لم نكن نمزح تماما حين طالبنا الصحة المدرسية عندنا مؤخرا بتطعيم الطلبة ضد قلة الأدب مثلا أو ضد الشره للمشروبات الغازية التي تزيدهم وزنا وسمنة, أو غيرها من أمراض السلوك العام والأمراض النفسية , إذ سرعان ما أعلن العلماء في بريطانيا عن دواء لقلة الحياء, فيما نعرف من إنجازات سابقة للعلم ان هناك أدوية تحارب السمنة والكآبة وغيرهما. غير اننا نبقى مع دواء الحياء, فهذا يعالج حسب شركة بريطانية حالات الخجل عند الناس, خاصة النساء, وتتوقع له الشركة مبيعات كبيرة لأن هناك ثلاثة ملايين شخص في بريطانيا وحدها يعانون من الخجل الحاد والمزمن وحوالي عشرة ملايين آخرين يعانون أنواعا أخرى من الخجل الأقل حدة. طبعا الطلبة عندنا لا يحتاجون إلى أدوية تساعدهم على إزالة الخجل, بل هم يحتاجون كما طالبنا الصحة المدرسية إلى أدوية تحارب عندهم قلة الأدب وتجعلهم يخجلون فيتأدبون قليلا, وبما ان هؤلاء كما هو واضح من سلوكهم مع المدرسين وزملائهم وحتى مع آبائهم عندهم فائض قلة حياء, فإن البريطاني الذي يعاني من الخجل الشديد يستطيع ان يستعيد منهم قليلا من قلة الحياء, فيوفر فلوسه التي سيدفعها على الدواء الجديد, لولا ان البريطانيين ما عندهم فكرة فيما يبدو عند طلبتنا بدليل انهم اجتهدوا لصناعة دواء يعالج الخجل وتكبدوا مشقة البحث وصرف المال. على العموم فإن في الاختراع البريطاني منفعة لمن يعاني من الخجل عموما, مع اننا نشك في وجود مثل هؤلاء في العالم اليوم, رجالا ونساء على السواء, فعصرنا عصر المعلومات والانترنت والأقمار الصناعية, حتى ان فضائح الرؤساء الخاصة جدا صارت مكشوفة من دون خجل ولا حياء, اما إذا وُجد مثل هؤلاء الخجولين ففعلا تكون حالتهم صعبة لا يفيد فيها سوى دواء ناجع. الدواء الناجع هذا بريطاني جرب على امرأة عمرها 29 سنة, تكاد من فرط خجلها الشديد لا تخرج من البيت خوفا من الناس والحديث معهم, غير انها بعد ثلاثة أشهر من تلقيها العلاج بالدواء المذكور تغيرت حياتها, حتى انها صارت تقضي من الوقت في الحانات والنوادي والمقاهي أكثر مما تقضيه في البيت, تعويضا لما فاتها من أيام الخجل. هذه المرأة تحتاج اليوم فيما أتصور خاصة إذا كانت متزوجة دواء آخر يعيدها إلى الحياء, أو يعيد الحياء إليها لكي تعود بدورها إلى البيت, إلا ان ذلك ليس موضوعنا, فنبقى مع الدواء نفسه الذي لابد ان يجد فيه الرجال منتهى سعادتهم أكثر من النساء, لا لأنه سيحررهم من الخجل ويفك عقدهم في العمل والشارع ومع النساء, فأكثر هؤلاء اليوم كما أسلفنا لا يخجل, ولكن لأنه سيفك خجل النساء, طالما ان مفعوله شديد وأكيد, ما سيجعل النساء يلاحقن الرجال ويتحرشن بهم, فيعفي ذلك الرجال من المسؤولية القانونية في قضايا التحرش تحديدا. وبما ان جيلا جديدا متوقعا من النساء الخجولات جدا سوف لن تتردد الواحدة منهن في مطاردة الرجل من شارع إلى آخر ومن مركز تجاري إلى غيره, أو في رمي شريط كاسيت عليه من سيارتها عند الاشارة الحمراء وفيه رقم هاتفها, أو في التقدم لطلب يد الشاب من أبيه, فإن المتوقع ولادة جيل بالمقابل من الشباب يخجل حتى من ظله, كرد فعل على قلة حياء النساء, ما سيكثر عندها شكاوى هؤلاء على النساء بتهم التحرش بهم ومضايقتهم وما هو أكثر من ذلك, فنشهد في القرن المقبل مثلا رئيسا للولايات المتحدة يتهم إحدى المتدربات في البيت الأبيض بالتحرش الجنسي ضده والاعتداء عليه وممارسة أفعال قليلة الأدب معه, فتتحول قضيته إلى الكونجرس لكي يحكم له ضد المتدربة قليلة الحياء التي اعتدت على الرئيس جنسيا!