يعيش العرب والمسلمون هذه الايام ثلاث بؤر من التأزم والحرب او التلويح بهما أو التهديد بهما الى جانب الهم العربي الاسلامي المستديم المتمثل في قضية فلسطين, وهذه البؤر المفتوحة على المجهول هي احتمال الحرب بين تركيا وسوريا واحتمال الحرب بين ايران وافغانستان وثالثا فاجعة شعب كوسوفو المسلم , ونعتقد ان صحيفة (هاأرتس) الاسرائيلية لم تبالغ حين كتبت يوم الاثنين الماضي قائلة: (ان دولة اسرائيل تجد نفسها غير محتاجة للتدخل والمواجهة في صراعات كبرى تدور رحاها بين دول اسلامية, وما عليها الا الاحتياط في حالة عدم نشوب حروب لان الجميع المتخاصمين اليوم يعتبرونها عدوتهم) , و(هاأرتس) تنطق هنا بلسان اسرائيل المغتصبة (بكسر الصاد) لانها تعلم ان تركيا كذلك عدوة لها في حالة السماح للشعب التركي بالتعبير عن ضميره الاسلامي المتأصل وتضامنه مع امته الاسلامية اي العودة لفضائه الطبيعي الحضاري بدون الانحراف الحالي والمؤقت. العرب والمسلمون اذن يجدون انفسهم في حيرة متشعبة الاسباب عميقة الجذور بإزاء هذه الحالات الثلاثة المتفاقمة, ومن نافلة القول التذكير بان منظمة حلف شمال الاطلسي (الناتو) ومنظمة الامم المتحدة التي توجهها القوى الغربية العظمى (امريكا واوروبا) وكذلك الحكومات الغربية ظهرت جميعها اكثر انشغالا بما يجري في البؤر الثلاث لان هذه الازمات حبلى بمشاكل استراتيجية تهدد الغرب. ففي حالة نشوب صراع مسلح (ولو محدود) بين تركيا وسوريا سوف تجد بلدان الناتو نفسها مضطرة الى مناصرة زميلة منضوية في الحلف ضد دولة عربية كبرى تعتبر مفتاحا لحل ازمة الشرق الاوسط, وفي ذلك غلق ــ طويل المدى ــ لملف ما يسمى السلام بين العرب والاسرائيليين والسلام بمفهومه الامريكي ــ المدريدي ــ الاوسلوي هو خيار استراتيجي لواشنطن مع الخيار الاستراتيجي الموازي له بالضرورة الا وهو ضمان تفوق اسرائيل العسكري والتكنولوجي على جيرانها العرب والمسلمين ثم ان صراعا مسلحا في منطقة الشرق الاوسط محمل بأخطار لا طاقة للغرب بمواجهتها منها: تهديد امدادات النفط بالاسعار المعمول بها حاليا والتي لايحددها المنتج بل يحددها المستهلك. تهديد اعطاء مصداقية اكبر للحركات المتطرفة على حساب خط الاعتدال الذي تغنمه امريكا اليوم لتحقيق السلام. توسع الصراع ليشمل دولا مجاورة اخرى ذات استقرار هش, اما البؤرة بين ايران وافغانستان فهي تهدد بفتح فم تنين اسمه الصراع المذهبي يخشى الغرب ان يمتد الى الشعوب التي كانت منضوية تحت مظلة الدب السوفييتي الى عام 1989, ومثلما قالت مجلة مركز البحوث الاستراتيجية للبنتاجون (عدد سبتمبر 98) (من ان كل زلزال مذهبي في الجمهوريات المسلمة التابعة لمنظومة روسيا وآسيا الوسطى سوف يعقبه تراجع عن خط انتهاج الليبرالية فيها وعودة للاستبداد الشيوعي والحرب الباردة) . اما البؤرة الثالثة كوسوفو فهي مرشحة لضربات حلف الناتو على طريقة البوسنة والهرسك في غياب اي موقف عربي اسلامي فاعل وسيكون الحلف هنا مدافعا بالطبع عن مصالح امريكا واوروبا لا عن الحقوق المشروعة لشعب كوسوفو ولا عن القانون الدولي. فكوسوفو مقاطعة شبه دولة اعلن استقلالها عام 1974 ثم اكتسحها الصرب ومارسوا فيها ابشع عمليات الابادة والاغتصاب والحرق والسلب والنهب بعيدا عن كل محاسبة, واصبحت الدول الغربية تخشى من اشتعال ذي طابع ديني للقضية بينما تقع كوسوفو في قلب اوروبا وفي قلب البلقان, وكأنما لسان حال حلف الناتو يقول للسفاح (سلوبودان ميلوسيفتش) (استوعب وراقب واحتل شعب كوسوفو ولكن من فضلك لا تحرق البيوت ولا تقتل جماعيا حتى لا تفيض كأس شعب كوسوفو فتصيب العدوى كل الشعوب المسلمة المجاورة في السنجق ومقدونيا والبوسنة والبانيا وبلغاريا وقبرص.. وربما حتى مشارف القوقاز في نوع من انواع الهزات الحضارية الكبرى التي طالما تحدث عنها وحللها العلامة (ارنولد توينبي). وهكذا فان الحيرة العربية الاسلامية مستمرة... فكأننا ننظر الى الاحداث دون اية قدرة على التأثير فيها وهذا شأن آخر من الشؤون وشجن آخر من الشجون.