أثار تعيين أريل شارون وزيرا للخارجية في الحكومة الاسرائيلية, الكثير من الهواجس المشروعة لدى الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما, فتاريخ هذا الرجل مليء بالمواقف العدوانية المتطرفة , وقد ارتكب في تاريخه العسكري العديد من المجازر الوحشية, وشارك في جميع حروب اسرائيل, وكان قائد الوحدة العسكرية التي احدثت ثغرة في الجبهة العسكرية المصرية, أثناء حرب تشرين 1973 وهي التي عرفت بثغرة (الدفرسوار) . اشتهر شارون بما سمي بمكافحة الارهاب في قطاع غزة (في السبعينات) عندما قام بابتداع وسائل تهجير اهالي المطلوبين الى سيناء وتدمير البيوت بكثافة, بما في ذلك مخططات اقامة الشوارع الامنية في مخيمات قطاع غزة التي ازيلت بموجبها نسبة كبيرة من بيوت هذه المخيمات. وفي العام 1982 اعد كوزير للدفاع لعملية اجتياح لبنان والوصول الى بيروت. وعندما وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا التي ذهب ضحيتها مئات الفلسطينيين واللبنانيين أكدت لجنة تحقيق اسرائيلية رسمية (لجنة كاهانا) مسؤوليته المباشرة عنها فأجبر على الاستقالة من وزارة الدفاع, الا انه بقي وزيرا حتى العام 1992, وشارون مسؤول عن تكثيف وتوسيع الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة. وشارون هذا لعب دورا كبيرا في الحياة السياسية الاسرائيلية, رغم انه لم يستطع حصد نتائج هذا الدور, فقد ساهم بقيام تكتل الليكود في العام 1973, كما لعب دورا كبيرا في وصول بنيامين نتانياهو الى سدة السلطة في اسرائيل في انتخابات العام 1996, حيث استطاع تشكيل كتلة انتخابية من أحزاب: ليكود, جيشر, تسومت, وكان له الفضل في تكتيل اليمين القومي والديني باتجاه انتخاب نتانياهو. ومشكلة شارون انه لم يستطع طوال حياته السياسية ان يصل الى زعامة حزب الليكود, وبالتالي لم يستطع الوصول لمنصب رئس وزراء اسرائيل, رغم طموحاته الكبيرة, وعلى رغم كل تاريخه العسكري والسياسي, وذلك بسبب طريقته الفردية في العمل وتصرفاته غير المتوقعة. ومن الجدير بالذكر ان التشكيلة الوزارية الاولى التي قدمها نتانياهو للكنيست بعد انتخابه لرئاسة الوزراء لم تضم أريل شارون, ولكن ضغوط الوزير السابق ديفيد ليفي هي التي ادت الى ارغام نتانياهو على تسمية شارون في وزارة ذات أهمية هي وزارة البنى التحتية. وبمناسبة تعيين شارون وزيرا للخارجية من المفيد اعادة التذكير بمواقفه السياسية. ففي مقال له بعنوان (الخطوط الحمر) نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) يوم 13 مارس 1983, يحدد شارون الخطوط التي ينبغي لإسرائيل ألا تتزحزح عنها في أية مفاوضات مقبلة, وهي: ــ (القدس الموحدة إلى الابد, عاصمة لإسرائيل, تحت السيادة الاسرائيلية لوحدها) . ــ نهر الاردن الى الابد, حدود الامن الشرقية. ــ لا سيادة اجنبية على ارض يهودا والسامرة (الضفة). ــ لا دولة فلسطينية ثانية (!) غربي نهر الاردن. ــ مشكلة اللاجئين جزء من اية تسوية. ــ الجولان بحدودها الحالية جزء من ارض اسرائيل. ــ حكم ذاتي موسع للسكان العرب في الضفة وغزة. وفي مقال آخر عنوانه: (زمن الطوارىء) نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) في 25 مايو 1990, اي قبيل انعقاد مؤتمر مدريد, يحدد شارون طريق التسوية الاسرائيلي الذي برأيه يجب ان يتركز على الاسس التالية: أ ــ وقف سباق التسلح... بحيث يعادل تسلح اسرائيل تسلح الدول العربية. ب ــ لتعزيز الثقة يجب دمقرطة الدول العربية لتكون قادرة على المحافظة على السلام عند تحقيقه. ج ــ حل مشكلة اللاجئين (عن طريق جهود دولية وإقليمية). د ــ معالجة المشاكل الاقليمية مثل مشكلة المياه والسوق المشتركة للشرق الاوسط الذي تقع في موقع القلب منه اسرائيل, الاردن, السعودية. هــ ــ اسقاط الاسوار بين اسرائيل والاردن. و ــ مفاوضات سلام مع كل الدول العربية. وخطة شارون هذه ترتكز اساسا على الاستمرار في المشروع الصهيوني لتهويد فلسطين ارضا وشعبا عن طريق الهجرة والاستيطان وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في البلدان العربية من ناحية, وأيضا ترتكز على اقامة نظام سياسي اقتصادي اجتماعي في المنطقة يصبح فيها للكيان الصهيوني مكانة المركز, من حيث القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية. ويعتبر شارون نفسه ضمانة للموقف الاسرائيلي من قضايا التسوية, ولذلك فقد بذل جهودا كبيرة في سبيل استنفار الجمهور الاسرائيلي وعواطفه الصهيونية ضد التحضيرات التي كانت تجرى لعقد مؤتمر مدريد, ففي مقال له بعنوان (شروط مسبقة ليست منا) , نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) 4 اغسطس 1991, يرفع شارون صوته معددا التنازلات الاسرائيلية (!) قائلا: (نحن في مؤتمر دولي (!)... قلنا يجب وقف الارهاب والانتفاضة... وها نحن ندخل المفاوضات حيث الارهاب في كامل زخمه... قلنا من دون مشاركة أوروبية... وأوروبا تشارك... قلنا من دون مشاركة الامم المتحدة... والأمم المتحدة في الداخل (!)... قلنا افتتاحا احتفاليا... وإذا هو بمؤتمر له استمراريته... تنازلنا في كل القضايا من دون ضغط ومن دون مقابل حقيقي. ويضيف: الآن بقيت فقط القضية الواحدة والوحيدة لتشكيل الوفد الفلسطيني... منذ سنوات نطالب بإجراء مفاوضات من دون شروط مسبقة, ونحن لم نفرض شروطا كهذه بالفعل... الا ان كل ما ذكرناه اعلاه يشير الى شروط مسبقة طلبها العرب وحصلوا عليها (!) باختصار قبلنا كل الشروط المسبقة للطرف الثاني ولم نعرض الشروط التي كان من واجبنا ان نعرضها) (!). وهكذا كان أريل شارون حتى في ظل حكم الليكود من أبرز معارضي عملية التسوية, وبعد وصول حزب العمل بزعامة اسحق رابين الى سدة السلطة في اسرائيل, استشرى شارون في الهجوم على سياسات حزب العمل, وحرض بكل قوة ضد اتفاقات أوسلو, واتهم حزب العمل وقادته بالتفريط بأمن اسرائيل وبالتراجع عن الصهيونية, وبتقويض اسرائيل (!). بعد عودة الليكود الى السلطة بزعامة بنيامين نتانياهو, استمر شارون على مواقفة, ومن موقعه في وزارة البنى التحتية, عمل على فرض سياسات الامر الواقع, فشق الطرق الالتفافية, والطرق الطولية والعرضية التي قطعت أوصال الضفة الغربية, لإضعاف التواصل الاقليمي بين التجمعات الفلسطينية, ولتسهيل حركة الجيش الاسرائيلي, وعمل على توسيع المستوطنات وتقديم كل أشكال الدعم للمستوطنين, هذا فضلا عن دوره السياسي في تشكيل حالة ضغط تحول دون تقديم اي تنازلات للفلسطينيين. في هذا الاطار أعد أريل شارون, وبناء على طلب الحكومة الاسرائيلية, خطة لإعادة الانتشار في الضفة الفلسطينية, في أواخر العام الماضي, استنادا إلى الضرورات الوطنية الاسرائيلية تقضي بألا تسيطر السلطة الفلسطينية سوى على 30% من منطقة الضفة الغربية. وتضم خريطة المصالح الامنية التي تضمنتها خطة شارون كل المستوطنات في الضفة الغربية البالغ عددها 144 مستوطنة, تاركة مجرد سلسلة من الجيوب لمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني, على اساس الابقاء على شريط أمني يمتد 20 كيلومترا الى الغرب من نهر الاردن لحمايتها من اي هجوم عربي, بحيث يبقى وادي الاردن تحت السيادة الاسرائيلية. وتضمنت الخطة بقاء منقطة القدس الكبرى بيد اسرائيل, إكمال تعبيد الطرق التي تقطع الضفة الغربية, بقاء مصادر المياه تحت السيطرة الاسرائيلية, عدم اخلاء معسكرات الكبيرة للجيش الاسرائيلي في الضفة, منطقة أمنية شرق الخط الاخضر بعرض 15 كم. تلك هي بالاجمال لمحة عن مواقف أريل شارون الذي اثار تعيينه وزيرا لخارجية اسرائيل ضجة كبيرة, كما أثار مخاوف لدى المراهنين على عملية التسوية, من استمرار تمسك حكومة نتانياهو بمواقفها المتعنتة, بخاصة مع استئناف المفاوضات في الولايات المتحدة الامريكية, بين الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني برعاية مباشرة من الرئيس الامريكي بيل كلينتون, ووزيرة خارجيته, مادلين أولبرايت. المهم ان الهدف من ابراز هذه الوقائع ليس التعريف بأريل شارون, وإنما التأكيد بأن السياسة الاسرائيلية لا يصنعها فرد, مهما كان قدره وانما تصنعها مؤسسات, كما ان هذه السياسة هي محصلة التطورات الجارية في اطار المجتمع الاسرائيلي. لعل شارون سيؤثر في اتجاهات الحكومة الاسرائيلية ولكن ليس بالقدر الذي لا تريده هذه الحكومة, ولعل نتانياهو عندما عين شارون يود تحقيق عدة أغراض, من ضمنها تعزيز وضعه الحكومي واستعادة تأطير الجمهور اليميني والمتدين والمستوطنين تحت قيادته, وربما هو يتأمل من ذلك التخفيف من اية مخاطرة قد يقدم عليها, وقد يكون من وراء ذلك أغراض تتعلق بتعزيز وضعه السياسي تمهيدا لخوض الانتخابات الاسرائيلية المقبلة, وأيضا ربما هي وسيلة لكبح طموحات شارون ووضعه امام الحقيقة في خوض غمار عملية التسوية واستلام ملف المفاوضات مع الفلسطينيين في المرحلة الانتقالية وفي مفاوضات المرحلة النهائىة, مما يوفر على نتانياهو الاحراج الداخلي والخارجي. اما بالنسبة لشارون ذاته فهذا التعيين قد يرضي بعض طموحاته, وقد يجدها فرصته السانحة لمنافسة نتانياهو على زعامة الليكود وعلى رئاسة الحكومة, وكل ذلك مرهون بمدى قدرته على تقديم نفسه كسياسي متمسك بمواقفه, وبالتالي مرهون بمدى قدرته على تمرير استحقاقات عملية التسوية. وفي اطار هذا التحليل من الجدير التذكير بمقابلة صحفية اجرتها صحيفة (دافار) مع المحلل السياسي الاستراتيجي دان هوروفتس حول شخصية أريل شارون, وقد نشرت المقابلة تحت عنوان (التكتيكي البارع والاستراتيجي الفاشل) في اشارة ملخصة لوضع شارون. يقول هوروفيتس عن شارن: (ليست عنده مسؤولية قومية وليست لديه أهمية أو قيم أخلاقية فهو يفعل ما يدفعه إلى الامام. فيه وحشية, وفي دولة ذات ميل كبير نحو القوة أحيانا يكون هذا مربحا. ليست لديه نظرة سياسية للعالم, وانما نظرة شخصية. فالذي يناسب لأرييل شارون يناسب للدولة, والذي يجذبه نحو اليمين هو أكثر من مزاج. ففي اليمين امكانات للقوى العدوانية التي يستطيع من خلالها اخراج العنف المطبوع عليه. هو يريد ان يصبح زعيما يوحد القوميات الحيروتية ويهودية الحراديم ــ المتدينين المتزمتين, الى جانب شعبوية الطوائف الشرقية) . أخيرا جاء شارون أم غيره فكل هذه التطورات هي تحصيل حاصل لموازين القوى المختلة لصالح اسرائيل, والحقيقة ان عملية التسوية في غالب مجادلاتها هي عبارة عن نقاش داخلي بين الاسرائيليين أنفسهم, في سياق التناقضات المحيطة بالمشروع الصهيوني ولعلاقاتها ولوظيفتها في المنطقة, وإلى حين نضوج ظروف عربية ودولية أفضل سيبقى الجدل حول التسوية جدلا إسرائيليا, ويتعلق بالأولويات والمصالح الاسرائيلية مها كان اسم الشخص الذي يتولى رئاسة الحكومة وهذه الوزارة أو تلك.