بين التهديدات الغربية باستخدام القوة لانهاء مأساة مسلمي كوسوفو وبيانات الشجب والاستنكار الصادرة عن الدول والمؤسسات الاسلامية لا تزال محنة المسلمين مستمرة هناك, ولم تحدث تلك التهديدات ولا الاستنكارات أي فرق في النتائج التي يحققها(أصراب)البلقان على ارض الواقع . آثار تلك النتائج المشهودة تتمثل في قتل الابرياء من النساء والشيوخ والاطفال, وتشريد للمسلمين من ديارهم, وهدم لبيوتهم, ومحو أي أثر يدل على هويتهم. عندما قصدت اثارة الحديث في هذا الموضوع مرة اخرى, استدعيت ملف (الأحزان) من كوسوفو, والذي بدأت فصوله المأساوية واشتد منذ بداية هذا العام. ولم أجد فرقا يذكر بين ماكنا نشاهده من أخبار لأحداث كوسوفو في فبراير ومارس من هذا العام عن الذي نشاهده في أكتوبرنا هذا. عناوين الاخبار التي عنيت بأزمة كوسوفو متشابهة, ومضامين الأخبار واحدة, وردود الافعال هي هي, والنتائج ــ بطبيعة الحال ــ واضحة ومعروفة للجميع. الحدث الذي استدعى الانتباه ولفت الانظار في شأن كوسوفو كان الاتفاق الذي توصل اليه المبعوث الامريكي ريتشارد هولبروك مع الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش, ويهدف الاتفاق الى انهاء القمع الصربي في اقليم كوسوفو, وتطبيع الوضع فيه, ويقرر الحكم الذاتي للأغلبية الالبانية المسلمة في الاقليم, دون تلبية لمطلب تلك الاغلبية في تحقيق الاستقلال. وبموجب ذلك الاتفاق تقرر ان ترسل منظمة الأمن والتعاون الأوروبية بعثة تتألف من 2000 عنصر الى كوسوفو للاشراف على تنفيذ ذلك الاتفاق. هذا الاتفاق وان جاء متأخرا, ولا يحقق مطالب المسلمين في كوسوفو.. الا انه يعد خطوة ايجابية ولكن بشروط محددة, سنذكر تعليقات غربية صادرة عن هيئات كانت طرفا فيه. وقبل ان نخوض في دوافع هذا الاتفاق وآثاره دعونا نتعرف على بعض الاراء الغربية بصدده. اتفاق كوسوفو بين التهديد الغربي والمراوغة الصربية شهدت الايام الماضية حملة غربية مكثفة قادتها الولايات المتحدة واسفرت عن الاتفاق الذي اشرنا اليه ثم شهدت عواصم اوروبية اجتماعات عدة لبحث تطبيق الاتفاق والزام الجانب الصربي بتنفيذ ما ورد فيه. كثافة العمل في ذلك الاتجاه تمثلت في عقد مجموعة الاتصال حول يوغسلافيا اجتماعا في باريس, وهي المجموعة التي تضم الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا وحسبما اعلن فإن الاجتماع استهدف ايضا مشاركة روسيا اقرب اعضاء المجموعة من بلجراد بشكل كامل في تنفيذ الاتفاق. في الفترة ذاتها كان هناك اجتماع اخر في فيينا لمنظمة الامن والتعاون في اوروبا واستهدف الاجتماع وضع خطة لتشكيل وارسال بعثة التحقق الميداني الى كوسوفو. المهم في سياق تلك الجهود هو تطبيق اتفاق المبعوث الامريكي مع الرئيس اليوغسلافي وقد اشار وزير الخارجية البريطاني روبن كوك الى ذلك عندما ذكر قبيل اجتماع مجموعة الاتصال الى التحديات التي تواجه المجموعة بشأن كوسوفو وقال انه لايوجد اتفاق كامل, لكن هذا هو الاتفاق المتاح امامنا وهو مبشر بالخير, مهمتنا اليوم هي تحويل الوعود الى حقائق. في تشكيك اخر نحو الاستعداد الصربي لتطبيق الاتفاق, ذكر سكرتير عام حلف شمال الاطلسي خافيير سولانا ان بلجراد لم تنفذ بعد كل ماهو مطلوب منها واعتبر سولانا ان المهم ليس الاتفاق, وانما تطبيقه على الارض, وقال ان المعلومات التي حصلنا عليها (حتى صباح يوم الخميس 15/10/1998) تثبت ان تعهدات الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسيفيتش لم تطبق في الواقع, والحل ليس وثيقة تم التوقيع عليها, بل تطبيق مضمونها على الارض. وان سنحت لي فرصة لقاء الرئيس ميلوسيفيتش فسأنقل اليه هذه الرسالة الواضحة. يذكرنا كلام سولانا وتعليقاته بشأن الوضع في كوسوفو بموقفه الايجابي تجاه محنة المسلمين هناك, حيث كان من الاصوات الغربية البارزة والاستثنائية منذ ان بدأت تلك المحنة هناك بل كان من اوائل الداعين الى موقف حازم تجاه العدوان الصربي. بقي ان نشير الى ان الشكوك بشأن الموقف الصربي من الاتفاق لها ما يبررها, حيث ان تاريخ الصرب في البلقان, خاصة في المرحلة الاخيرة, وفي السنوات التي اعقبت تفكك الاتحاد اليوغسلافي كان حافلاً بالكراهية والعدوان, واتباع سياسة النفي والاستئصال لكل منتم اسلامي, مما كان له الاثر في احداث التغيير الذي شهده اقليم كوسوفو, ومن قبل البوسنة والهرسك ومما زاد في تعنت الموقف الصربي وتشدده في شأن ممارساته, هو الموقف الغربي المتردد تجاه استمرار حملات الاستئصال والابادة ضد المسلمين وهو الموقف الذي أثار العديد من التساؤلات بشأن ذلك التردد المريب, اهمها عامل الهوية عند الضحية والانتماء الديني الاسلامي لديه. في تقرير اخير لبول تايلور, مراسل وكالة رويتر في لندن, شكك فيه حول جدوى اسلوب التهديد الغربي لحل أزمة كوسوفو. وذكر بالموقف الغربي (خاصة البريطاني والامريكي) من صدام حسين في مطلع هذا العام, في شأن التفتيش على الاسلحة العراقية, وعقد مقارنة بين الموقف الغربي منه ومن ميلوسيفيتش ونقل عن مصدر (بارز) في وزارة الدفاع البريطانية قوله (ثلاث مرات هذا العام ندفع بقواتنا الى اعلى التل ثم نقوم بانزالها هذا الاسلوب يفلح على المدى القصير ولكن لا يزال صدام وميلوسيفيتش في موقعيهما وربما يسخران منا) . في التقرير ذاته, وفي سياق الحديث عن أسلوب التهديد الغربي, أشار الكاتب الى الموقف الغربي الصامت على مدى الشهور الماضية, حيث شاهد الغرب اكتساح قوات صربية عسكرية وأمنية معاقل جيش تحرير كوسوفو في يوليو وأغسطس مما أدى الى تشريد عشرات الآلاف من الألبان من ديارهم. والسؤال الذي يلح هنا: هل لذلك الصمت علاقة بأسلوب التهديد والتردد الغربي؟ أم ان هناك اعتبارات أخرى تسببت في هذا التردد الغربي؟ وبتعبير آخر: هل هناك أطراف اخرى لها مصلحة ما في إحداث سياسة التردد الغربي واستمرار العدوان الصربي؟ روسيا على الخط والعالم الاسلامي خارجه التساؤلات الأخيرة تقودنا لفرضية اتساع نطاق المواجهة خارج البلقان, وهو الأمر الذي ترغب بمشاهدته الدول الغربية, خاصة الولايات المتحدة, لما سيترتب على ذلك من تهديد لمصالحها الاستراتيجية في المنطقة عند الحديث عن ذلك, لابد من استدعاء الملف الروسي ودوره في هذه المسألة.. فعلى الرغم من ان مجموعة الاتصال حول يوغسلافيا تضم روسيا, الا ان الموقف الروسي من أزمة مسلمي البلقان كان من أكثر المواقف الخارجية سلبية. ويذكرنا هذا الموقف بالدور المشبوه الذي لعبته روسيا في المحنة السابقة لمسلمي البوسنة والهرسك. وربما كانت روسيا مدفوعة في ذلك بالثقل الذي تمثله الكنيسة الارثوذكسية في روسيا للوقوف بجانب الصرب الارثوذكس في البلقان, فالدور الروسي في منطقة البلقان كان أكثر فاعلية, بسبب البعد الديني والانتماء الطائفي, منه بسبب الاعتبارات الاخرى. إذا تبين هذا, وتم استحضار الخلفية الروسية في البوسنة والهرسك, أصبح من غير المستغرب الموقف الروسي الرافض لوقف العدوان الصربي من خلال ضرب قدرة الصرب العسكرية, والموقف الروسي كذلك لم يكن سببا في عدم معاقبة المعتدي فحسب, بل وكان من أهم الأوراق التي ضغطت لمكافأة العدوان الصربي بعد تلك السنوات الحافلة بكل مظاهر البؤس والشقاء التي نالت مسلمي البلقان. والغريب أنه بازاء التدخل الروسي القوي لنصرة (أصراب) البلقان, فانك تجد صمتا اسلاميا غريبا فضلا عن التقاعس المشين لمعظم الدول الاسلامية, وباستثناء بعض المبادرات, أهمها مبادرة دولة الامارات في نصرة مسلمي كوسوفو وارسال المساعدات الانسانية, وبعض المبادرات الخيرة الاخرى لبعض البلاد العربية والاسلامية فلا تكاد تجد سوى بيانات الاستنكار, والاكتفاء بمطالبة الأمم المتحدة, أو الدول الغربية بالضغط على يوغسلافيا والصرب لمنح المسلمين حقوقهم ووقف الاعتداء عليهم. آخر بيانات الاستنكار ذات الطابع (المدفعي) ذلك الذي صدر في الاسبوع الماضي عن احدى الهيئات الاسلامية الكبرى, دعت فيه (الى وقف عمليات القمع التي تمارسها القوات الصربية ضد شعب كوسوفو واتخاذ كل ما يلزم لحماية هذا الشعب وتأمين عودة اكثر من ثلاثمائة الف شخص فروا من بطش الصرب وارهابهم..!) عندما فرغت من قراءة ذلك البيان الحماسي تساءلت عما يمكن ان تحدثه مثل تلك البيانات من أثر له قيمة ثم عن المصير الذي آلت اليه آلاف البيانات الاخرى بشأن القدس وفلسطين والشيشان والبوسنة.. الخ. وانتهيت الى خلاصة القول في ذلك: لا تعليق. مدير عام جامعة زايد بالوكالة*