منذ مجيء الحكومة الاسرائيلية الحالية وفوز تكتل الليكود بالانتخابات العامة والمفاوضات العربية ــ الاسرائيلية في تدهور مستمر, وقد يحلو لنا القاء اللوم على كاهل تلك الحكومة لما نعتقد انه عجرفة وتصلب تجاه المفاوضات الا ان في الحقيقة ان نتانياهو أو حكومته لا يلامون من قبل السياسيين العالميين, ان مبدء المفاوضات يرتكز دائما وابدا على اساس الاخذ مقابل الاعطاء, فلا اخذ ان لم يكن هنالك اعطاء, وتبقى مسؤولية اللجان المشتركة في وضع التسعيرات المناسبة لكل حالة لارضاء الطرفين في نهاية الامر. ويرى غالبية السياسيين ان المشكلة كانت في ان الفلسطينيين قدموا تنازلاتهم كاملة مقابل الحصول على المزايا التي حصلوا عليها في المرحلة الانتقالية الاولى, ولم يتركوا لانفسهم متسعا كافيا لأي تنازلات اضافية يقدمونها للحصول على مطالب اضافية ولربما كان من الاجدر التفاوض على اساس المساواة كرفض الاعلان عن الاعتراف باسرائيل الا حينما تعترف هي بدولة فلسطينية مستقبلية يتم التفاوض عليها فيما بعد, ولكن بالرغم من التشوهات التي تعاني منها اتفاقية اوسلو الا ان المشكلة ليست في الاتفاقية نفسها ولكن في رغبة احد الطرفين في الافلات من تنفيذها. الحكومة الاسرائيلية السابقة كانت تؤمن ان اعطاء العرب بعض الاراضي المحتلة سيجلب الامن والسلام الدائمين لدولة اسرائيل, الفرق الان هو ان نتانياهو يؤمن بأن القبضة الحديدية هي التي ستجلب للاسرائيليين الامن والرفاهية الاقتصادية المصاحبة له, ويتفاخر بان حكومته استطاعت ارعاب الفلسطينيين لدرجة ان حماس باتت لا تقوى على القيام بأي عمليات انتحارية ضد المدنيين الاسرائيليين مثلما كانت تفعل من قبل عندما كان حزب العمل المعتدل في سدة الحكم, وقد يكون كلام نتانياهو واقعيا إلى حد ما حيث انه بالتأكيد يتوافق مع ما يعتقده الرأي العام الاسرائيلي حاليا بان الاسلوب الامثل للتعامل مع الفلسطينيين هو القبضة الحديدية مما ينذر بفوز آخر لليكود في الانتخابات التي بدأت منافساتها من الان. وبما انه لا توجد أي قوة عالمية تستطيع ان تجبر نتانياهو على قبول الانسحاب, فانه يتوجب على الفلسطينيين وبسرعة البحث عن اشياء اخرى يعطونها للحكومة الاسرائيلية ليتنازلوا لهم عن الارض. وهنالك عدة اتجاهات استكشفها الفلسطينيون في السنوات الثلاث الماضية, فمنع استيراد البضائع والسلع الاسرائيلية إلى داخل اراضي السلطة الفلسطينية كان له انعكاسات سياسية جيدة, كما ان الحملات الدبلوماسية الفلسطينية المكثفة والتي قام بها ياسر عرفات في جميع انحاء العالم وكذلك مجموعة من اعضاء السلطة منهم صائب عريقات ونبيل شعث ومحمود عباس وغيرهم قدمت للفلسطينيين تأكيدات دولية واسعة بعدم قبول السوق الاوروبية المشتركة والولايات المتحدة والصين وغيرها لسياسة تطبيق الامر الواقع ورفضهم حتى الان الاعتراف بأي تغييرات تحدثها الحكومة الاسرائيلية على التوزيع الديموغرافي في المنطقة, وقد وصل التأييد الدولي إلى درجة ان عدة دول اوروبية هددت بفرض عقوبات على اسرائيل فيما لو كانت قد نفذت برنامجا تمنع بموجبه المزارعين الفلسطينيين من تصدير منتجاتهم للخارج ان لم تصنف كمنتجات اسرائيلية وتحت اسماء شركات تصدير اسرائيلية, وان كانت الحكومة الاسرائيلية قد تراجعت عن برنامجها هذا الا ان كل هذا الضغط لم يفلح في التوصل إلى اتفاق يسمح بموجبه بفتح مطار غزة أو باقامة ميناء غزة الذي مازال العمل فيه جاريا. ان الاختيارات المتاحة امام الفلسطينيين تبدو افضل في المستقبل القريب, فتهديد عرفات باقامة دولة فلسطينية في مطلع مايو 1999 يضع ضغوطا قوية على الحكومة الاسرائيلية للتحرك لمنع قيام هذه الدولة من طرف واحد, كما ان نتانياهو سيكون بموقف افضل لتقديم تنازلات اضافية اثناء فترة حكمه الثانية, وبكل الاحوال فان الغضب الفلسطيني المكبوح سيتمخض في النهاية عن شيء ما لا بد وان يجلب معه المزيد من الاراضي والموارد الطبيعية لهم, سواء كان انفجار هذا الغضب في الشارع العام أو على مائدة المفاوضات, وفي ظل وجود هذه المعطيات فان حكومة نتانياهو تجد نفسها مرغمة على الاستمرار في التفاوض مع الفلسطينيين حتى يتسنى لها البقاء في مركزها السياسي الاستراتيجي والمحافظة على التحالفات السياسية القائمة وهذا ما يدركه الرئيس الفلسطيني ويلعب اوراقه بنجاح مستفيدا من محاولة نتانياهو الموازنة بين تكتل اليمين المتشدد واليسار المنفتح. ولكن اقامة الدولة الفلسطينية يتطلب اعترافا دوليا واسعا يمنع الحكومة الاسرائيلية من التدخل العسكري بعد اعلان الدولة, ويجب ان يتصاحب هذا الاعلان مع التأكيد الفلسطيني الدولي بعدم المساس بمصالح الدول الاجنبية في المنطقة وان اقامة الدولة الفلسطينية لن يتسبب في اي اخلال في موازين القوى الحالي وكذلك الحصول على تعهدات مالية دولية وضمان عدم انقطاعها ردا على اعلان قيام الدولة, وقد تم بالفعل تحديد لجنة رفيعة المستوى لتقوم بدراسة الحالة السياسية العالمية تجاه الدولة الفلسطينية وتصنيفها وتقديم المقترحات والتوصيات اللازمة وقد تم الكشف مؤخرا عن اجراء السلطة الفلسطينية اتصالات مع سلطات النقد في لندن وسويسرا لوضع الهيكل العام لتنظيم اصدار عملة فلسطينية مقبولة دوليا وثابتة القيمة لمنع تعريضها للانهيار وبالتالي لمشاكل اقتصادية متفاقمة كالتضخم والنمو السلبي والبطالة وغيرها. ان الفلسطينيين يدركون جيدا ان وجود دولتهم والحصول على الاعتراف الدولي اللازم لبقائها يعتمد بالقدر الكبير على مدى نجاحهم في عدم تحويل مناطق الدولة الجديدة الى مأوى للمتطرفين وعلى قدرتهم في التأثير ايجابا على اقتصاديات الدول المجاورة. وجدير بالذكر ان السلطة الفلسطينية الحالية تحظى باعتراف اكثر من 107 دول بما فيها كافة اعضاء مجلس الامن دائمي العضوية, ويجب التنويه هنا الى ان الاعتراف المجرد بلا اي ثقل سياسي او اقتصادي لا يجدي شيئا, كما انه يجب التأكد مسبقا لاي مدى سيكون هذا التأييد وبأي صورة سيكون؟ فما جدوى التأييد الشفهي عندما تجتاح الجيوش الاسرائيلية المدن والاراضي الفلسطينية من جديد دونما اي رد فعل حقيقي ضدها يجبرها على التراجع او بالاصح على التخوف من القيام بمثل ذلك العمل الذي سيشكل في حال حدوثه الاعتداء على دولة مستقلة مسالمة لم تقم بالهجوم على احد ولا تحتل اراضي احد ويعترف بها العالم اجمع. وبالتالي نستطيع القول ان التأييد الدولي لاقامة الدولة الفلسطينية يجب ان يأتي معه تعهدات واسعة وصريحة بحماية هذه الدولة التي لن يكون لها جيوش خاصة بها تشكل بها اي تهديد للدول المجاورة مثلها في ذلك مثل سويسرا والفاتيكان كما انه سيكون انجاح الحملات الترويجية التي تسبق احتفالات بيت لحم 2000 و التعهدات الدولية للمشاركة فيه مؤشرا قويا على مدى تقبل العالم الخارجي لاستقلالية الشؤون الفلسطينية ودافعا دبلوماسيا جيدا نحو تقبل العالم الخارجي لاقامة الدولة الفلسطينية, فالاختبار الحقيقي سيكون مدى رغبة دول العالم لاقامة الدولة الفلسطينية. ويتوقع عند اعلان قيام الدولة الفلسطينية ان تقوم معظم الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي وتلك التي في منظومة عدم الانحياز اضافة الى دول جامعة الدول العربية واعضاء منظمة الوحدة الافريقية بالاعتراف الفوري بها, ويبقى على الفلسطينيين حينئذ مهمة تحديد ابعاد هذا الاعتراف وما يمكن ان يرافقه من مظاهر التحالف التي من شأنها ان تحمي استقلالية وبقاء هذه الدولة الحديثة. وتنتشر في الاوساط السياسية الدولية عدة نظريات عن مستقبل هذه الدولة التي يرى العديد من الدول المجاورة انها قد تسبب لها مشاكل اقتصادية وامنية, اما المشاكل الامنية فتلك لها حلول مدروسة ومعروفة ويمكن وضع خطط امنية صارمة تكفل الامن للجميع من كافة الاطراف, لكن المشكلة تكمن في النظريات الاقتصادية التي تتوقع مصاعب اقتصادية مجاورة كالاردن مثلا من جراء التوقف عن استخدام العملة الاردنية في التعاملات التجارية داخل مناطق السلطة الفلسطينية, الا ان دراسات اقتصادية اخرى تشير الى ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين باضطراد مما سيخفف بكثير من حدة ما ورد في النظريات السلبية التي عادة ما تتعمد اغفال ذكر العوامل المضادة الاخرى. لذا فانه بات من الواضح ان الفشل في المفاوضات قد يؤثر الى حد ماعلى مدى قوة هذه الدولة ولكنه بالتأكيد لن يعني عدم نجاحها وازدهارها. كاتب فلسطيني*