جاء في الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948م ان لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون اي تدخل, واستقاء الانباء والافكار ونشرها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية. ويقول سقراط لكي تكتشف الفضيلة لابد ان تعرف نفسك وتعرف الآخرين, فهذا هو الخير الاعظم للانسانية , ويرى أفلاطون انه يمكن الوصول الى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني ان حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة, السوق الحرة للافكار هي مستلزمات لابد منها للوصول الى الديمقراطية والرفاهية والازدهار. برنامج منتدى المراسلين للقناة الفضائية بابوظبي وفي أول عدد له يوم الثلاثاء 6/10/1998م طرح اشكالية هامة جدا وحساسة تتمثل في ظروف العمل والصعوبات والمشاكل والاخطار المختلفة التي يتعرض لها المراسل الصحفي في عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن المعلومات وتقديمها للجمهور. ومن خلال التجارب المختلفة لمراسلي القناة وتجارب أخرى لاعلاميين من جميع أنحاء العالم فان عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن الخبر لا تقدم دائما على طبق من فضة. والاحصائيات تقول ان مئات الصحافيين يموتون سنويا برصاص وقتل واغتيالات الارهاب والانظمة الدكتاتورية والمافيا سواء السياسية او المالية... الخ وهذا سواء في دول الشمال او الجنوب فاشتهرت دول كثيرة بصعوبة ممارسة الاعلام فيها ككولومبيا وبوليفيا والبرازيل والمكسيك ومصر والجزائر والسودان وباكستان وايران والقائمة طويلة. فحسب تقارير (مراسلون بلا حدود) فلقد لقي 475 صحفيا حتفهم في السنوات العشر الاخيرة, وان نصف دول العالم لا تحترم حرية الصحافة, أضف الى ذلك أن في العديد من دول العالم لا توجد هناك قوانين تحمي المهنة والمهنيين من جبروت وسلطة المال والسياسة والمافيا بمختلف أنواعها واشكالها. في الكثير من دول العالم لا توجد نقابات للصحافيين ولا مواثيق الشرف وهكذا يجد القائم بالاتصال نفسه في العديد من دول العالم أمام ميادين مملوءة بالالغام والمشاكل والعراقيل وهدفه في نهاية المطاف هو البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام كما هي لا غير. والمشكل هنا يكمن في أن قول الحق وتقديم الواقع كما هو للرأي العام لا يعجب الكثير من الفئات والاطراف في الكثير من الاحيان, وفي أحيان اخرى لا يعجب السلطة ولا يعجب اصحاب المال والنفوذ.. الخ. كما تشير التقارير كذلك ان آلاف الصحافيين عبر العالم يزج بهم في السجون والمعتقلات وفي الكثير من الاحيان لا أحد يسأل عنهم او يدافع عن قضاياهم, وهذا هو جزاء من يبحث عن الحقيقة وعن الصالح العام. علم الاخلاق هو الطم الخامس المكون للفلسفة بعد الميتافيزيقا, والمنطق, وعلم المعرفة, وعلم الجمال. لم تول الاوساط الاكاديمية والعلمية العناية اللازمة لدراسة البعد الاخلاقي للمؤسسة الاعلامية وللعملية الاعلامية في مجتمعنا العربي بصفة خاصة والعالم بصفة عامة. في الولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال ظهرت مواثيق الشرف وأخلاقيات الصحافة في العشرينيات من هذا القرن, ورغم هذا فان المشاكل الاخلاقية والتناقضات والضغوط التي تعيشها المؤسسات الاعلامية في مختلف انحاء العالم لا تعد ولا تحصى, والخلافات مازالت قائمة بين الناشرين والممارسين والقطاعات المختلفة من المجتمع. المؤسسة الاعلامية العربية في غالب الاحيان يشرع في انشائها وبنائها وتمويلها دون النظر في مستلزمات كثيرة يجب توفيرها وتحديدها قبل العمل الاعلامي نفسه. مؤسسات اعلامية عربية كثيرة لا تعرف من ميثاق الشرف الا الاسم, ولا تعرف من نقابة الصحافيين الا الاسم كذلك. وكلنا يعلم أن معظم المهن في عالمنا العصري لها قوانينها ومواثيقها الاخلاقية ونقاباتها من اجل صيانتها وحمايتها والذود عنها وحماية من يمارسها ومراقبته حتى لا يستغل المهنة لاغراض بعيدة عن القيم والاخلاق وحتى لا يظلم أو يهان. في عالمنا العربي اشترينا التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة وفي ما نبثه من خلال التكنولوجيا. في عالمنا العربي مارسنا الاعلام وتفننا في استعماله دون التفكير في البداية وما يجب ان نبدأ به ودون الايمان الراسخ بالسوق الحرة للافكار. وهكذا وبعد عقود من الزمن وبعد فوات الأوان وبعد أن استعملت وسائل الاعلام بطرق غير مهنية وغير احترافية وغير أخلاقية لتحقيق أهداف سياسية او تجارية او غيرها على حساب المهنة والضمير والاخلاق والمصلحة العامة, بعد كل هذا الوقت جئنا ننادي بما كان واجبا علينا أن نبدأ به قبل عشرات السنين. إنه من واجب كل مؤسسة اعلامية ان تحمي صحافييها الذين يلهثون ليل نهار بحثا عن الخير وعن الحقيقة وعن اعلام الجمهور, كل هذا يجعل من ميثاق الشرف الاعلامي ضرورة حتمية لابد منها للمؤسسة الاعلامية وأداة من أدوات العمل الاعلامي الناجح. فكل مؤسسة اعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمبيحات, واجبات القائم بالاتصال وحقوقه, وعادة تتحدد المحاور الرئيسية لميثاق الشرف الاعلامي فيمايلي: المسؤولية, الأخلاق, الدقة والموضوعية, احترام شعور وديانات ومقدسات الآخرين, احترام الحياة الخصوصية لافراد المجتمع, حق الجمهور في الاخبار والمعرفة والمعلومات, الالتزام باحترام المهنة والدفاع عنها وحمايتها من كل من يحاول المتاجرة بها او استعمالها لاغراض غير المصلحة العامة واغراض المجتمع, الالتزام بحماية الصحافي وحصانته والدفاع عنه عندما تتوجب الضرورة. والكلام عن ميثاق شرف اعلامي عربي يعني أنه يجب أن ينبع وينطلق من التراث العربي الاسلامي بما تحمله الكلمة من معنى, والدين الاسلامي الحنيف أكد وأوصى في العديد من الآيات والأحاديث النبوية الشريفة بالممارسة الاعلامية الاخلاقية الشريفة. اذا انعدمت الاخلاق وسيطرت النزوات الشخصية او الحزبية او المالية التجارية ابتعدت المؤسسة الاعلامية عن خدمة المصلحة العامة وهذا يعني أنها بدلا من ان تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع على الطبقات المحرومة تصبح في يد فئة معينة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها وحتى لو كانت على حساب المصلحة العامة. هذا بطبيعة الحال يؤدي الى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الاعلامية. بعبارة اخرى ان المؤسسة الاعلامية تعمل في فراغ تام وعملية التأثير والتأثر تنعدم من أساسها وفي غالب الاحيان يتوجه الجمهور المستقبل نحو وسائل ورسائل اعلامية اخرى ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية. وفقدان المصداقية في العملية الاعلامية يعتبر فشل العملية الاعلامية في مهدها. وتنعدم المصداقية في العملية الاعلامية عندما تكثر الضغوط بمختلف أنواعها وأشكالها على القائم بالاتصال, وعندما تكثر التدخلات في عمل المؤسسة الاعلامية من قبل جهات وأطراف ليس لديها اي حق وأي صلاحية في التدخل في العمل الاعلامي. وفي عالمنا العربي مع الأسف الشديد تعاني المؤسسة الاعلامية من ضغوط ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة لصالح هؤلاء المتطفلين, نظرا لنفوذهم السياسي او المالي.. الخ. ويصعب هنا الكلام عن الأخلاق او ميثاق الشرف او المصلحة العامة اذا كانت المؤسسة الاعلامية تحت رحمة حفنة من أصحاب الجاه والمال والنفوذ. ان تحديد مهام ومسؤولية المؤسسة الاعلامية وتحديد مهام ومسؤولية القائم بالاتصال في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالم يعني أننا قضينا على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي الى سوء التفسير والاستخدام. والمؤسسة الاعلامية في المجتمع مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة التي تقدم للجمهور يجب ان تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من أجلها ليل نهار للدفاع عنها وتحقيقها. المؤسسة الاعلامية يجب ان تبذل قصارى جهودها لابراز الحق وتبيان الباطل, المؤسسة الاعلامية يجب ان تفكر في ذلك المظلوم, المهمش, المسكين, الفقير الذي لا حول له ولا قوة, فاذا كان الهدف النبيل موجودا والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين, تشريعات, نقابات, مهنية, مواثيق أخلاقية) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التفكير والرأي والتعبير في هذه الحالة نستطيع أن نتكلم عن مؤسسات اعلامية فاعلة في وطننا العربي. والمؤسسة الاعلامية في المجتمع هي مؤسسة اجتماعية قبل أن تكون اي شيء آخر, ومن هنا يجب أن تعي مؤسساتنا الاعلامية في الوطن العربي أنها ليست مجرد وسائل لبيع مساحات للاعلانات وتحقيق الربح السريع وأنها ليست وسائل لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان اكبر عدد ممكن من اقبال جمهور المراهقين والشباب عليها. وانما وأهم من كل هذه الاعتبارات هنالك مجتمع بكامله بمختلف شرائحه وفئاته ينتظر رسالة اعلامية هادفة ومسؤولة من اجل نشر الثقافة والعلم والاصالة والفكر السليم والتحليل السليم ورأي عام مستثير كل هذا في إطار قيمنا وأخلاقنا ومبادئنا الاسلامية العربية الاصيلة. الممارسة الاعلامية مهنة نبيلة يجب ان تمارس آخذة بعين الاعتبار كل الابعاد الاخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الاعلامية مسؤولة أمام المجتمع وامام الرأي العام, ومسؤولة مسؤولية اخلاقية كبيرة جدا تضخم أشياء وتحجب أشياء اخرى, وعندما تركز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها. وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب أخطر بكثير من أي جريمة اخرى لأن المؤسسة الاعلامية عندما تكذب او تغالط فانها كذبت على ملايين البشر وليس على شخص واحد, وهنا تكمن أهمية الاخلاق والالتزام والنزاهة التامة في العمل الاعلامي لضمان السوق الحرة للأفكار.