في ندوة مغلقة عقدتها صحيفة القبس الكويتية اوائل الاسبوع المنصرم في الكويت شارك فيها كتاب وصحفيون وباحثون عرب وايرانيون وجمع غفير من المهتمين الكويتيين بالشأنين العراقي والايراني اجمع فيها كل من حضر الندوة على ضرورة بسط الحوار اسلوبا وحيدا لتحقيق الادراك المتبادل بين اصحاب الرأي والرأي الآخر واسدال الستار نهائيا على الحروب عشية دخول البشرية الالف الثالث للميلاد. لقد ناقش المؤتمرون على مدى يومين كاملين كافة الملفات الساخنة التي تهم العالمين العربي والايراني وسيما تلك المتعلقة بمستقبل المنطقة في ظل تطبيع شامل وسلام اقليمي مؤمل رأى جميع من حضروا الندوة بانه بات حاجة ملحة لاهلها من اجل التنمية المطلوبة. لم يفت الكويتيون المنظمون للندوة وهم يشرحون قلقهم وشكوكهم تجاه النظام العراقي من جهة وتجاه الحليف الدولي من جهة اخرى ان يؤكدوا على ضرورة تدوين استراتيجية كويتية وتاليا عربية واسلامية لانتشال المنطقة من حالة اللااستقرار والتقلب الى حالة السلام والتطبيع الشامل بين الدول والجماعات والنخب بعيدا عن سياسة الهيمنة او التبعية. ولم يفت المشاركون في الندوة من الضيوف وهم يشرحون ابعاد المشهد الدولي او الاقليمي المحيط بالكويت الا ان يسجلوا للكويتيين ذلك الوعي المتزايد بينهم بأهمية الخروج من حالة الركود التي تعيشها المنطقة في علاقاتها الجماعية والتضامنية تجاه التحديات الخارجية. في زيارة سابقة لانعقاد الندوة قمت بها الى المملكة العربية السعودية التقيت خلالها بكبار رجال الصحافة والاعلام وعدد من رموز الحكم في البلاد خرجت فيه بانطباع مشابه خلاصته بان المملكة العربية السعودية حكومة وشعبا تجمع هذه الايام على ضرورة الانتقال بالمنطقة من حالة اللاقرار والتردد في العلاقات البينية الى حالة يسودها نظام اقليمي مستقر يقوم على الاحترام المتبادل للسياسات والمقررات القطرية والاقرار المتقابل بخصوصيات كل بلد مع السعي الدؤوب لبلورة تصور مشترك في مواجهة تحديات التنمية والسلام الشاملين, ولم يتردد كل من التقيناه في السعودية او الكويت في الاعلان الصريح عن موقفه التضامني مع ايران في كافة تحدياتها الخارجية ابتداء بحقها المشروع بالتشكيك في عملية التسوية الشرق اوسطية على الطريقة الاسرائيلية الامريكية وصولا الى المحاولات المشبوهة لاستنزاف قواها في حدودها الشرقية لاشغالها عن همومها الاساسية المتمثلة في البناء والتنمية الداخلية. واذ كان الجميع يدعو ايران الى الحوار المباشر مع جيرانها لانهاء كافة المسائل العالقة فانه كان يبدي ارتياحه الواضح من سياسة الانفتاح الخاتمية وعيناه شاخصتان باتجاه مستقبل تلك الحركة الاصلاحية وكله امل بان تتجه ايران الى اجماع وطني شامل يكرس السياسة الخاتمية داخليا وخارجيا بما يدفع الى مزيد من التقارب والتلاقي بين العرب والايرانيين في ساحات العمل الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي والثقافي الدولية. من جهتها فان ايران وبفضل قراءتها الدقيقة للتحديات الجديدة على حدودها الشرقية وبفضل وقوف اصدقائها العرب الى جانبها في امتحان الضخ الافغاني اذا جاز التعبير استطاعت اخيرا ان تخرج سالمة من هذا المأزق وهي تستعد اليوم للعب دور اسلامي جديد في اطار مهمة جماعية عربية ــ ايرانية تستهدف نزع فتيل التفجيرات الذي من شأنه ان يطيح بالتضامن الاسلامي في حال ركب الاتراك رؤوسهم وشنوا حربا ظالمة ضد الحليف الاستراتيجي لايران. محللون سياسيون استراتيجيون يرون بان تزايد الوعي السعودي بخطورة سياسة املاء القرارات التي ظلت واشنطن تتبعها مع اصدقائها على حساب تحالفات وصداقات العرب الاقليمية طوال السنوات الماضية, وشروع الكويتيين بالبحث عن استراتيجية جديدة لهم تتجاوز وقائع الماضي المرة وتوجه الايرانيين نحو مزيد من العقلنة لسياساتهم الاقليمية والدولية وادخال اصدقائهم واشقائهم العرب في صلب حساباتهم الدولية, كل ذلك من شأنه ان يدفع باتجاه بلورة معادلة اقليمية جديدة قادرة ليس فقط على وقف العنجهية الصهيونية عند حدها, بل واقناع المجتمع الدولي بضرورة اعادة النظر في تصوراته التقليدية للدول والجماعات والنخب الحاكمة وقدرات الرأي العام في كل دولة من دول المنطقة في التأثير على قرارات وسياسات حكوماتها. ثمة من يعتقد بان الصورة ليست بهذه الوردية التي سبق الاشارة اليها, وان هناك اكثر من مشهد حزين تعيشه الامة من اقصاها الى اقصاها لاسيما الواقع الاليم الذي يعيشه قلب العالم الاسلامي المتمثل بفلسطين المحتلة والقدس الشريف. ومثل هذا التحفظ يأتي في محله تماما لكن ذلك لايعني ولن يعني ابدا بان الوطن العربي والاسلامي كجسم رئيسي بات ميتا ومن دون حراك, نعم انه ينزف وينزف بشدة ايضا غير ان اكثر من علامة ومؤشر يفيدان على ان هذا النزيف هو نزيف ولادة وليس نزيف احتضار كما يظن البعض او يعتقد! ولادة عالم جديد من الحوارات المفتوحة الخالية من الحروب والدماء. يقول دعاة المجتمع المدني الاسلامي الجديد بان اسئلة الرأي العام وتساؤلاته باتت كثيرة هذه الايام, ومن ثم فان المجتمعات التي تكثر فيها الاسئلة دليل على حيوية تلك المجتمعات. وكما في السعودية والكويت وايران فان المتتبعين لما يجرى في سائر اقطار الوطن العربي والاسلامي الكبيرين, فان منطق الحوار بات هو المنطق السائد لحل القضايا والملفات الداخلية والخارجية على السواء بعد ان نجح الرأي العام او يكاد (ان يبسط وجهة نظره الداعية الى ضرورة الشراكة في صياغة وصناعة القرارات على كافة المستويات لان في ذلك وحده الضمانة والكفالة الوطنية على نجاح سياسات حكامه في الحرب كما في السلام. فما شهدناه في الندوة الخليجية المغلقة وكذلك ما سمعناه في السعودية المنفتحة اليوم اكثر من اي وقت مضى على ايران لمسناه ايضا في حوارات مفتوحة في الشارع الكويتي العريض والذي عاد في الآونة الاخيرة حسب قراءات العديد ممن زاروا الكويت مؤخرا, أشبه بالعين الواعية والمفتوحة على مجريات الاوضاع في دول الجوار وهي تأمل باعادة الحياة الى التضامن العربي والاسلامي ضمانا مفضلا على بعض الضمانات الدولية المؤقتة وغير المستقرة. بكلمة واحدة فان الشارع الخليجي الذي سيسمع صوته هذه الايام في اكثر من مستوى والذي يرى مشهده الثقافي معروضا في الديوانيات الشعبية والرسمية باتت عيونه مفتوحة اكثر من اي وقت مضى على الحوار المفتوح مع ايران ولسان حاله يردد ذلك المثل الشعبي المشهور (كلنا في الهم شرق) كاتب ومحلل سياسي ايراني*