تحقق حلم البعض اخيرا وصار الجميع لا يود سماع اية كلمة عن القضية الفلسطينية والحق العربي المغتصب وشعارات من شاكلة بالروح بالدم نفديك يا فلسطين . صار كثير من المثقفين وعامة الناس يعتبر الحديث في الوطنية وقضايا الأمة, نوعا من الرومانسية انتهى زمانها, وبكاء على لبن مسكوب ما عاد بالامكان جمعه أو استعادته. وان نصل إلى هذا الحد من الردة الشعورية والقنوط الموازي للعدم, فاننا نحقق لذلك الآخر ـ وهو العدو هنا ــ كل ما خطط له وبنجاح ما كان يتصوره. فحينما نبدأ مع اعدائنا كما بدأنا منذ اكثر من خمسين عاما, ثم ننتهي هذه النهاية المفجعة فنكون تماما كما عبر د. حيدر عبدالشافي منذ يومين حين سئل عن قمة واي بلانتيشن فقال: حالنا كالايتام على مائدة اللئام. وبرغم ان التعبير في حد ذاته يدخل في ادبيات الرومانسية والشعارات التي برعنا فيها, الا انه تعبير مخجل ومخز, وان يقوله رجل كان منذ مدة يرأس الوفد الفلسطيني في مفاوضات السلام التي قادت إلى ما قادت إليه, ففي ذلك من علامات الاستفهام الكثير. انه في الوقت الذي تملأ فيه السلطة الفلسطينية سجونها بأبناء الشعب الفلسطيني مستجيبه وبكل رضوخ إلى مطالب كلينتون واولبرايت ونتانياهو لمحاربة الارهاب والارهابيين من جماعة حماس ومجاهدي الشارع الفلسطيني, في الوقت ذاته يسلح نتانياهو مستوطنيه, ويزرعهم في المناطق الفلسطينية ويصرح ببناء مستوطنات جديدة, وبتعيين الارهابي ارييل شارون وزيرا للخارجية ثم يذهب لامريكا متسلحا بورقة من تسعة شروط تعجيزية. وفي الوقت الذي يتدحرج فيه شارون كالبلدوزر ويصر على اسماع العالم كله انه لن يصافح عرفات لانه من وجهة نظره ارهابي, وتعلن دمشق بذكاء ان تعيينه ضربة قاضية وأخيرة لعملية السلام, وحده عرفات يعلن أن شارون لا يخلو من ايجابيات وأن تعيينه وزيرا للخارجية وفي هذا الوقت شأن داخلي يخص اسرائيل فهل يرتجى خير من أمه تغازل سفاحيها؟ لقد فقدنا الذاكرة قبل الثقة على ما يبدو. وسط هذا الانتعاش النفسي على الجانب الآخر يعلن مسؤول كبير مثل صائب عريقات وبيأس ظاهر: (اذا كانت امريكا واسرائيل تفكران في (عصرنا) فما عاد فينا شيء يعتصر, لقد قدمنا كل ما يمكن تقديمه, ولم يبق امامنا ما يمكن ان نتنازل عنه) . اقول حتى لو كانت الاجيال العربية تريد ان تستمر على ايمانها بالقضية وبانتصار الحق, فان ظروفا اكبر واصعب تقنعها كل يوم بأن زمان الرومانسية قد ولى فنصل معها إلى أمنية بعيدة وغريبة نوعا ما بان يصبح لدينا زعماء يؤمنون بقضيتهم على طريقة نتانياهو وشارون كي يعيدوا لنا ثقتنا بأنفسنا وبقوة موقفنا انطلاقا من العمل الظاهر وليس الشعارات الجوفاء التي دمرتنا من الداخل.