لم يفكر أحدنا في حاله لو أنه كان يسكن بالقرب من رئيس دولة, أولا لأن السكن بالقرب من الرؤساء من سابع المستحيلات, بما في ذلك الرؤساء المتقاعدون الذين يختارون سكنهم بعيدا عن المتلصصين والفضوليين ويفضلون الهدوء والدعة, وثانيا لان الرؤساء مقامات فكيف يحلم أحدنا بمقام قريب منهم ؟ مع ذلك يمكن للأقدار ان تلعب دورها, فترمي لمواطن ما برئيس دولة يسكن بالقرب منه, ويختاره جارا له, فيصبح هذا جار الرئيس, ويصبح عند الناس جار الرئيس, رئيس, فيعلو مقاما وسمعة, ويكون سعيدا لأنه جاور السعيد, أما اذا كان الرئيس غير سعيد, فخليها على الله. من هؤلاء الفلسطيني حسن فارس أبو حجر (52 سنة) الذي صار جارا للرئيس ياسر عرفات بعد عودة هذا الى غزة عام 94 فاختار المقر الرئاسي في أحد المنتجعات غير المأهولة, الا من بيت قديم متهالك يسكن فيه أبو حجر مع زوجته و8 من أولاده العشرة, ولا يفصل بينه اليوم وبين عرفات سوى أربعة أمتار, هي عرض طريق ضيقة تقود الى الشاطىء المحاذي. وبما أن ابو حجر يعاني من ضيق ذات اليد ومن شلل بعد بتر ساقيه لاصابته في انفجار فقد جاءه الرئيس خلاصا, فمرة يطلب مساعدة مالية لابنه الذي يدرس في موسكو, ومرة وظيفة لابنته حديثة التخرج, ومرة لتدبير أمور معيشته, ومرة للحصول على راتب شهري, ومرة للحصول على خط هاتفي, لبى له أغلبها الرئيس الفلسطيني, حسب أبو حجر نفسه في مقابلة صحفية معه مؤخرا, فأي حظ يفلق الصخر اكثر من هذا؟ مع ذلك فأبو حجر يشتكي من أنه لا يستطيع رؤية الرئيس كما يشاء الا في الاعياد, حيث يمنعه الحرس ورجال الأمن, الذين يرد عليهم بأنهم يحرسونه لثماني ساعات فيما هو يحرسه لاربع وعشرين ساعة, كما أن رسائله الى عرفات لا تصل حيث يحولها المساعدون الى الوزارات المختصة, وفي المرات النادرة التي وصلت فيها رسائله الى الرئيس تمت تلبية مطالبه, كما أنه محروم من زيارات أصدقائه حيث يمنع الأمن الدخول الى منطقة اقامة الرئيس, كما أن عنده مشكلة اخرى هي أنه يضطر الى حمل زبالته على حمار ليرميها بعيدا عن المكان, وأخيرا فان الناس تردد على مسامعه: نيالك يا جار الرئيس او يا عمي واصل, فينزعج. غير أن ذلك لا يعني ان أبو حجر غير سعيد بالمرة, وهو يقدر مشاغل جاره الرئيس الذي يراه عبر النافذة يعمل الى وقت متأخر من الليل, ويكفيه سعادة أنه يراه في الأعياد مثلا, اذ لا يسمح له الحراس بأكثر من ذلك, فيسأله عرفات: (ناقصك شيء يا أبو علي؟) فيستحي ابو حجر لانه لا يصح ان يطلب مساعدة فيما هو جاء للتهنئة بالعيد, فيكتفي بالرد: لا ينقصني سوى أن نصلي معا في القدس يا سيادة الرئيس. ونترك ابو حجر يتدبر أموره مع جاره الرئيس بقية عمرهما معا, الى رجل آخر يتبع الرئيس الى الممات, هو مرافقه الشخصي محمد الداية, الذي يرافقه كظله ليل نهار, ويأكل معه ويتنقل ويسافر وإياه, ويشاهدهما العالم معا على شاشات التلفزيون في نشرات الاخبار وفي نشاطات الرئيس السياسية كلها ويذهب معه أينما ذهب, فهذا بدوره يتعرض الى حسد من يعرف ولا يعرف بوصفه مرافقا للرئيس ويستطيع تحقيق ما يشاء من مطالب, فيما هو ورث المهنة عن أبيه المرافق السابق لعرفات, ويقول أنه يعيش معه كحارس ومرافق وكل شيء ولا يرافقه كرئيس فقط, وانما كأب ومثال, وأنا وراءه حتى الممات يقصد مماته, أي المرافق. طبعا الشعب الفلسطيني كله وراء عرفات حتى الممات وليس مرافقه الشخصي وحده, الا أن ذلك حديث آخر, فنختم من جار الرئيس الى مرافقه بأن القرب من الرؤساء حظوظ ومقادير, وهو قرب لا يخلو من سعد طبعا لولا أن منغصاته كثيرة أيضا, أقلها أنه حتى على الموت لا يخلو أحدهم من الحسد.