تجسد التهديدات التركية المتصاعدة لسوريا, باكورة نشاط هذا التحالف العسكري الاسرائيلي التركي بعد استكمال الاجراءات التحضيرية له من مناورات مشتركة للقوات المختلفة وبالمشاركة الامريكية وبعد الاعلان الرسمي عن قيام هذا التحالف . وغني عن القول ان اللجوء الى القوة العسكرية ليس هدفا في حد ذاته, بل وسيلة لتحقيق اهداف سياسية, سواء جرت ممارسة القوة فعلا ان اقتصر الامر على التهديد بها للاخضاع والابتزاز. وإذا كان أي عدوان لايعدم غطاء, مهما كان مهلهلا, لمحاولة تبريره, فاننا في هذه الحالة امام ادعاءات تركيا بأن سوريا تحتضن مقاتلي حزب العمال الكردي - التركي. لكن السؤال: لماذا الآن, وعمر هذا الادعاء اكثر من عشر سنوات, تميزت خلالها الحدود السورية - التركية بالهدوء الكامل, ولم تستطع تركيا ان تثبت, ولو مرة واحدة وقوع تسلل لعناصر حزب العمال الكردي - التركي من الاراضي السورية, فسوريا تدرك مضاعفات ذلك, والشيء ذاته يمكن ان يقال عن حدود وقف اطلاق النار السورية الاسرائيلية, ومن المفارقة ان يأتي هذا التهديد التركي بعد اكثر من شهر ونصف من وقف اطلاق النار الذي اعلنه حزب العمال الكردي - التركي داخل تركيا, وان يأتي هذا التهديد متزامنا مع قيام القوات التركية بانتهاك جديد لحرمة السيادة العراقية والتوغل شمالي العراق, ومعروفة - بالمناسبة - الاطماع التركية في منطقتي الموصل وكركوك النفطيتين العراقيتين. والحقيقة ان توقيت تفجير هذه الأزمة مع سوريا هو توقيت مثالي بالنسبة لاطراف التحالف العدواني, حيث يتصاعد على الطرف الشرقي من المنطقة التوتر المحفوف بكل الاحتمالات على الجبهة الايرانية - الافغانية, ويتطلع اطراف التحالف التركي - الاسرائيلي ومن ورائهما واشنطن, من اختيار هذا التوقيت الى احداث الارتباك في صفوف القوى المستهدفة وتشتيتها, وفي هذا السياق فان تصريحات حكام اسرائيل بأنهم ليسوا طرفا في النزاع التركي - السوري هو لذر الرماد في العيون ليس الا, فمنذ اليوم راح الاعلام يتحدث عن دور اسرائيل في تجميع المعلومات العسكرية عن سوريا, بواسطة الاقمار الصناعية وتزويد تركيا بها. ومع تصاعد لغة التهديدات التي بلغت تهديد العالم العربي كله بعدم التدخل لدعم سوريا تتصاعد قائمة الشروط والمطالب التعجيزية التركية, بحيث ينطبق على هذه الحالة المثل الصيني القائل: النمر يريد افتراسك سواء قمت باستفزازه أم لا, ومن هذه المطالب التركية, تسليم زعيم حزب العمال الكردي - التركي عبد الله أوجلان الذي تنفي سوريا وجوده في اراضيها - والتوقف عن مجرد اعتبار لواء الاسكندرون كان عربيا في يوم من الأيام, وتشير تقارير لحلف الاطلسي, في هذا الصدد عن احتمال قيام تركيا باحتلال اقسام من شمالي سوريا واعلانها منطقة أمنية! على غرار جنوبي لبنان, ولعل الاخطر في هذه المطالب التركية التسليم بأن مياه دجلة والفرات هي تركية كما ان النفط عربي! ومن المعروف في هذا السياق ان تركيا قامت ببناء خمسة سدود ضخمة, اكبرها سد اتاتورك, بكلفة 23 مليار جنيه استرليني - حسب الديلي تلجراف اللندنية - لتحرم كلا من العراق وسوريا من نصيبهما من مياه هذين النهرين الدوليين, واليوم يلوح حكام انقرة بامكان قطع مياه الفرات عن سوريا. واذا كان للنفط دور مباشر أو غير مباشر في جميع الصراعات والحروب التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط في نصف القرن الماضي, فانه يمكن الاعتقاد بأن الماء سيشكل عاملا اساسيا في صراعات القرن المقبل في منطقتنا, اذا لم تتحقق ترتيبات دائمة وعادلة لتوزيع موارده الاساسية. دوافع التحرش التركي اذا كان هذا التحرش الخطر ينطلق هذه المرة, من قاعدة التحالف العسكري الجديد, فانه بالتالي مطالب بأن يخدم ليس الاهداف التركية وحسب وانما الاسرائيلية كذلك, ومن قبلهما ومن بعدهما أهداف واشنطن, الاب الفعلي لتحالفهما. وبينما يتطلع النظام التركي لتصدير أزماته الداخلية المتفاقمة عبر مغامرات خارجية, وبخاصة الصراع مع جبهة الاكراد ومع جبهة التيار الديني الاسلامي من جهة ومن الجهة الأخرى الأزمة الاقتصادية المتفاقمة, فان الطرف الآخر في التحالف العسكري أي حكام اسرائيل, يزدادون ضيقا بالجبهة اللبنانية التي تكلفهم يوميا المزيد من الخسائر وبخاصة البشرية: مما خلق رأيا عاما في اسرائيل شمل حتى وزراء في حكومة الليكود نفسها, يطالب بانسحاب الجيش الاسرائيلي من طرف واحد من الجنوب اللبناني, ان هؤلاء الحكام يتوقون لتوجيه ضربة أو ضغط عسكري على سوريا بخاصة اذا جاء من طرف آخر يعفيهم من مضاعفات قيامهم بأنفسهم. بذلك, يرغمها ــ أي سوريا ــ على القبول بفصل الجبهتين السورية واللبنانية عن بعضهما, بحيث تتهيأ الظروف لفرض الترتيبات الاسرائيلية على الجبهة اللبنانية وسد هذا الجرح الدامي في خاصرة الاحتلال الاسرائيلي, ومن ثم اضعاف الموقف السوري المتمسك باستعادة الجولان كاملا. أما الامريكي فيطمح, بعد مضي قرابة ثمانية اعوام على حرب الخليج الثانية, الى تأكيد هيمنته على المنطقة ومقدراتها, في وجه المنافسة المتزايدة للدول الامبريالية الاخرى من جهة, ومظاهر التململ من شعوب المنطقة من جهة اخرى, جنبا الى جنب مع تشديد المساعي لانجاح الاحتواء المزدوج لكل من العراق وايران. وفيما يتعلق بالاخيرة, فان واشنطن ــ كما يبدو ــ لم تسلم حتى بعد مضي قرابة عشرين عاما على التطويح بنظام الشاه بفقدان هذا البلد الغني بنفطه والمتزايد الاهمية بموقعه الاستراتيجي, وبخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وتشكل مجموعة الدول الاسلامية على التخوم الايرانية واكتشاف احتياطات نفطية هائلة في بحر قزوين. لذلك نرى واشنطن تحرك اليوم العصا والجزرة في التعامل مع ايران. فمن الجانب الواحد بدأت, في الآونة الاخيرة, عملية مغازلة وبخاصة منذ مجيء الرئيس الليبرالي محمد خاتمي, ومن الجانب الآخر, تتولى طالبان ــ ومن ورائها باكستان ــ عملية استفزاز مكشوفة لايران, اليوم, بغرض توريطها في اوحال نزاع عسكري داخل افغانستان يستنزفها ويدمر طاقاتها ويخلق بالتالي الظروف الملائمة للتآمر من الداخل لتغيير النظام وفق ما تشتهي واشنطن. ولكن يبدو حتى الآن, ان حكام طهران يتصرفون بحنكة ومسؤولية. فبينما يعرضون عضلاتهم, يلجمون عواطفهم, ولا يفقدون رؤوسهم. لكن مهاجمة تركيا لسوريا يشكل احراجا لايران, عدا عما يرمز اليه من تكريس تركيا واسرائيل باعتبارهما القوتين الاقليميتين الوحيدتين في المنطقة. ذلك ان ايران لم تجد خلال تسع سنوات من حربها مع العراق من حليف ثابت يقف معها في المنطقة كلها سوى سوريا, واليوم فان ايران هي العمق الاستراتيجي المتبقي لسوريا في ظروف انعدام عمق استراتيجي عربي, بخاصة بعد تدمير قدرات العراق العسكرية والاقتصادية. وبالتالي, فان استدراج ايران للتورط على هذه الجبهة, ان لم تتورط على الجبهة الشرقية مع طالبان ــ باكستان, هو بدوره توريد للحب الى طاحونة المخطط الامريكي. وفي الوقت ذاته, سيكون فرصة اسرائيل الذهبية للتدخل وتنفيذ تهديداتها المعلنة مؤخرا بتوجيه ضربة استباقية) لايران بدعوى تطويرها لصواريخ بعيدة المدى. ومهما يكن من امر, فان دقة الموقف وخطورته البالغة كانت تقتضي المبادرة لعقد قمة عربية طارئة, تخرج بموقف موحد يدعم موقف سوريا في وجه التحرش العدواني التركي, لا ان تعقد هذه القمة ــ ان عقدت اصلا ــ بعد وقوع العدوان لمجرد البكاء على الاطلال. ويظل السؤال المقلق: كيف تخرج سوريا من هذا التحرش الخطر سالمة ودون اهدار طاقاتها, ليس من اجلها وحسب, وانما من اجل جميع القضايا العربية وفي مقدمتها قضيتنا الفلسطينية التي تمر اليوم بأدق وأخطر مراحلها.