لا ننتظر خيرا بالطبع من كامب ديفيد الجديدة التي تضم عرفات ونتانياهو والادارة الامريكية ممثلة في رئيسها كلينتون أو وزيرة خارجيته اولبرايت , فكل الشواهد تؤكد أن أي اتفاق هناك لن يكون الا على حساب الفلسطينيين ولمصلحة العدو الصهيوني والادارة الامريكية, ومسيرة السلطة الفلسطينية في تقديم التنازلات المتعاقبة تجعل الامر اشبه بالتمثيلية الرديئة التي تنتهي بعقد اذعان تسلم فيه السلطة الفلسطينية بمطالب نتانياهو بالتمام والكمال. ولنتذكر فقط ان قبول عرفات بالمبادرة الامريكية بالاكتفاء بالانسحاب الاسرائيلي من 13% فقط بدلا من 30% كما كان مقررا لم تكن له من نتيجة الا الدخول في متاهة جديدة والاضطرار للتنازل مرة ومرات, لقد كان معروفا ان المبادرة الامريكية كانت في الاساس اقتراحا من نتانياهو نفسه تبنته أولبرايت وقامت بتسويقه والضغط على الفلسطينيين حتى قبلوا, ومع ذلك رفض نتانياهو المبادرة, وفشلت كل الجهود الامريكية معه, وهدد بحرق واشنطن (هكذا..!) إذا تجرأت الادارة الامريكية على مجرد الاعلان رسميا عن بنود المبادرة, ورضخت الادارة الامريكية المشغولة بفضائحها الجنسية وغير الجنسية, وتبنت التعديلات التي ادخلها نتانياهو على المبادرة, وعندما رفض عرفات التعديلات كانت اجابة نتانياهو ونصيحته لامريكا ان اتركوه لنا. وقد كان .. جمدت امريكا نشاطها, وتركت عرفات لنتانياهو, وكانت النتيجة المتوقعة, فقد قبل عرفات التعديلات, واصبحت نسبة الانسحاب هي 10%, كما ارادها نتانياهو مع اضافة 3% من باب التجميل تم الاتفاق على ان تكون محمية طبيعية, أي خارج اي سيطرة فلسطينية. ولم يكن ذلك كافيا, ولذلك ذهب عرفات إلى واشنطن ليسلم كلينتون تأكيدا على الغاء كل بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تشير من قريب أو بعيد إلى عدم الاعتراف باسرائيل, أو الدعوة لحربها. ولم يكن ذلك ايضا كافيا, امام نجاح نتانياهو في ان يجعل القضية الفلسطينية الاساسية هي قضية امن اسرائيل وليس احتلالها للاراضي العربية, ورغم اتفاق سابق تناول المسائل الامنية ونص على مشاركة ثلاثية (امريكية ــ اسرائيلية ــ فلسطينية) في الاشراف عليها, الا ان نتانياهو سحب موافقته على هذا الاتفاق ليطالب باجراءات اشد تجعل من السلطة الفلسطينية مجرد جهاز معاون للحفاظ على امن اسرائيل مع تحميله المسؤولية عن اي تقصير في عمله. وكالعادة .. كان لنتانياهو ما اراد, وذهب مدير المخابرات الامريكية ليعد الاتفاق مع الاسرائيليين, وتم وضع ما اراده نتانياهو من شروط في (مذكرة تفاهم) جديدة كانت محور زيارة اولبرايت الاخيرة للمنطقة, ويبدو أن نجاحها في الحصول على الموافقة المبدئية على المذكرة من عرفات كان مفتاح المرور إلى قمة (واي بلانتيشن) ولهذا كان الاحتفال الذي شاركت فيه اولبرايت مع عرفات ونتانياهو على الحدود, والذي انتهى بالغداء الشهير على مائدة عرفات, وبهدية من السيجار الكوبي الفاخر قدمها عرفات لأول رئيس وزراء اسرائيلي يشاركه الطعام على ارض السلطة الفلسطينية, ولعل السيجار لا يكون من نفس النوع الذي استخدمه كلينتون في اعماله (غير اللائقة) مع الآنسة اليهودية مونيكا, منعا للاحراج, وابعادا للشبهات والتفسيرات المغرضة. ثم تنعقد القمة, وسط موجة من التصريحات المتفائلة, فماذا يعني الوصول إلى اتفاق فيها؟ إنه يعني التسليم بكل الشروط التي ارادها نتانياهو فيما يخص الانسحاب, حتى لو تعارض ذلك مع الاتفاقات السابقة, وصيغة 10 + 3 قد تقود إلى 9 + 4 أو 8 + 5 حسب التساهيل. وفي مقابل ذلك سيوقع عرفات على كل المطالب الاسرائيلية فيما يخص الامن (الاسرائيلي طبعا) ويتعهد باستئصال البنية الاساسية للمقاومة الفلسطينية التي اصبحت (ارهابا) وفقا للشروط الاسرائيلية التي وافقت عليها السلطة الفلسطينية! ايضا سوف يتعهد عرفات بجمع الاسلحة غير المرخص بها, ومنع كل صور التحريض ضد العدو الاسرائيلي في الاراضي الخاضعة للسلطة الفلسطينية. وايضا .. سوف يمتنع عرفات عن التصريح أو التلميح وربما (الحلم) بالدولة الفلسطينية التي كان يعد باعلانها في العام المقبل وفقا لاتفاقيات اوسلو, باعتبار ان ذلك سيترك لمفاوضات الحل النهائي التي سيتولاها وزير الخارجية الجديد الجنرال شارون. ومطلوب: ان يصدق الفلسطينيون ان مباحثات الحل النهائي يمكن ان تصل إلى شيء ايجابي, في ضوء تصريحات نتانياهو بأن المرحلة الثالثة للانسحاب ستكون من 1 أو 2% من اراضي الضفة, وفي ضوء تصريح سابق للرئيس الامريكي بأن تسوية تضمن اشراف السلطة الفلسطينية على 95% من الفلسطينيين و40% من الضفة ستكون امرا جيدا, وربما يكون التصريح خاصا بالتسوية المؤقتة, ولكنه يكشف عن النوايا, ويعطي صورة للمستقبل. ومطلوب ان يصدق الفلسطينيون ان مباحثات الحل النهائي يمكن ان تصل إلى شيء ايجابي مع الثنائي نتانياهو ــ شارون, واحد بجهله وغطرسته, وايمانه بان القوة الاسرائيلية وحدها قادرة على الحل الذي يريده, وواحد بتاريخه الاسود قاتلا للاسرى المصريين في سيناء, وقائدا ومخططا لمذبحة صبرا وشاتيلا التي راح ضحيتها ثلاثة آلاف قتيل عربي, ومهووسا بأسطورة اسرائيل الكبرى التي لا مكان فيها للعرب, ومؤمنا بضرورة تهجير الفلسطينيين أو ما تبقى منهم من اراضيهم, ومعلنا ان العرب ينبغي الخلاص منهم بالذبح والارهاب, وبأن السلام معهم حماقة لا ينبغي أن ترتكبها اسرائيل! ولا نريد ان نستبق الاحداث, ولكن الادارة الامريكية سوف تبذل كل ما لديها من ضغوط (على الفلسطينيين طبعا) لكي تنجح القمة, ويتم الاتفاق, فالادارة الامريكية تريد شيئا لتجميل وجهها ولاثبات ان كلينتون مازال ممسكا بمقاليد الامور وهي في نفس الوقت لا تستطيع ان تمارس اي تأثير على نتانياهو لان اللوبي الصهيوني الامريكي يقف بالمرصاد ويعرف مدى ضعف موقف كلينتون وهشاشته, أما عرفات فيدخل المباحثات بلا حول ولا قوة, وبلا أي قدرة الا على تقديم التنازلات. والمشكلة ان الكل يدرك ان ما سيتم عليه في هذه القمة سيكون هو الصورة الاقرب إلى الحل النهائي بعد عمر طويل أو قصير, إلا اذا حدث انقلاب كامل يعيد الامور لنصابها, ويعيد القضية إلى اصحابها بعيدا عن الحلول الاستسلامية التي لن تؤدي إلا إلى قبول الشروط الاسرائيلية. وبعد الاتفاق على حكاية 10 + 3 اذا تم, سيكون مجموع الاراضي في المنطقة (أ) الخاضعة للسلطة الفلسطينية, والمنطقة (ب) الخاضعة للسيطرة المشتركة الاسرائيلية الفلسطينية قريبا من 40% من مساحة الضفة الغربية, وهي النسبة التي يرى الليكود انها غاية ما يمكن (التنازل) عنه للفلسطينيين, وعلى ان تكون هذه هي حدود الحل النهائي بعد تحويل المنطقة (ب) إلى (أ) وبذلك تصبح نسبة الـ 40% هي الكيان الفلسطيني المقبل, وهي النسبة نفسها التي تحدث عنها كلينتون, ولتصبح كل المباحثات بعد ذلك مجرد تحصيل حاصل, أو صراع على زيادة واحد أو 2% على سبيل التحسين, ولتحول المناقشات إلى هل ستكون المعابر بين الضفة والقطاع مخصصة للاوتوبيسات فقط كما تريد اسرائيل لدواعي الامن, أم ستسير فيها السيارات الملاكي وربما سيارات التاكسي كما يريد عرفات؟ اما القضايا الحقيقية, بقية الارض ومستقبل القدس ومصير اللاجئين, فقد تم حسمها مقدما لمصلحة اسرائيل منذ أن رضيت القيادة الفلسطينية بأن تقدم التنازلات دون مقابل, وان تنهي الانتفاضة بلا بديل حقيقي, وأن تعتبر المقاومة (ارهابا) ينبغي وقفها قبل ان تتحرر الارض وتعود الحقوق. ان المسؤولين الامريكيين يحذرون الان من ان فشل القمة سيؤدي إلى كارثة في الشرق الاوسط, ولكن السؤال يبقى: وهل النجاح سيمنع الكارثة ام انه سيؤجلها فقط؟ وماذا سيكون رد الفعل بعد ان ينكشف حجم الخديعة التي تعرض لها الفلسطينيون؟ واي مصير ينتظر تسوية لا تحقق العدل مهما كان حجم الخلل في موازين القوى في اللحظة الراهنة؟ و.. كنت اريد ان اتفاءل مثل ذلك المسؤول العربي الذي التقى بالطرفين الاسرائيلي والفلسطيني قبل القمة الامريكية, ثم طمأننا بأنه متفائل لانه وجد أن المزاج الان افضل! كنت اريد ان اتفاءل مثله لولا أني أؤمن بأن تحرير الاوطان لا يمكن ان يكون ــ مثل الدنيا ــ حظوظ .. ومزاجات!!