من المبكر الحكم على نتيجة الوساطات العربية والاسلامية في نزع فتيل الأزمة التي خلقتها تركيا على الحدود التركية السورية. فطبول الحرب ضد سوريا, مازالت تقرع في تركيا , وتهديدات السياسيين والعسكريين الاتراك بلغت مداها, والشروط التي تقدمت بها تركيا للمصالحة شروط تعجيزية. ووسائل الاعلام التركية يطغى على لهجتها طابع التعبئة العامة, مما يوحي, ان الموقف التركي ليس نزوة عابرة, ولا هو وليد اللحظة, وحدوده وأطرافه أبعد وأعمق من الاسباب والأهداف المعلنة. وهذا قد يحدد مسبقا سقف النتائج المتوقعة للوساطات الدائرة, وقد يقف بها عند حدود تهدئة الأزمة مؤقتا, وليس انهاءها. ولنقترب من معرفة حقيقة الموقف التركي, نطرح مجموعة من التساؤلات, لعل محاولتنا الاجابة عليها, تسهم في توضيح الصورة. والسؤال الأول الذي يطرح: هل السبب هو, فعلا ما تدعيه تركيا من دعم سوريا لحزب العمال الكردستاني؟ وثانيا: أين موقع الوضع الداخلي التركي, وتركيبته القومية والعرقية, وصراعاته العسكرية والسياسية, وأزمته الاقتصادية في هذه القضية؟ وثالثا: هل لهذه الأزمة خلفية تاريخية, تتعلق بالعقلية القومية التركية (الطورانية) ونظرتها الاقليمية, منذ انتهاء عهد الخلافة العثمانية, وظهور الأتاتوركية؟ وربعا: هل اسرائيل والولايات المتحدة الامريكية, بعيدتان عن هذه الحملة التركية؟ وخامسا: هل سوريا وحدها هي المقصوده, أم أن سوريا هي العنوان الذي توجه من خلاله رسالة الحلف الامريكي الاسرائيلي التركي للمنطقة العربية بأسرها, ودول الجوار الاقليمي؟ ان التشابك بين هذه الاسئلة, لدرجة التكامل, يفرض التعامل معها كحزمة واحدة, حتى يمكن فهم طبيعة الموقف التركي, وغاياته, وأبعاده. فسوريا ليست معنية بإثارة الموضوع الكردي, وتوتير الاجواء حوله, ذلك أنها أحد الأطراف التي يمكن ان تتأثر بذلك, وان كانت أقل الدول الثلاث الاخرى تأثرا (تركيا, ايران, العراق) نظرا لقلة عدد المواطنين الاكراد فيها مقارنة بعددهم في الدول الاخرى, وتحديدا تركيا. فالأزمة الكردية في المنطقة, وان بدا الجانب العراقي منها هو الاكثر سخونة في الوقت الراهن بسبب ظروف العراق, والتدخل الامريكي في شؤون أكراده, الا أن صلب المسألة الكردية يتمركز في تركيا, وليس على حدودها. فهم من حيث العدد يقاربون الخمسة عشر مليونا, أي ربع عدد سكان تركيا, وهم محرمون من أبسط الحقوق القومية, من حيث التحدث بلغتهم, أو تعلمها, او احياء تراثهم وثقافتهم, فضلا عن حرمانهم من أي شكل من أشكال الحكم الذاتي في مناطقهم التي تشمل الجنوب الشرقي من تركيا. والمشكلة الكردية في تركيا, ليست مشكلة حزب العمال الكردستاني وحده, ولا هي مسألة وجود بعض افراد هذا الحزب في دول الجوار سواء كانت سوريا أو العراق, او حتى ايران. فهي بالأساس مشكلة ملايين الاكراد الاتراك وحقوقهم القومية المنتهكة, وهو ما يتناقض كليا مع ادعاء العلمانية والديمقراطية الذي تتشدق به الدولة التركية. كما أن نشاط حزب العمال الكردستاني الأساسي وقواعده, وجماهيره تقع داخل الأراضي التركية, وعلى رقعة واسعة منها, وهكذا يبدو تصوير المشكلة الكردية كمشكلة خارجية, او مشكلة حزب واحد, تهرباً من دفع الاستحقاقات القومية لملايين الاكراد الاتراك, وصرفاً لأنظار الديمقراطيات الغربية ــ حليفة تركيا ــ بعيداً عن هذه المشكلة, التي تتعاطف معها هذه الديمقراطيات. وفي هذا الميدان نكتشف ازدواجية المعايير الامريكية في التعامل مع القضية الكردية, فهي تسكت عن كل اشكال القهر القومي لأكراد تركيا, بينما تتدخل بالقوة, وبشكل سافر في شمال العراق, بحجة حماية اكراده, وهي تعلم ان الدستور العراقي اعطى لأكراد العراق كل الحقوق القومية والثقافية والسياسية. ومن ناحية اخرى فإن الصاق تهمة دعم حزب العمال الكردستاني التركي, تدخل في دائرة اتهام سوريا بمساعدة الارهاب, وهي التهمة التي تثار في وجه سوريا من آن لآخر, من قبل الدوائر الامريكية والاسرائيلية تحديداً, للضغط عليها, ودفعها لتقديم التنازلات, واعتقد ان سوريا التي تجاهد من اجل دفع تهمة الارهاب عنها, ليست من السذاجة بحيث تتورط في اي عمل من شأنه ان يعطي ذرائع جديدة ضدها. وثالثاً, فإن سوريا ليست في وضع من يصدر المشاكل للآخرين, فهي مشغولة, ومستغرقة تماماً, بموضوع الاحتلال الاسرائيلي للجولان, والبحث في سبل انهائه, وهي معنية بكسب الرأي العام الدولي الى جانبها, وعازفة عن التورط في اية مشاكل, وتحديداً مع دول الجوار, يمكن ان تصرفها عن هذا الهدف. فإذا فهمنا, ان اولويات سوريا هي دحر الاحتلال الاسرائيلي عن الجولان, والجنوب اللبناني, نستنتج تلقائياً تورط اسرائيل في التهديدات التركية, بل ان المسألة اوضح من مجرد استنتاج. فكلا الطرفين الاسرائيلي والتركي, تكفلا, من خلال التحالف الاستراتيجي المعلن بينهما, بالافصاح عن نواياهما واهدافهما المشتركة, وسوريا, في كل الاحوال, احد المستهدفين الاساسيين بهذا الحلف. وبهذا الحلف يحقق الطرف الاسرائيلي هدفه في الضغط على سوريا وابتزازها في مسألة الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية, بينما يستفيد الجانب التركي في الضغط عليها في مسألة اقتسام مياه الفرات التي تشكل احدى نقاط الخلاف الساخنة, وهي ايضاً مسألة لا تبدو اسرائيل بعيدة عن التدخل فيها, من خلال المشروع المائي الذي اطلقت عليه تركيا اسم قناة السلام, من تركيا حتى الجزيرة العربية. كما تبدو مسألة لواء الاسكندرون, الذي تواطأت الحكومتان الفرنسية والتركية, ايام الانتداب الفرنسي على سوريا, على اقتطاعه من سوريا, وضمه لتركيا عام ,1939 وهي احدى نقاط الخلاف, رغم عدم سخونتها في الوقت الراهن, حاضرة في الذهن التركي وهو يطلق تهديداته. فقد احتفلت تركيا بيوم السابع والعشرين من شهر تموز الماضي (وهو ذكرى سلخ اللواء) وحرص رئيس وزرائها على ان يرسل بتحذيراته وتهديداته بالحرب دفاعاً عن لواء الاسكندرون. وهنا ايضاً تبرز احدى النقاط الاستراتيجية المشتركة في السياستين التركية والاسرائيلية تجاه اغتصاب الاراضي العربية. وإذا عرفنا, ان الطائفة اليهودية في تركيا, شأنها شأن الطوائف اليهودية في العديد من بلدان العالم, تمارس نفوذاً واسعاً في اوساط الاعلام التركي, نضع ايدينا على مؤشر آخر لحضور الدور الصهيوني في الموقف التركي. وما ينطبق على سوريا من أهداف التحالف التركي الاسرائيلي, يطال دولاً اخرى في المنطقة, وتحديداً العراق, فقضايا الاكراد, ومياه الفرات, والمطامع التركية في الشمال العراقي وصولاً الى الموصل وكركوك, هي ايضاً عناوين بارزة في السياسة التركية, وتلتقي ايضاً مع الدور الاسرائيلي في محاصرة العراق, والحيلولة دون استعادة عافيته ومكانته وقدراته التي تحسب لها اسرائيل الف حساب. وربما كان التقارب السوري العراقي الذي تحقق في السنة الاخيرة, واحتمالات تطوره وتعميقه, او امتداده باتجاه ايران, احد العوامل المحركة للتحالف التركي ــ الاسرائيلي, ومباركة الولايات المتحدة الامريكية له, وهو ما يذكر بعودة سياسة الاحلاف التي شجعتها, وقادتها بريطانيا والولايات المتحدة في المنطقة أواسط الخمسينات حين اقامتا حلف بغداد من عراق نوري السعيد, وايران الشاه, وتركيا العسكر, لمواجهة المد الذي شهدته حركة التحرر القومي العربية آنذاك, في أعقاب الثورة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر, وانعكاس اشعاعاتها التحررية المعادية للاستعمار على عموم المنطقة. وهنا نلاحظ ان تركيا ظلت القطب الثابت في الحلفين القديم والجديد, بينما حلت اسرائيل محل ايران, وتجرى محاولات لاستقطاب دول عربية لتحل محل العراق. ويبدو أن السياسة التركية ترى في مثل هذا التحالف, نوعاً من الاستعانة بالنفوذ اليهودي في الدوائر الغربية, والاوروبية بشكل خاص لازالة العقبات التي تعترض طريقها للدخول في السوق الاوروبية المشتركة, والوحدة الاقتصادية الاوروبية. كما ترى فهي نوعا من الاستقواء, لتعزيز نفوذها في الجمهوريات الاسلامية (السوفييتية السابقة) في آسيا الوسطى, بعد امتلاك باكستان للسلاح النووي, وتنامي القوة الإيرانية وتطور سلاحها, وتزايد نفوذهما, ومزاحمته للنفوذ التركي في هذه الجمهوريات التي كانت تركيا تطمح في ان تشكل مجالا حيويا لهم يسهم في حل أزمتها الاقتصادية ويعزز موقعها الاقليمي, وربما تكون تركيا قد لعبت دوراً في تنامي علاقات هذه الجمهوريات مع اسرائىل, وتسابق قياداتها على زيارة اسرائىل, وتوقيع الاتفاقيات المختلفة معها. اما الوضع الداخلي التركي, وما يعاني منه من أزمات اقتصادية, بلغت نسبة التضخم فيه الى أكثر من 70% وقيمة الديون اكثر من 80 مليار دولار, وتعدد القوميات والاعراق التي تزيد عددها عن الثلاثين, وطغيان للعسكر على الحياة السياسية, وتزايد نفوذ التيار الاسلامي, فهو شديد التأثير في التوجه الاقليمي لتركيا, وفي تصدير الازمة الداخلية الى ازمات خارجية يجري التنفيس عنها, تارة باتجاه العراق, وأخرى باتجاه قبرص واليونان وبلغاريا, وأخيرا باتجاه سوريا. وهذا التوتر في العلاقات التركية مع معظم دول الجوار, محكوم بالاساس, بعقلية القيادة التركية, السياسية منها والعسكرية, التي تفتقر الى الواقعية, وعدم التواضع, في تقدير حجم تركيا ودورها وامكانياتها, فتتصرف بوحي من الشعور بعظمة العرق (الطوراني) وأمجاده العثمانية الغابرة, والطموحات (الاتاتوركية) بخلق دولة تركية كبرى على اسس حديثة. والحفاظ على دور العسكر, وبقاؤهم قوة مهيمنة يدفعهم باستمرار الى افتعال مثل هذه الازمات الخارجية, ويدفعهم من ناحية اخرى الى استخدام سياسة البطش في مواجهة المطامح القومية للقوميات الاخرى في تركيا كالأكراد والعرب, ويدفعهم ارتباطهم بالسياسة الامريكية, الى ضرب اي توجه في السياسة التركية يسعى للخروج من فلك السياسة الامريكية, ويعمل على تحقيق قدر من الاستقلال للسياسة التركية عبر اقامة علاقات مع دول لاتحظى بالرضا الامريكي, وهو ما تجلى في ازاحة حزب الرفاه من الحكم, وحله, والاستمرار في ملاحقة قياداته, وتطهير الجيش ممن يشتبه بعلاقاتهم مع التيار الاسلامي. وكانت سياسة الحزب الانفتاحية على الدول العربية والاسلامية, من بين الاسباب الهامة التي أدت لضربه, رغم ان العلاقات التركية الاسرائىلية لم تتراجع خلال حكم الرفاه. لكن لم يكن هناك ضمان باستمرارها, فيما لو تواصلت سياسة التقارب التركي العربي الاسلامي. وطالما ظلت السياسة التركية محكومة بإرادة المؤسسة العسكرية, وارتباطاتها, فمن الصعب انتهاء الازمات الداخلية التركية, او التوتر في علاقاتها مع دول الجوار. حتى لو هدأت الازمة الحالية مع سوريا امام الوساطة المصرية والوساطات الاخرى. وقد لا يمضي وقت طويل, قبل ان نشهد موقفا تركيا آخر تجاه سوريا أو العراق أوكليهما, ويندرج تحت نفس العناوين العالقة. ولاشك ان الحال العربي المحزن يشجع على استمرار مثل هذه السياسات التركية. وقد يكون من المفيد, في ختام هذا المقال, ان نذكر بالتهديدات التركية لسوريا عام 1957. ولكن تلك التهديدات تراجعت امام الهبة الجماهيرية العربية الشاملة الى الجانب سوريا وساهمت في قيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958. فهل يتعظ العرب, ويتذكرون ان تضامنهم, على الأقل, يمكن ان يبعد عنهم خطر التهديد من تركيا, وحلفها الاستراتيجي مع اسرائيل؟؟. عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية*