليد بن طلال, هذه هي شريحة من لبنان العربي والغربي, الاسلامي والمسيحي, العميد الاخطل الصغير كما اشرت في السابق هو ابن عبدالله, وابنه الاكبر عبدالله ايضا اتحف الحاضرين في قاعة اليونسكو في بيروت بمداخلة ارتجالية خرجت من قلبه فوصلت إلى قلوب جميع من كان بالقاعة من الحاضرين, وهم كثر من حيث العدد والنوعية ايضا. امتزاج خلاق في لبنان لو عرفه اللبنانيون حق المعرفة لكانوا فخورين به ابدا, مما يقيهم من الوقوع في حبائل اية طائفية, ولو قدره بقية العرب لكانت رسالتهم الحضارية إلى العصر والعالم الذي يعشق التعددية ويحترمها ايضا بليغة وعالية المصداقية. هذا الامتزاج الذي دعا إليه الاخطل الصغير يظهر في الكثير من شعره فاستمع اليه وهو يقول شيئا عن فلسطين: إن جرحا سال من جبهتها لثمته بخشوع شفتانا وانينا باحت النجوى به عربيا رشفته مقلتانا كانت هذه الصيحة هي احدى القصائد التي رددها جيلنا بفخر حتى دون ان نعرف هوية القائل. لقد تمازج اسم العميد مع العماد عبر ايام الاحتفاء بالاخطل الصغير في قلب بيروت, وهي ايام حفلت بسلسلة من الندوات تقيمها مؤسسة البابطين, وهي مؤسسة تعني بالشعر العربي, وقد أقامت ملتقيات عديدة في العديد من الدول العربية, ونشرت هذه المؤسسة أعمالا كاملة لشعراء عرب ودراسات عنهم أيضا, ما يهمني هنا هو المساهمة الشخصية من رموز الرأسمال العربي المستنير لاشاعة الثقافة, وهي مساهمة وإن لم تكن جديدة الا أنها في حجمها واستمراريتها لافتة للنظر وتستحق الاكبار والثناء. لقد اكتسبنا نحن العرب في هذا الجيل على الأقل ميزة العناية بالثقافة من خلال رعاية الدولة وهي فكرة (اشتراكية) ان صح التعبير, ورثناها كما ورثنا الكثير من الممارسات السياسية, والاصل في الموضوع ان تكون الثقافة مرعية من الخواص, وتاريخ البرجوازية الغربية ينبئنا بذلك, فلم تنتعش الثقافة والفنون والآداب الا من خلال عناية البرجوازية الأوروبية الصاعدة بأهل هذه الفنون, وفي تاريخنا العربي والإسلامي نجد الكثير من البيوتات التجارية معنية بالحفاظ على الأدب وترويجه وقد تركت لنا هذه الحركة الكثير من أمهات الكتب التي نفخر بها اليوم بل ان تقدم العلوم عند العرب لم يكن في الكثير منه الا برعاية الخواص. لذلك فان الجهد الذي تبذله مؤسسة البابطين مثل جهد العديد من المؤسسات التي يرعاها الخواص في بلادنا العربية, هو جهد مشكور من العدول وشهود الحق. في اجتماع بيروت الأخير اجتمع السوداني والاردني والمصري والسوري والخليجي والمغربي ومن كل الاقطار العربية تجمعهم الثقافة, وقد أصاب وزير الثقافة اللبناني كبد الحقيقة الموجعة في عالمنا العربي عندما قال في مفتتح الندوة وعلى رؤوس الاشهاد: (ما دخلت الثقافة من باب الا واصلحته وما دخلت السياسة من باب الا وأفسدته) فالثقافة العربية هي الباقية لنا كعرب تجمعنا على كلمة, سواء بعد أن أفسد الطامحون الى السيطرة والتحكم الكثير من الممارسات السياسية والتي أدت الى فرقة العرب وتشتت كلمتهم. لقد كانت الأيام الثلاثة البيروتية, التي أحيتها مؤسسة جائزة البابطين, عرسا للشعر العربي تزامن معه اختيار رئيس عربي جديد في بلد عربي عرف بالحرية والانفتاح الفكري. ومن ثم أرى في هذه المصادفة الزمنية تجليا لأمنية عربية تسكن في قلب كل محب صادق لهذه الأمة. وهي ان تتسامى السياسة العربية لتبلغ مبلغ الثقافة في طموحها الى الجمال الذي يمكن ترجمته سياسيا الى صيانة الحقيقة بين الفرقاء دون ان تفسد للود قضية, واحترام الآخر وتقبله حتى عند اختلاف الاجتهادات, ونبذ القهر الانساني أيا كانت وسائله وأيا كانت دواعيه, فليس في عرف الثقافة ما يبرر القهر, وهذا ما ينبغي ان يكون في ضمير السياسة أيضا. إنني أرى أن الكثير من مشاكلنا السياسية العربية هو تعبير عن نقائص ثقافية, ومن ثم تكون العناية بالثقافة والحرص عليها والتزود قدر الطاقة من معينها بمنزلة سياج أمني ضد الانزلاق السياسي نحو العسف والتدني في كل ممارسة سياسية متدهورة, ولعلي أستعين في هذا السياق بتجربة غير بعيدة زمنيا تجسد حالة مثالية من تمازج الثقافة والسياسة لابداع حالة أرقى من الممارسة السياسية, وهي حالة قيادة الكاتب المسرحي فاسلاف هافل لخروج تشيكوسلوفاكيا من زقاق الشيوعية السوفييتية السابقة نحو المجتمع الحر, فقد كانت قيادة تتسم بالرقي السياسي الذي يشبه الأدب, وعندما وصلت هذه القيادة الى مفصل حاد وخطر هو انفصال دولة تشيكيا عن سلوفاكيا شهد العالم أنظف عملية انفصال طوعي للبلدين تحت قيادة هافل الذي استمر رئيسا للدولة التشيكية. بالطبع لا أطلب من كل رموز السياسة العربية أن يكونوا أدباء وكتابا ومفكرين, لكنني أحلم بمزيد من الحرص على لمسة الثقافة في السياسة, وهذا ما أوحت به احتفالية الاخطل الصغير في قلب بيروت حيث تردد اسم العميد مع اسم العماد في فترة زمنية واحدة. مسألة اخرى تلفت اليها الاحتفالية النظر, فهي فعالية ثقافية ترعاها مؤسسة جائزة البابطين رامزة الى مساهمة ضخمة للقطاع الخاص العربي في الشأن الثقافي شأنها شأن جائزة سلطان العويس ونشاطات ثقافية عديدة في منطقتنا ترعاها الأيدي الخيرة. وهي لمحة تحضر عصرية جديرة بالاشادة والتحفيز, فعلى ذكر هذه الجوائز تتداعى الى الذاكرة الثقافية ان ضخامة الفعل الثقافي الغربي راجعة في أهم رموزها الى مساهمات خاصة مثل جوائز نوبل السويدية و(أوهنري) الأمريكية وبوليتزر وجونكور, وهي جوائز ترفع من شأن الحاصلين عليها في الوقت ذاته الذي ترفع من شأن الأرض التي تمنح عليها, فليت أرضنا العربية تضىء دائما باحتفالات جوائز الشعر والفن والأدب, والثقافة عموما. عندها ربما تكون السياسة في مثل تسامي الثقافة.