كان في غيبوبة ما قبل الموت .. ممددا على الأرض مثل كيس قطن .. أو حزمة قش .. تائها عن الحياة .. لايعرف ما الذي جرى له .. غير قادر على التخلص من الكوابيس التي تطارده وتخنقه .. وعندما استرد وعيه شعر بألم مجنون .. منفلت العيار .. كأن مناشير كهربائية تمزق لحمه .. وعرف ان الرصاصة التي أطلقها عليه مقاتل من حرب فلسطين في عام 1948 أصابته في (صلب خصيته) . في هذه اللحظة أدرك أرييل صموئيل موردخاي شانيرمان .. وشهرته أريك شارون ان رجولته مهددة .. وان عليه الانتقام حتى آخر العمر من العرب الذين تسببوا في تأخير إنجابه الأطفال ثلاث سنوات بعد زواجه من مارجاليت أوجالي .. الفتاة المهاجرة من رومانيا التي أحبها. وفي كل سطر من سطور مذكراته التي نشرها في حوالي ألف صفحة تشعر ان هذه الاصابة في هذه المنطقة الحساسة أصبحت عقدة نفسية وسياسية وعسكرية في حياته الخاصة والعامة .. فهو يوحي دائما بقدرته الخارقة على (ثقب غشاء الشرف العربي) .. وهو يصف الجسد العربي بانه مطرز بالشقوق والحفر والأنفاق التي تتسع لمرور قطار للبضائع .. وهو يتحدث عن قدرة جيش اسرائيل الخاطفة على (كشف العورات العربية) . وقد أسعده كثيرا ان يدعو عشرة من جنرالاته الى (بعبدا) مقر رئاسة الجمهورية اللبنانية ليتناولوا إفطار الصباح .. وليحتسوا القهوة .. بعد أن قام وهو وزير للدفاع بغزو لبنان في صيف 1982 في العملية التي عرفت باسم (سلام الجليل) والتي خرج منها بعار مذبحة صبرا وشاتيلا .. وبلقب يطارده حتى الآن هو (شارون السفاح) .. وهو بالقطع اللقب الذي أغرى رئيس الحكومة الاسرائيلية وديكها المنفوش بنيامين نتانياهو بتعيينه وزيرا للخارجية ومسؤولا عن مفاوضات .. (السلام) .. التي ستتحول الى مشنقة اعدام .. أو ستدفن في قبر من رخام .. أو ستصبح مائدة للئام. انه اختيار مناسب لرجل يعرف انه ليس قويا بقدر ان خصومه ضعفاء .. وانه ليس صحيحا ان الآلة العسكرية الاسرائيلية لا تقهر .. ولا تهزم .. لو لم تكن آلة الحرب والسياسة عند العرب خربانة. ان العرب في رأيه وفي كلماته هم الذين يوفرون جميع عناصر نجاح السياسة الاسرائيلية .. لذلك لم يكن مثيرا للدهشة ان يكون أول تصريحاته فور توليه الخارجية الاسرائيلية .. انه لن يضع يده في يد ياسر عرفات .. (لتقطع يدي قبل أن أجبر على ذلك) .. و(لن نقبل أن يرقص العرب على مائدة المفاوضات إلا بسيقان مبتورة) .. ولن يخرجوا من معركة السلام الا بانتصارات كاذبة وأوسمة من الصفيح. ان شارون الذي ساد بعودته الظلام وأطفأ الشمعة الوحيدة المشتعلة هو رسالة واضحة .. صريحة الى الذين سموا التراجع استراتيجية .. والخنوع حكمة .. والاستسلام واقعية .. وهو في مذكراته التي حبست نفسي معها ثلاثة أيام كاملة يؤكد على هذه المعاني والحقائق التي لانريد ان نصدقها. والمذكرات ثقيلة الظل .. لزجة .. مملة .. يسيطر عليها غرور القوة .. وتفتقد المشاعر الانسانية .. وفيها صراحة الى حد الاعتراف بأنه لايحب السياسة .. ولايفهم فيها ... فهو (مجرد صبي صغير فقد لعبته وضل طريقه في متاهات ومناورات السياسة) وهو بلدوزر .. وبلطجي .. ولوح من الزجاج المكسور .. وهي صفات غير سياسية .. ومحرمة على الدبلوماسية. ولد شارون في فلسطين في عام 1928 في مزرعة جماعية (موشاف) ليهود هاجروا من روسيا وبولندا .. الأب فلاح عنيد .. أدخل زراعة (الأفوكادو) والأم ممرضة كان عليها تجهيز العلف للماشية .. وكان شارون يسرق قرون الخروب التي تضاف الى العلف .. وعندما بلغ الثالثة عشرة أصبح عليه القيام بحراسة الحقول مسلحا بعصا وخنجر تلقاه هدية من أبيه .. وهو ما شجعه على الانضمام الى شرطة القرى اليهودية .. وكانت أولى عملياته الإجرامية قطع الطريق على أحد الفلسطيينين الأثرياء وسرقة سيارته (الاسبور) الحمراء. في حرب فلسطين ــ التي يصفها اليهود بحرب الاستقلال ــ أصيب شارون بطلقات في بطنه وفخذه وخصيته .. وهو يستطرد في مذكراته ..(وسمعتني أصرخ (ماما) وفورا تطلعت حولي خشية أن يكون سمعني أحد.. غير انني شعرت أن قواي تغادرني) .. ونجا شارون في الحرب .. لكنه كاد أن يموت بعدها من الملاريا .. وكان السبيل الوحيد لانقاذه هو تغير المناخ .. والسفر إلى أقاربه في لندن وباريس ونيويورك .. (وهكذا توجهت ذات يوم مع أبي إلى تل أبيب لشراء أول جاكت لي وزوج من الأحذية التي يستعملها سكان المدن والتي انبهرت بها لانني لم أكن أنتعل الا أحذية الفلاحين) . بعد عودته الى اسرائيل شعر انه ينتمي الى (المجتمع الراقي) وانه تخلص من الملاريا .. وبرجوعه للخدمة عين رئيس استخبارات المنطقة الشمالية العسكرية .. وكانت أولى مهامه اختطاف رهائن من الأردن ــ التي يعتبرها حتى الآن جزءا من إسرائيل ــ لمبادلتهم بأسرى إسرائيليين هناك .. ونجحت العملية ولكن بخسائر فادحة ... وهنا سمع من موشى ديان بلا مبالاة : (الأحياء أحياء والأموات أموات) .. قالها ثم استدار وذهب .. وهي عبارة (لم تفارق شارون فيما بعد .. فالدولة أهم من البشر .. وتحقيق الهدف أهم من حجم الضحايا. في صيف 1955 سيق شارون الى محاكمة عسكرية ووجهت اليه تهمة (ارتكاب سلوك لا يليق بضابط) وكان المسؤول عن محاكمته حاييم بارليف الذي أصبح فيما بعد أبرز خصومه .. وصاحب الخط الدفاعي الشهير بعد هزيمة يونيو 1967 .. وقد كان شارون من أشد المعارضين لبناء خط بارليف وكثيرا ما طالب بازالته لتجنب قذائف المدفعية المصرية في حرب الاستنزاف التي تسببت في قتل 2600 جندي اسرائيلي. انتهت المحاكمة بإدانة شارون لكن هذه الادانة كشفت عن ميوله العدوانية التي شجعت موشى ديان على تكليفه بمطاردة الفدائيين العرب الى داخل حدودهم .. فتكونت الوحدة 101 التي رأسها شارون .. وكان هدفها ذبح وقتل أكبر عدد من العرب على حدود اسرائيل .. ورغم ان أفرادها كانوا من القتلة المحترفين فإن ديان ضمها الى كتيبة مظليين. وقد كانت جرأة شارون في سفك دماء العرب بلا تردد .. وبلا مبرر سببا في اعجاب ديفيد بن جوريون به .. وكان بن جوريون يصفه بالجاهل .. الوقح .. وكثيرا ما كان يقترح عليه قراءة كتب بعينها ثم يتراجع قائلا له: لا تقرأ يا أريك .. فأنت لا تصلح إلا للقتل.. (ونحن نريد قتلة أكثر من المثقفين) . في حرب السويس .. عام 1956 أسقط شارون وكتيبة من المظليين لاحتلال ممر متلا في سيناء وكاد أن يقتل هناك لولا أن صدرت الأوامر له بالانسحاب .. وبعد الانسحاب كان عليه تنفيذ مشروع ضخم هو مسح سيناء طوبوغرافيا.. مسحا كاملا.. وهو ما جعله أكثر جنرالات إسرائيل فهما لسيناء . ومعرفة بأماكن قوتها ونقاط ضعفها الاستراتيجية والعسكرية.. وأغراه ذلك بعملية (الثغرة) في الأيام الأخيرة لحرب يوم كيبور.. لكنه يعترف في مذكراته انه كان يريد القيام بهذه العملية في حرب ينويو 1967 وانه عبر عن هذه الرغبة بصوت مرتفع طوال الفترة ما بين الحربين. وأغلب الظن ان شارون هو المسؤول عن المذابح الجماعية للجنود المصريين في سيناء فقد كان المسؤول عن الأسرى المصريين في حرب يونيو .. ويقول في مذكراته انهم قرروا الاحتفاظ بالضباط واطلاق سراح الجنود .. وانهم كانوا يفرقون بين الضباط والجنود من ملابسهم الداخلية. وقد أجبر شارون على ترك الخدمة بعد هذه الحرب .. لان (بارليف لايريده) ولان (ديان لايريد ان يتدخل) ولم يقبل شارون ان يتقاعد على كرسي مريح وقد تجاوز الاربعين بقليل .. فراح يطرق أبواب السياسة .. مثل معظم جنرالات الجيش الذين يتركون الخدمة .. فالجيش في اسرائيل هو (حضانة) السياسيين. وفي فندق (الملك داود) بالقدس التقى شارون بمناحم بيجن .. الأكثر تطرفا .. ان جدة شارون كانت الداية التي سحبت بيجن الى الحياة في أرض الشتات .. وكان جد شارون صديقا حميما لوالد بيجن .. وقد حطما باب الكنس اليهودي واقاما الصلاة على روح تيودور هرتزيل مؤسس الدولة الصهيونية .. وكان الحاخام قد رفض الصلاة عليه لانه كان يريد اقامة دولة الرب قبل أن يأتي المسيح المخلص حسب المعتقدات الدينية. ان بيجن ــ او بيجون ومعناه كثير الترحال ــ يؤمن بأن العالم لا يشفق على المذبوحين... ولا يحترم الا الاقوياء... وان الاحذية السوداء الثقيلة هي التي تصنع التاريخ... وهي مبادئ فاشية وضعته في المعارضة 29 سنة ولكنها جعلته معبودا لسفاح محترف مثل شارون الذي تحالف معه في اول حكومة تشكلها كتلة الليكود في عام ,1977 وقد اقترح عليه بيجن ان يصبح مسؤولا عن الموساد, شارون كان يفكر في وزارة الزراعة والاستيطان, ووافق بيجن, وفي 15 يوليو 1977 اقسم شارون امام الكنيست اليمين قائلا: انا ارييل شارون ابن ديبورا (امه أولا) وشموئيل شارون عضو في الحكومة اقسم ان اكون وفيا لدولة اسرائيل وقوانينها) . وفي هذه اللحظة اصيبت اسرائيل بمرض المستوطنات, وظهرت للوجود جماعة جوش ايمونيم, خلية السرطان الاولى للاستيطان في الضفة الغربية, وفي شهور قليلة سهل شارون لهذه الجماعة بناء 64 مستوطنة في الضفة الغربية, و65 مستوطنة في الخليل, وراح السرطان ينتشر في كافة الاراضي العربية, والاخطر انه وصل الى العقلية الاسرائيلية. ان هناك كائنات يخلقها الله لتكون مصدرا للفرح والجمال كالزهور والفراشات وهناك كائنات يخلقها الله للأذى فقط, لتعض, وتقتل, كالعقارب والافاعي, واريل شارون واذا كانت بعوضة الملاريا ــ التي نجا منها في شبابه ــ لا تجد سوى الانقضاض على اللحم البشري فانه لم يجد اشهى ولا اطرى من اللحم العربي لينقض عليه, واذا كان من المستحيل تغيير طبائع البعوضة فلماذا يمكن تغيير طبائع شارون؟ وفي مذكراته يروي شارون كيف استدعاه الرئيس السابق انور السادات ليضع نموذجا للري في مزرعته بقرية (ميت ابو الكوم) بعد توقيع معاهدة الصلح بين مصر واسرائيل, ورغم ان شارون انجز المهمة فانه يعترف ان المصريين يملكون اقدم خبرة في الزراعة, والاهم من الخبرة حبهم الجامح للارض التي يعتبرونها مثل العرض) . وقد داعب شارون السادات قائلا: سيأتي يوما ونطالب بهذه المستوطنة التي زرعناها في ميت ابو الكوم. فقال السادات: في هذه الحالة سندمرها كما دمرت انت مستوطنة ياميت قبل انسحابكم من شمال سيناء. وكان السادات قد قال له وهو يصافحه في رحلته الاولى لاسرائيل: لقد كان بامكاني اعتقالك وانت محاصر في جيب الثغرة. فقال شارون: تستطيع ان تفعل ذلك الآن. وخلال عمله... وزيرا للزراعة قام شارون بعملية تهريب يهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل عبر مفاوضات مباشرة جرت بينه وبين الرئيس السوداني الاسبق جعفر نميري وتولى مهمة الوساطة بينهما عدنان خاشقجي... وفي غضون سبع سنوات (1978 ــ 1984) نقل الى اسرائيل ثمانية آلاف يهودي اثيوبي, وكان الوحيد الذي اعترض على ذلك هو يوسف بورج وزير الاديان الذي كان متأكدا انهم ليسوا يهودا. وهناك اعتقاد ان مليك ابن بلقيس سيدنا سليمان قد فر بتابوت العهد من القدس الى اديس ابابا.. وهي اسطورة شائعة في اثيوبيا جعلت الناس هناك تعتقد انها من نسل سيدنا سليمان.... واغلب الظن ان هذه الاسطورة كانت وراء تهجير الفلاشا. وقد بدأت علاقة شارون بافريقيا منذ عام 1964 عندما قام برحلة او اوغندا واثيوبيا لتنفيذ ما عرف بالاستراتيجية الدائرية وهو تقوم على تطوير الروابط والاتصالات مع بلدان خارج المحيط العربي... ولعبت اسرائيل دورا بارزا في تدريب ضباط جيش امبراطور اثيوبيا هيلا سلاسي الذي كان يلقب بأسد يهوذا والذي اختار القدس منفاه في فترة الاحتلال الايطالي لبلاده. ويقول شارون في مذكراته: انه عندما شاهد الرجال العراة في اوغندا وتعرض للسع الحشرات في الطقس الحار جدا ارتعش لمجرد التفكير في هذا المكان كان يمكن ان يكون بديلا عن اسرائيل كما اقترح البعض قبل التفكير في فلسطين. وفي سنة 1981 قام شارون بجولة اخرى في افريقيا لدعم علاقة اسرائيل بأبرز دولها, الجابون, افريقيا الوسطى, زائير ثم جنوب افريقيا, ومنها طار الى واشنطن لمناقشة الجوانب الاستراتيجية لرحلته الافريقية, فقد قررت اسرائيل ان تلعب الوسيط والسمسار بين افريقيا والولايات المتحدة الامريكية, وعندما عاد شارون الى اسرائيل اصبح وزيرا للدفاع. ان الطريق الى وزارة الدفاع في اسرائيل يمر عبر وزارة الزراعة, لقد مشى بن جوريون ودايان وشارون في هذا الطريق, فالأمن يبدأ بالاستيطان, والاستيطان يبدأ بالزراعة, والزراعة يدافع عنها المستوطنون الذين يصوتون جميعا لليكود, ويؤمنون بأن بيجن ونتانياهو وشارون هم الانبياء الجدد لليهود, جاءوا بالنبوءة والأسلحة سريعة الطلقات. وبتوليه وزارة الدفاع سارع شارون باشعال فتيل الحرب من جديد في المنطقة وقام بغزو لبنان وتدميرها وفي 12 اغسطس 1982 اجبر 8856 فلسطينيا و6062 سوريا على الرحيل من بيروت, واعاد الاحساس بحيوية الحرب الى المؤسسة العسكرية الاسرائيلية التي يعتبرها شارون العجل الذهبي الذي يعبده الاسرائيليون, اما السياسة التي يكرهها ولا يفهمها فيرى انها تشبه عجلة هائلة تدور بلا هوادة (فاذا بنا تارة في السماء وتارة اخرى في الارض, ولكن العجلة تدور وتدور) . ان شارون هو قاتل تحت الجلد, يقتل لوجه القتل, ويعتدي لوجه العدوان, ويبتلع كل شيء عربي يتحرك امامه دون ان يكون جائعا, انه مثل سمكة القرش التي لا يمكن لأحد ان يقيم معها حوارا او يستعمل معها اساليب التفاهم والتربية الحديثة, لكن, الغريب ان بعض العرب لا يزال مقتنعا انه قادر على ان يربي في بيته سمكة قرش. اذا كنا نؤمن بأن سمكة القرش سوف تهتدي ذات يوم, وتؤمن بالله وكتبه ورسله, والسلام... والحق... والعدل... واليوم الآخر.. فنحن واهمون.