مثلما انه ليس هناك أحلى من العسل سوى العسل, فإنه ليس أمتع من الكسل سوى الكسل, وهذا عرفناه صغارا حين كنا نضطر للاستيقاظ مبكرا للذهاب الى المدارس , ثم عشناه كبارا لأننا نضطر للاستيقاظ مبكرا للذهاب الى العمل, فلا نجد أفضل في الدنيا من غفوة اضافية نتمنى لو تطول قبل ان نصحو تماما. وهكذا نعيش عمرنا محرومين من الكسل, وإذا توفر فلا يزيد على لحظات, ليس لأن المشاغل والأعمال وغيرها تلاحقنا, بل لأن هناك من يحارب الكسل من العلماء والوعاظ والمدرسين وأرباب العمل والاقتصاديين, فيعتبرونه على الدوام من أسباب التخلف والفقر وتدني الانتاج ومناقضا لهدف الانسان من وجوده في التعمير والبناء والصناعة والزراعة, فكيف يمكن للانسان اذن ان يتمتع بالكسل وهناك من يهدده على الدوام بالجوع والعقوبات والتأديب؟ مع ذلك فقد نجح بعض الكسالى في كسر هذا الطوق الجهنمي حولهم, وتمتعوا بما يستطيعون من نوم في العسل, حتى انعدم عندهم البصل, وهؤلاء نراهم في شعوب تكاد تموت من الفقر والجوع, الا انهم مستمرون في كسلهم, الى الدرجة التي أجبروا فيها النشطاء والعاملين الى مد العون لهم ونقل الأغذية الى أفواههم, فحولوا من يعمل ويكد الى خدمتهم, فهل هنالك انتصار آخر أكبر من هذا للكسل؟ هذا الانتصار الذي نراه في شعوب لا تعمل يقوم على خدمتها البنك الدولي ومنظمات الاغاثة الدولية والاقليمية, يتسع ويتطور قليلا وعاما بعد آخر, فهناك مثلا العاطلون عن العمل الألمان الذين يرصون صفوفهم ويجمعون قواهم ويطالبون بــ (حق اللاعمل) دستوريا, ويدعون للتمتع بالكسل حتى آخر مدى والذي توفره لهم البطالة, ويسمون أنفسهم (منظمة العاطلين السعداء) الذين على الحكومة الانفاق عليهم لكي لا تفسد عليهم الكسل اللذيذ. هذه المنظمة, التي أفكر جديا في الاشتراك فيها, دعت في بيان سياسي هو (بيان العطالة) شباب ألمانيا الى التخلص من عقود العمل التي تهدد سعادتهم, والى تغيير الدستور الألماني بحيث يتضمن الى جانب حق المواطن في العمل بندا ينص على حقه ايضا في الكسل, أي حقه في اللاعمل, حسب نصهم القانوني, بحيث يتساوى مبدأ العمل الاجباري مع مبدأ اللاعمل, فلا تتحول البطالة الى خرق للقانون. طبعا بعد نشر بيان البطالة السعيدة انهالت الطلبات على المنظمة للانضمام اليها من الشباب والشابات على السواء للتمتع بالكسل أولا ولحمايتهم ثانيا من دوائر العمل التي تطالبهم بالدخول في دورات للتأهيل المهني, ما نتصور ان هذه المنظمة الجديدة سوف تشكل تهديدا سياسيا واقتصاديا على السواء لحكومة المستشار الجديد شرويدر الذي عليه اذا زاد عدد أعضائها عاما بعد آخر, ان يشغل في ألمانيا عمالة أجنبية من الهند وسريلانكا والفلبين وباكستان والصين وغيرها من الدول لكي يطعم الألمان الحاصلين على حق الكسل دستوريا. وبما اننا نكتب عن منظمة الكسل الألمانية ونحن نحمد الله لأن العبقرية العربية لم تصل بعد الى مستوى تلك الألمانية, وإلا لكان عندنا اليوم عشرات من هذه المنظمات الكفيلة بخراب بيوتنا على خرابها الحالي, فإننا نختم بالباحث الاجتماعي الألماني الدكتور اف. كريستيان الذي قدم الدعم الكامل لمنظمة الكسل في بلاده, لا لأنه عاطل عن العمل منذ سنوات فحسب, بل لأنه كان يحاول, كما قال للصحافة مؤخرا, تأسيس (اتحاد مضاد للعمل) في ألمانيا منذ سنوات, غير انه أخفق في ذلك حتى اليوم بسبب كسله!