يزداد الخلاف في الساحة الامريكية بين مدرستين حول العراق, المدرسة الاولى ترى ضرورة العمل على اعادة النظر بوضع العقوبات المفروضة على العراق وذلك في اطار تطبيق العراق للقرارات الدولية وفي ظل آفاق تعاونه مع مجلس الامن . أما المدرسة الثانية فترى بضرورة العمل على اضعاف صدام وتقوية المعارضة وتأخير رفع العقوبات, وللمدرسة الاولى بعض التواجد في اوساط الحزب الديمقراطي, اذ عبرت عنها في الاسبوع الماضي رسالة بعض اعضاء الكونجرس خاصة من ولاية ميتشجان الى الرئيس كلينتون والتي طالبت باعادة النظر بقضية العقوبات. أما المدرسة الاخرى فهي مدرسة الاغلبية ومدرسة الحزب الجمهوري التي تميل لدعم المعارضة العراقية وتفضل موقفا اكثر حزما تجاه الرئيس العراقي, وهي تعتبر ان الرئيس كلينتون لم يقم بما هو مطلوب منه تجاه هذا الأمر, وذلك في ظل انشغاله بالازمة الداخلية. وتعبر هذه المدرسة عن ذاتها في القرار الذي اصدره مجلس النواب مؤخرا والخاص بدعم المعارضة بحدود 10 ملايين دولار, وهي تحاول الى حد كبير احراج الرئيس في اطار الحملة الاوسع على ادارته واستمراره في الحكم. اذن هناك اليوم مدرستان في الولايات المتحدة, ولكن الذي سوف يحسم الأمر بالنسبة لاحدى المدرستين هو الرئيس العراقي. فمنذ ان اوقف العراق عمليات التفتيش في الثالث من اغسطس هذا العام هناك جمود في الموقف, الا أن هذا الجمود يعود ويؤخر آفاق رفع العقوبات. فكلما تأخر التفتيش, كما يؤكد الكثير من العاملين في هذا المجال, كلما استمرت العقوبات. فكما هو مقرر في مجلس الأمن فان لرفع العقوبات شروط يجمع عليها مجلس الامن. اذ على رئيس اللجنة الخاصة للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل ان يكتب تقريرا ايجابيا يؤكد قيام العراق بتدمير جميع اسلحة الدمار الشامل التي بحوزته. وطالما ان رئيس اللجنة لم يكتب هذا التقرير فهذا يعني ان العقوبات ستستمر. ان العراق امام هذا الوضع مضطر للعودة مرة ثانية الى التعاون مع اللجنة الخاصة. والواضح كما يؤكد مقال موسع وطويل ويستحق القراءة نشرته (الواشنطن بوست) على حلقتين يومي الاحد والاثنين الماضيين عن محاولات العراق اخفاء ما يستطيع اخفائه من برامجه. اذ يوضح المقال كيف اتبع العراق حملة من الاساليب الهدف منها اخفاء الاسلحة والمعلومات. فبينما كانت اللجنة تقوم بتفتيش مداخل الابنية كانت الوثائق والاسلحة تخرج من الباب الخلفي. ولكن استمرار عمليات التمويه لعب دوره الحاسم بالازمات المتتالية مع المفتش سكوت ريتر وغيره من المفتشين ولعب دوره في تأخير رفع العقوبات. وفي النهاية الخاسر الحقيقي هو الشعب العراقي. ان الرأي الذي يقول بأن العقوبات ربما استنفذت دورها وتأثيرها هو رأي قد يشهد تفاعلا في الاطار الامريكي وفي الاطار الدولي. فهناك وعي بأن العقوبات حققت جزءا كبيرا من اهدافها ولكنها ايضا اضرت بالشعب العراقي كثيرا. فبالرغم من الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان في الاطار الامريكي: صدام حسين سبب كل هذا ولعب دورا كبيرا واساسيا في تجويع الشعب العراقي من خلال رفضه تطبيق الدواء والغذاء مقابل النفط منذ ما بعد حرب تحرير الكويت, الا ان آفاق رفع العقوبات قد تتحول الى حقيقة ممكنة في حال عودة العراق للتعاون الجدي مع مجلس الامن. وفي المقارنة بين العراق وجنوب افريقيا في قضية العقوبات يبرز امر آخر, في افريقيا كانت العقوبات تصيب 6% من السكان هم البيض المتحكمون في كل شيء, اما في حالة العراق فهي تصيب كل السكان بينما حكومة صدام لم تتأثر كثيرا. في حالة جنوب افريقيا لم يكن هناك طبقة وسطى سوداء لتتأثر بكل شيء اما في العراق فالطبقة الوسطى العراقية كانت الضحية الرئيسية لنظام العقوبات. ولكن من جهة اخرى يجب الا يفهم الخلاف بين المدرستين انه رفع قريب للعقوبات او تطبيع مع صدام, هناك فرق بين امكان رفع العقوبات بعد تطبيق العراق للقرارات الدولية وبين تطبيع علاقات واشنطن مع الرئيس العراقي. بل ان السياسة الامريكية التي يجمع عليها الجميع في الحزبين تقوم على عدم التعامل المباشر مع العراق طالما بقي صدام في الحكم, بل ان التطبيع مع صدام هو احد الثوابت التي لا يستطيع اي سياسي امريكي ان يقوم به حتى لو أراد ذلك, والسبب ان هذا الامر كفيل باسقاطه او عدم اعادة انتخابه لهذا تقوم السياسة الامريكية على امر آخر تجمع عليه مع كافة الدول في مجلس الامن: عدم رفع العقوبات الاقتصادية الا بعد استيفاء القرارات الدولية, ثم ابقاء العقوبات العسكرية والخاصة بقطع الغيار العسكرية والمواد ذات الاستخدام الثنائي. بمعنى آخر قد يتحول الامر كله في المستقبل الى عدم السماح باعادة بناء الجيش العراقي الا ضمن حدود محددة وفي اطار رقابة صارمة. إذن قد تنتهي في مدى محدد محنة العراق الاقتصادية, بل ان الامور تسير في هذا الطريق منذ توقيع اتفاقية الدواء والغذاء مقابل النفط, ولكن الازمة السياسية في العراق باقية بحكم طبيعة الوضع الداخلي في العراق وبحكم حجم الاجماع الدولي على عدم السماح لصدام باعادة تهديد المنطقة. ان شأن العقوبات يتحول كل يوم الى قضية بين الأمم المتحدة وبين العراق, خاصة في ظل استبعاد الولايات المتحدة للخيارات العسكرية الحاسمة, فان طبق العراق القرارات الدولية بامكان الأمم المتحدة ان تطرح رفع العقوبات الاقتصادية (لا العسكرية) في نهاية النفق, اما اذا استمر العراق في سياسة عدم التعاون فسوف تستمر العقوبات الى مالا نهاية, هكذا سيبقى كل شيء كما هو الى ان يقرر العراق العودة للتعاون. مدير المركز الاعلامي الكويتي في واشنطن*