أصبحت الولايات المتحدة تحقق في فترة ما بعد سقوط جدار برلين بالرشوة وقروض صندوق النقد الدولي ما لم تكن تستطيع أن تحققه عبر المؤامرات, والانقلابات العسكرية , والحروب الدموية في فترة الحرب الباردة, حتى أصبح البعض يرى في صندوق النقد الدولي رأس جسر للاستعمار الاقتصادي الأمريكي في ظل النظام الدولي الجديد أحادي القطبية, يماطل الصندوق في قروضه, كما حدث مع روسيا والبرازيل واندونيسيا, ولا يسلم القرض الا بعد أن تقف الدولة المقترضة على حافة الإفلاس التام, كما حدث في روسيا واندونيسيا وجنوب شرق آسيا. في حالة الموافقة على القروض يتم تسليمها مرفقة معها (روشتة) خاصة تدمر ما تبقى من بنية اقتصادية مطلوبة للتنمية, وتفسد كل المشروعات الاجتماعية التي تحاول التخفيف عن الطبقة الدنيا, التي تعتبر أكثر الطبقات اتساعا في الدول المدينة, ومن يرفض تنفيذ روشتة صندوق النقد الدولي لايعتبر رافضا لقانون العرض والطلب في سوق المال, بل رافضا للنظام الرأسمالي الليبرالي, والنظريات الأمريكية المؤمنة باقتصاد السوق المفتوح, أي بلغة المخابرات الأمريكية يصبح (معاديا) , ويجب التعامل معه بكل العنف الممكن, حتى يخضع للارادة الأمريكية أو يسقط. سياسة صندوق النقد الدولي, أو بمعنى أصح سياسة الولايات المتحدة لم تختلف في تعاملها من دولة إلى أخرى حسب الأوضاع الخاصة بكل دولة, كل الدول الطالبة للقروض متساوية في نظر تلك السياسة, حتى أصبح الخبراء الاقتصاديون يطلقون على تلك السياسة لقب (روشتة طبيب الموت) تماما كما يفعل أطباء المستشفيات الخاصة في الكثير من دول العالم المتخلف, يصفون دواء واحدا لكل المرضى, دون النظر الى الحالة الصحية لكل مريض, لأنهم في النهاية سوف يموتون جميعا بهذا الدواء أو بغيره. سياسة صندوق النقد الدولي ثابتة, ولا تتغير إلا في حالة وجود مؤثر داخلي يمكنه إحداث تحول جذري في سياسة الدول المدينة, بحيث يهدد وجود المصالح الاقتصادية الخاصة للولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي, في هذه الحالة فقط يمكن تنويع شكل تلك السياسة لتحقيق الهدف ذاته, أي الالتفاف على الأوضاع ليتحقق في النهاية هدف تلك السياسة, في حالة وجود هذا المؤثر, يتحول القرض من قرض مالي إلى نوع من الرشوة التي لاتصل الى تلك الدولة لتغطية احتياجاتها العاجلة, رشوة لا تصل أبدا الى الخزائن العامة للدولة, بل تدخل جيوب بعض الجالسين على كراسي السلطة, ولكن الصندوق يستعيدها عادة بفوائد باهظة من جيوب البسطاء. الرشوة قد لاتكون في شكل إعانات مادية أو مالية تدخل الحسابات السرية لأصدقاء الصندوق والولايات المتحدة, بل يمكن أن تكون مجرد وعود في تواريخ محددة قد لايتم تنفيذها أبداً, أو تقارير كاذبة ملفقة يتم نشرها في أوقات حساسة تساعد (الأصدقاء) على تخطي عقبة صعبة, كما حدث أثناء الانتخابات الأخيرة التي جرت في البرازيل وفاز فيها الرئيس (فرناندو انريكي كاردوسو) ليكون أول رئيس برازيلي يعاد انتخابه لفترتين متتاليتين منذ عودة الديمقراطية, بعد أن نجح في تعديل الدستور الذي جرى انتخابه بموجبه قبل أربع سنوات, ومنع فوز مرشح اتحاد الأحزاب اليسارية (لويس اناثيو لولادا سيلفا) رئيس حزب العمال البرازيلي, لأنه طبقا لسياسة صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة الأمريكية يعتبر المرشح اليساري معاديا, ووصوله الى السلطة قد يخلق صعوبات كبيرة أمام الشركات الأمريكية التي تستغل المواد الخام الرخيصة, ليس في البرازيل فقط, بل في مجموع دول أمريكا اللاتينية. جاء تدخل الولايات المتحدة في هذه الانتخابات على شكل وعود أعلن عنها صندوق النقد الدولي بدعم من الولايات المتحدة بالموافقة على قرض استثنائي للبرازيل قبل يوم واحد من الانتخابات, كان هذا الاعلان بمثابة رشوة للناخبين, ليختاروا المرشح الذي ترضى عنه الولايات المتحدة, وإلا فإن البلاد لن تحصل على القرض المطلوب لإنقاذها من الأزمة المالية, تلك الأزمة التي ازدادت حدة بسبب تحولها الى أزمة عالمية, ولولا وعود صندوق النقد الدولي, لكان على الرئيس كاردوسو أن يدخل المرحلة الثانية من الانتخابات أمام المرشح اليساري مرغما, وكان عليه أن يتخذ قرارات اقتصادية غير شعبية قبل التوصل الى نتيجة حاسمة في تلك الانتخابات لإنقاذ البلاد من الأزمة المالية التي تحلق في سمائها, مما كان ينتظر أن يكشف عن الوضع الاقتصادي المنهار الذي تجنب الرئيس كاردوسو الحديث عنه طوال حملة الانتخابات, ورفض عدة محاولات من جانب مرشح المعارضة لمناقشة آثار الأزمة الاقتصادية الآسيوية في الاقتصاد البرازيلي, حيث يرى المراقبون أنه من المؤكد أن انكشاف حقيقة الوضع الاقتصادي المتردي يمكن أن يؤثر على شعبيته. هذا الإعلان من جانب صندوق النقد الدولي كان بمثابة بالون الأوكسجين للرئيس البرازيلي, وتندرت بعض وسائل الإعلام الأسبانية التي تابعت الانتخابات, وأشارت الى ان الاعلان عن قروض جديدة قبيل الانتخابات, يبدو كما لو ان صندوق النقد قرر انتخاب كاردوسو للرئاسة نيابة عن شعب البرازيل, لأن فرصة الرئيس كاردوسو للفوز في هذه الانتخابات كانت صعبة للغاية بسبب مسؤوليته عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البرازيل هذه الأيام, لأنها نتجت عن السياسة التي اتبعها خلال السنوات الأربع الماضية, والتي أدت الى مضاعفة حجم الديون الخارجية للبرازيل إلى أكثر من الضعف, بسبب رفع نسبة الفائدة على الإيداعات البنكية الى أكثر من 45 في المائة, حتى لا تهرب رؤوس الأموال الأجنبية قبل انهيار الاقتصاد البرازيلي, حجم الديون الخارجية للبرازيل أصبحت تقدر الآن بحوالي 212 مليار دولار, رغم ذلك تسببت نسبة التضخم التي بلغت 7 في المائة, وتأثرت الأسواق المالية البرازيلية بالأزمة الآسيوية بهروب ما يزيد عن 30 مليار دولار من رؤوس الأموال الأجنبية خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام. لذلك تتوقع المعارضة أن يحدث انفجار شعبي عارم, ردا على أولى القرارات التي يجب أن يتخذها الرئيس البرازيلي الأسبوع المقبل, قرارات اقتصادية عنيفة يفرضها عليه تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي, أول تلك القرارات فرض سياسة ضرائبية حاسمة لأن الدولة في حاجة إلى ما لايقل عن 20 مليار دولار خلال هذا العام. من الشروط الأخرى التي تضمها (روشتة) صندوق النقد الدولي, تعويم عملة البرازيل (الريال) بنسبة لاتقل عن 17 في المائة, مما يعيد التضخم من جديد الى البلاد, بعد أن كان خفضه الفضيلة الوحيدة التي حققها الرئيس انريكي كاردوسو خلال فترة رئاسته الأولى, والتي كان يتفاخر بها أمام شعبه, وأمام حكام أمريكا اللاتينية. عودة التضخم يعني انخفاض في مستوى المعيشة, وزيادة في عدد العاطلين عن العمل, أي مضاعفة حدة الأزمة التي تعيشها الطبقة العاملة, وتعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء. تعتبر البرازيل احدى أكبر الدول التي تتوزع فيها الثروة بطريقة غير عادلة, ويعيش أكثر من نصف سكانها تحت حد الفقر, ويخشى المراقبون أن تتسبب هذه القرارات في انفجار أعمال عنف وشغب, كما هو متبع عادة في دول العالم الثالث التي تنفذ مطالب صندوق النقد الدولي لتحصل على قروض تساعدها فقط على سداد أقساط ديونها, على حساب ميزانيات الصحة والتعليم ودعم المواد الغذائية الأساسية. كاتب مصري مقيم في أسبانيا*