أسخف ما قرأت, خلال الاحتفال بالعيد الفضي لحرب اكتوبر, هو تلك النغمة التي أرادت ان تتخذ من الاحتفال مناسبة لمواصلة منهجها في تصفية حسابات سياسية , قديمة أو جديدة, بأن تختزل التاريخ في معلومة كاذبة تقول ان (عهد عبدالناصر) هو عهد هزيمة يونيو 1967, وأن (عهد السادات) هو عهد نصر اكتوبر 1973, وهو نوع من الاختصار المخل الذي يتعمد تجاهل الحقائق, فيسيء الى الحرب, ويفسد التاريخ, ويحول بيننا وبين التواصل إلى دروسه الحقيقية! والذين يقولون ذلك يفترضون ان كل شيء ظل على حاله في أعقاب هزيمة 1967. وان (عبدالناصر) لم يفعل شيئا خلال السنوات الثلاث التي أعقبتها, وانتهت بوفاته, وان (السادات) تسلم الجيش الذي خاض حرب 1973, على الحالة التي كان عليها يوم 10 يونيو 1967, وينسون ان استيعاب (عبدالناصر) لدرس الهزيمة من الناحية العسكرية, كان كاملا وصحيحا, ولايزال كذلك حتى الآن, فقد قرر منذ اللحظة الأولى ان يبني لمصر جيشا عسكريا محترفا, مهمته الأساسية هي الدفاع عن الوطن, وليس تأمين النظام, كما كان عليه الحال من قبل, وهو الخطأ الرئيسي الذي وقعت فيه ثورة يوليو, وكان السبب في هزيمة 1967, ويتجاهلون عن ان كل قادة حرب اكتوبر 1973, بما فيهم (الرئيس مبارك) , كانوا ممن اختارهم (عبدالناصر) لإعادة بناء هذا الجيش المحترف, وانه ظل يشرف بنفسه على هذا البناء, على الرغم مما كان يتطلبه ذلك من مجهود شاق لم تكن تتحمله حالته الصحية, التي تدهورت في أعقاب الهزيمة, فتحولت من مرض السكر إلى التصلب في شرايين الساق, ثم إلى جلطة في القلب. ولأن السياسة تفسد التاريخ عادة, فقد كان طبيعيا ان يسعى هؤلاء في سبيل تأكيد وجهة نظرهم إلى حذف فصل كامل وهام من تاريخ حرب اكتوبر, هو حرب الاستنزاف التي شنتها القوات المسلحة المصرية, على جيش الاحتلال الاسرائيلي واستمرت حوالي العام ونصف العام, بين مارس 1969 وأغسطس 1970, فألحقوها بتاريخ هزيمة 1967, واعتبروها (شيئا) من (انشاء الشيوعيين والناصريين) ووصفوها بأنها كانت استنزافا لمصر وليس لإسرائيل, ولطموا خدودهم أسفا على الذين استشهدوا خلالها في مدرسة بحر البقر, وشقوا جيوبهم حزنا على البترول الذي فقدته مصر في تلك الحرب, نتيجة للغارات الجوية الاسرائيلية على الأهداف المدنية. وما يجهله ــ أو يتجاهله ــ هؤلاء, هو ان حرب الاستنزاف ــ كما يقول المشير (محمد عبدالغني الجمسي) في مذكراته كان تمهيداً مطلوباً وضرورياً لكي يصبح قرار حرب اكتوبر ممكن التنفيذ, فهي المرحلة التحضيرية الحقيقية لتلك الحرب.. اذ كان الهدف العسكري منها, هو تطعيم الجنود المصريين على القتال وتعويدهم على جو المعركة بما يرفع من روحهم المعنوية وكفاءاتهم القتالية, وتكبيد اسرائيل خسائر في الارواح والمعدات, وعرقلة محاولاتها لانشاء خط بارليف, الذي لم يبن الا بعد توقف تلك الحرب, وهو هدف تحقق بالكامل فضلاً عن ان اسرائيل اضطرت, في محاولة منها لايقاف ما تتعرض له من استنزاف, لاستخدام معظم اسلحتها الحديثة, وخاصة في مجال القوات الجوية والحرب الالكترونية, وهو ما اتاح لمصر ــ كما يضيف (الفريق الجمسي) ــ الفرصة للتعرف على تلك الاسلحة, والتخطيط لمواجهتها, فاستكملت شبكة الدفاع الجوي, وانشأت حائط الصواريخ, الذي لعب بعد ذلك دوراً هاماً في حرب اكتوبر.. وما ينساه هؤلاء, هو ان قادة حرب الاستنزاف, كانوا هم انفسهم قادة حرب اكتوبر, بما فيهم (الرئيس مبارك) , الذي كان رئيساً لاركان حرب القوات الجوية آنذاك, وان كثيرين من القادة الحاليين للقوات المسلحة المصرية, كانوا من بين المقاتلين الذين اشتركوا في الحربين, وان التهوين من شأن حرب الاستنزاف, واعتبارها (شيئاً) انشأه الشيوعيون والناصريون, فضلاً عن انه يفتئت على تاريخ الوطن, فإنه يمس اعتزاز هؤلاء جميعا بالواجب الذي ادوه, مع انه لا ذنب لهم, في ان هناك من يتلوون حقداً على ذكرى (عبدالناصر) ورغبة في الانتقاص من قدره, ومع انهم ليسوا طرفا في المساجلات السياسية التي تنشب بين هؤلاء وبين الناصريين في مصر او في غيرها, فهي مساجلات ينبغي ان تقتصر على اطرافها, لأن (عبدالناصر) ليس ملكاً للناصريين, لكي يتخذ منه كل من يختلف معهم, اهدافاً لرصاصاته, ولان حرب الاستنزاف, ليست ملكاً لعبدالناصر, لكي يتخذ منها كل من يكرهه هدفاً لترويج الأكاذيب التاريخية! وأسوأ ما يمكن ان نفعله بتاريخنا, هو ان نقحمه في المجادلات بين الفرق المتناحرة, لاسباب سياسية او شخصية, او كلاهما, لأن ذلك يحول التاريخ من علم يقوم على جمع الروايات المتعددة للحدث الواحد, والمقارنة فيما بينها وترجيح بعضها على الآخر للوصول الى الحقيقة, او الى اقرب نقطة منها, انطلاقاً من ان معرفة الماضي هي التي تمكننا من السيطرة على الحاضر ومن التخطيط للمستقبل الى مجموعة من الشتائم والاكاذيب والحقائق الناقصة او المتحيزة, لا تستهدف سوى الكيد لمن نختلف معهم والثأر ممن نكرههم, والزراية بهم, والانتقاص من قدرهم, وتحويل فضائلهم الى رذائل, واستبدال أكاليل العار بأكليل الغار التي يزينون بها رؤوسهم, انطلاقاً من منهج كيد النسا, وهو منهج شائع بين الرجال والنساء في العلاقات الشخصية, كما هو شائع في المجادلات السياسية والفكرية, اذا خاصم اصحابه ــ في السياسة ــ فجروا, واذا كتبوا في التاريخ كذبوا, اما بتغيير الحقيقة, او باخفاء نصفها الآخر.. ولا بد ان هذا الفجر في الخصومة, هو الذي دفع كاتبا فخيما الى الربط بين وصفه لحرب الاستنزاف بأنها (شيء اخترعه الناصريون والشيوعيون) وبين قصة تقول خلاصتها بأن ممتلكات المرحوم (فرغلي باشا) وكان واحدا من اكبر تجار القطن واكبر مليونيرات ما قبل الثورة قد وضعت تحت الحراسة, التي خصصت له مرتبا شهرياً لم يكن يكفيه, وانه مرض فلم يجد اجر الطبيب, فاستفز ذلك ابنته التي كانت تزوره في بيته, فدعت على (عبدالناصر) , وذعر الأب وصفعها لتسكت.. وفي اليوم التالي التقى الباشا بأحد اخوة (عبدالناصر) , فقال له: سلمت يدك يا باشا.. ومعنى ذلك, كما يقول الكاتب الفخيم, ان الصفعة التي حدثت في بيت الرجل مساء, وصلت الى أخي الزعيم في الصباح! ومنهج كيد النسا في تفسير التاريخ, هو الوحيد القادر على ان يضع هذه الواقعة في سياق مقال يقارن بين عظمة حرب اكتوبر وتفاهة حرب الاستنزاف, فصحة الواقعة لا تعني ان (عبدالناصر) كان بطل الهزائم, ولا تدل على ان حرب الاستنزاف شيء اخترعه الشيوعيون والناصريون من العدم, ووقوع حكم (عبدالناصر) في اخطاء لا يعني ان كل ما فعله خطأ واصدار (السادات) لقرار العبور, لا يعني ان كل ما حدث في عهده, كان صواباً.. والواقعة للأسف صحيحة, وقد رواها (فرغلي باشا) نفسه في مذكراته التي نشرت في الثمانينات بعنوان (عشت حياتي بين هؤلاء) , ولان منهج كيد النسا في تفسير وقائع التاريخ, كان يلقي بظله على من اختارها لينشرها اثناء احتفالات اكتوبر, فقد تعمد ان يغير بعض تفاصيلها, من بينها ان الذي كان مريضاً هي احدى حفيدات الباشا وليس هو, وان المشكلة لم يكن سببها العجز عن دفع اجر الطبيب, ولكن عدم تحمل نفقات العلاج, وان الباشا قد عرض على ابنته ان يساعدها على مواجهة هذه النفقات, مما يدل على انه هو نفسه كان قادراً نسبياً, ولكنها طلبت اليه ان يحتفظ بنقوده لنفسه تحوطاً للمستقبل, وان التحية التي وجهت اليه من شقيق عبدالناصر ــ المرحوم عز العرب ــ كانت بعد ايام.. ولم تكن في اليوم التالي... اما المهم, فهو ان القصة انتزعت من سياقها, على نحو يفتقد للأمانة فقد وضع (فرغلي باشا) تحت الحراسة, في اعقاب تأميم شركاته وكان معظمها يعمل في تجارة وتصدير الاقطان نتيجة لشكوى قدمها أحد المنافسين له, وهي تهمة يعترف في مذكراته بأنها حققت بأمانة ونزاهة ومن دون تحامل, وعلى الرغم من ان التحقيق قد استغرق وقتا طويلا, فقد انتهى ببراءته, وهو يعتقد ان (عبدالناصر) لم يكن يعلم بكثير من المآسي التي حدثت عند تطبيق الحراسات, أو انه كان يعلم ببعضها ولكنه لا يعيرها الاهتمام الواجب, ويدلل على ذلك بأن الحراسة قدرت له في البداية مرتبا شهريا قدره جنيهان ونصف, فحمل القرار الى صديقه الحاج (عبدالناصر حسين) والد الرئيس, وبعد أيام أبلغه ان الرئيس دهش وتألم, وقال انها احدى سخافات الحراسة, وأصدر أمره بتصحيح الوضع. أما قبل ذلك فقد كانت العلاقة بين فرغلي باشا وبين ثورة يوليو, علاقة طيبة للغاية, وقد بدأت ــ طبقا لما يقول في مذكراته ــ عام ,1953 عندما نشرت الصحف ان في النية محاكمته أمام محكمة الثورة بسبب اتهامه بالتلاعب في بورصة القطن خلال عامي 1950 و,1951 فسعى لمقابلة (عبدالناصر) الذي استمع اليه لمدة تزيد على أربع ساعات, اقتنع في نهايتها بسلامة موقفه, فعدل عن محاكمته. وظل (فرغلي باشا) خلال السنوات التسع التالية لذلك على صلة مباشرة وغير مباشرة به, وبآخرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة وبكل وزراء الزراعة والاقتصاد خلال تلك المرحلة, وكان بمثابة مستشار لرئيس الدولة وللحكومة في كل ما يتعلق بشؤون القطن, وكثيرا ما كان (عبدالناصر) يأخذ بمشورته باعتباره الأكثر خبرة في هذا المجال, واشترك في وفود رسمية مثلت مصر في الخارج, ودخلت باسمها في مفاوضات اقتصادية, وكان يكتب بآرائه في الاقتصاد لعبد الناصر فيأخذ بكثير منها أو يعرضها للمناقشة في مجلس الوزراء. أما بعد هذه الواقعة المؤسفة التي يضع (فرغلي باشا) مسؤولية وصولها الى شقيق عبدالناصر, في عنق المشير (عبدالحكيم عامر) , الذي كانت الأجهزة التابعة له تسيء الظن به وتتجسس عليه, فقد تحسنت العلاقة بينه وبين (عبدالناصر) , فأذن له بالسفر الى الخارج للعلاج, وأصدر مكتبه أوامر بتسهيل اجراءات سفره, وعندما عاد, تيقن (عبدالناصر) من ذلك انه كان بريئا من تهمة تهريب الأموال, واستجابة لرجائه بالاستفادة من خبرته, فأصدر قرارا جمهوريا بتعيينه مستشارا لمؤسسة القطن بأعلى مرتبات ذلك الزمان, وهو مرتب رؤساء مجالس ادارات شركات القطاع العام. رحم الله (فرغلي باشا) الذي كان لديه ألف سبب وسبب لكي يتبع منهج كيد النسا في كتابة التاريخ, فيخصص مذكراته للثأر من ثورة يوليو, واستمطار اللعنات على اليوم الذي طلعت فيه شمسها, فقد أممت أمواله, ووضع ما لم يؤمم منها تحت الحراسة, لكنه آثر ان يكون منصفا, وان يغسل قلبه من الوحدة قبل ان يقدم شهادته, فانتقد كثيرا مما اعتبره أخطاء للثورة, وخاصة تلك التي ترتبط بمصالح طبقته أو تتناقض مع رؤيته الرأسمالية, ولكنه لم ينكر فضلها الكبير, وأقر بأنها قامت لأهداف نبيلة تمناها الشعب, وبأنها كانت نموذجا ناجحا لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث, وبأنها اتخذت قرارات هامة منها تأميم القناة وتأميم البنوك, وقال بأن عبدالناصر كان رمزا للكرامة والوطنية والاعتزاز بالنفس, كانت له حسنات عظيمة كما كانت له أخطاء ضخمة! ذلك هو السياق الذي روى فيه (فرغلي باشا) قصة صفعه لابنته, ولو انه استند اليها لكي يكتب مقالا ميلودراميا, يلعب فيه (عبدالناصر) دور جبار الشاشة الذي كان يلعبه المرحوم (محمود المليجي) , لما لامه أحد, ولو انه ربط بين الصفعة وبين ذلك الشيء المسمى حرب الاستنزاف لما غضب أحد, ولكن الرجل كان فيما يبدو لا يعرف شيئا عن كتابة التاريخ بمنهج كيد النسا, وكان خاليا من موهبة كتابة الروايات الرديئة والمقالات الركيكة.