واشنطن تسعى للتقارب مع ايران, لما لذلك من اهمية بالنسبة لمستقبل ترتيباتها الأمنية في المنطقة, لكنها مضطرة في الوقت نفسه للتذكير بالخطر الايراني كي تستطيع بيع اسلحتها وانظمتها الدفاعية, وهذا الخطاب الامريكي الملتبس هو ما يجب الحذر والتحذير منه . فإذا كانت الولايات المتحدة تضع ضمن استراتيجيتها المعلنة التصالح مع ايران, وتشجع حكومات الخليج على ذلك, فمن أين سيأتي الخطر على دول المنطقة, وفيم تكمن الحاجة لشراء الانظمة الدفاعية المضادة للصواريخ. لقد كان بود وزير الخارجية الامريكي وليم كوهين أن يذكر عرب الخليج بالخطر الذي تشكله الصواريخ العراقية. لكنه لم يستطع أن يفعل, لأنه يدرك كما يدرك العالم كله بأنه لم يعد لدى العراق صواريخ باليستية, وما تبقى من الصواريخ لا يزيد مداها عن 150 كيلومترا. إذن لم يتبق سوى الصواريخ الايرانية. ونقول هنا من باب المزاح ان الولايات المتحدة ربما اخطأت بالاصرار على تدمير كامل الترسانة العراقية من الاسلحة. فلو انها ابقت شيئا منها لكان يمكنها حاليا أو في المستقبل القريب استخدامها للتخويف والابتزاز وابرام الصفقات الخيالية من السلاح. لكننا نعود بسرعة لنقول انها ربما فكرت في ذلك, غير انها تراجعت عن الفكرة من اجل حماية امن اسرائيل الذي هو فوق أي اعتبار بما في ذلك المصلحة الامريكية نفسها احيانا. ان مشكلة المنطق الذي جاء يعرضه الوزير الامريكي انه منطق اثبت الزمن خطأه, أو على الاقل تجاوزته تجارب دول المنطقة نفسها. فلماذا ينبغي افتراض خيار الحرب منذ البداية, ومن ثم الاستعداد له بشراء الاسلحة؟ لماذا لا يجب افتراض خيار السلام والامن والاستقرار, وهو خيار مهم بالنسبة للجميع وليس فقط لدول الخليج العربية. وتاليا لماذا ينبغي الصرف على حرب محتملة أو متوقعة وقد لا تقع ابدا, في حين يمكن صرف الاموال نفسها أو جزءا منها على بناء الثقة واقامة السلم في المنطقة. ان تخصيص الاموال لمشاريع البناء والتنمية ودعم التنسيق والتكامل الاقتصادي على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية, هو الكفيل بمنع نشوب الحرب, وهو ما تحتاجه حقا دول الخليج وليس شراء السلاح. نضيف لذلك ان ثمة حقيقة واضحة لا ينبغي أن تغيب عنا وهي ان الحروب الكبيرة قد اصبحت مستبعدة تقريبا في العالم. نعم هناك حروب صغيرة تقع هنا أو هناك, لكن هذه الحروب غير قادرة على استيعاب الكميات الهائلة من الاسلحة التي تنتجها مصانع السلاح في الدول الغربية. فضلا عن ان عدد المشترين (الممتازين) اي الذين يدفعون نقدا لقاء هذه الاسلحة آخذ في التناقص بسبب الصعوبات الاقتصادية التي يعاني منها عدد متزايد من الدول. ولذلك فان انظار مصنعي السلاح وتجاره ووكلاءه من الشرق والغرب تتجه إلى دول الخليج بالذات, وهي مستعدة لافتعال الازمات واللجوء لاساليب التضليل والتمويه والحيل, لتصريف بضائعها وتشغيل مصانعها, بما في ذلك خلق اعداء وهميين. ومن الاهمية بمكان ان يجري فضح هؤلاء وسد الابواب والذرائع في وجوههم, وليس اعطاءهم آذان صاغية. لقد اقامت اسرائيل الدنيا ولم تقعدها على اطلاق ايران لصاروخها بعيد المدى (شهاب 3) , وهو امر ربما كان مفهوما, على اساس ان هذا الصاروخ يطال المدن الاسرائيلية. لكن ما ليس مفهوما ان يحاول وزير الدفاع الامريكي ان يعطي الانطباع بأن الصاروخ الايراني يشكل تهديدا مباشرا لدول المنطقة. ومن ثم فهو يضع هذه الدول مع اسرائيل في خانة واحدة بالنسبة لايران, وهو ما ليس صحيحا قطعا, غير ان الهدف المباشر لتلك المحاولة هو دفع دول الخليج لتحمل العبء الاساسي في مواجهة الصواريخ الايرانية. وهذا ما عبر عنه صراحة حين قال ان بلاده تجري ابحاثا مكلفة لتطوير انظمة دفاعية مضادة للصواريخ, داعيا دول الخليج العربي للمساهمة في هذه الابحاث (ماليا) والحصول على التكنولوجيا الدفاعية المتطورة لحماية بلدانهم. أي ان كوهين يريد من دول الخليج ان تشارك في تكلفة تلك الابحاث ثم شراء الاسلحة المطورة الناتجة عنها. وهذا يعني ان تدفع هذه الدول من اموالها مرة لحماية امنها المهدد افتراضا ومرة اخرى لحماية امن اسرائيل. على اعتبار ان هذه التكنولوجيا ستصل حتما للاسرائيليين (المعنيين بها اساسا) والمقصودين من الصواريخ الايرانية, ولكنها ستصلهم جاهزة ومن اموال دافع الضرائب الامريكي والخليجي. كاتب وصحافي بحريني*