لم يعد دونالد سانج ــ ذلك الرجل الأنيق الذي عهدناه يولي اهتماما كبيرا بهندامه وربطة عنقه من مثيري القضايا الساخنة. وأصبح من عاداته المتكررة اسداء المديح والاطراء لمناقب الاسواق الحرة. وباعتباره كبير الخبراء الاقتصاديين في هونج كونج, قام دونالد سانج بالزود عن سمعتها الرأسمالية منذ عودتها الى الصين العام الماضي تحت مبدأ (بلد واحد ونظامان) (أي أن لهونج كونج نظامها الاقتصادي والتشريعي الخاص بينما تتولى الصين حماية أمنها). بيد أنه في اغسطس الماضي طرح سانج مواهبه في السوق الحرة جانبا ونزل الى سوق المال المحلية لابتياع الاسهم. أي أنه ببساطة حاول التلاعب والمناورة في السوق. وكان ذلك بمثابة الصدمة ورمزا للاضطرابات التي يموج فيها الاقتصاد العالمي في شكل انقضاض مفاجىء ومتوال من الصدمات المؤثرة. ففي أغسطس الماضي تخلفت روسيا عن سداد الدين الحكومي المستحق وبعدها فرضت ماليزيا قيودا على العملة حرمت المستثمرين من استرداد أموالهم. ولم يمض وقت غير قصير حتى تمكن صندوق رأس المال طويل الاجل لادارة المتحوط من الافلات من اعلان افلاسه من خلال طوق النجاة الذي أرسله له مجلس الاحتياط الفيدرالي. ويصعب أن تجد خيطا واحدا يربط بين هذه الاحداث ذلك انه لا يوجد فعلا أي ترابط منطقي بينها. والقصة باختصار ــ أو الخبر الحقيقي ــ هو الفوضى.. الفوضى.. والاسبوع الماضي فقط اجتمع الآلاف من كبار المسؤولين والخبراء الاقتصاديين (بما فيهم سانج) والبنوك الخاصة في واشنطن لحضور الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين. وغالبا ما يأخذ هذا التجمع الكبير شكلا احتفاليا الا انه جاء هذه المرة لاستعادة الثقة. ولم يحدث ذلك للأسف. حتى أن ميشيل كامديسو المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي ــ والمتفائل دائما ــ لاحظ وجود (شعور عام بعدم الراحة) . فالتقلبات تجتاح أسواق الاسهم والسندات والعملات بصورة واسعة. واليك مؤشر واحد فقط: فمنذ عام 1945 وسوق المال والاسهم الامريكية تستغرق نحو 6 أيام في كل سنة لكي يصعد أو يهبط مؤشرها (داو جونز) بنسبة 2%. وطبقا لتقرير وكالة بيرني أسوشيتس فقد حدث ذلك نحو 13 مرة منذ 17 يوليو الماضي. واذا كانت الفوضى هي الحكاية فيمكن ايجاد ثلاثة أسباب لها: الأول هو هذا التآكل المستمر بين الحكومات المختلفة ورؤوس الأموال العالمية. خذ مثلا هونج كونج فهي تعاني بالفعل من حالة ركود, والبطالة بلغت اعلى معدل لها خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة. وانخفض الناتج القومي الاجمالي بنسبة 5% العام الحالي. وهوت أسعار الاسهم والسندات وفقدت 50% من قيمتها ومما يزيد الطين بلة توقعات سانج. فهو يرى ان الاستثمارات العالمية هاجمت على جبهتين: الاولى انها طرحت دولار هونج كونج للبيع امام الدولار الامريكي والثانية ان هذه الاستثمارات كانت قصيرة الاجل في بورصة هونج كونج وذلك يعني ان جني الارباح مرتبط بانخفاض اسعار السوق, خاصة وانه سيؤدي الى رفع اسعار الفائدة وخفض اسعار الاسهم. ويقول سانج: (انها لعبة لاتخلو من احتيال ان تنشر الفزع في اوساط المتعاملين بالسوق فأسعار الفائدة يمكن لها ان تقفز بنسبة 50% ولن تقف اية حكومة مكتوفة الايدي مهما كانت درجة حرية السوق لكي يحدث ذلك) . والواضح هنا ان سانج اشترى السندات وقام برفع اسعارها وانزل الخسائر على اصحاب اوامر الشراء قصيرة الاجل. ويمكن لنا ان تتفهم اسباب هذه الهجوم العكسي الذي يشنه سانج الا ان هناك اثارا طفيفة لذلك ذلك ان الرغبة والدافع لحماية الدول من الهزات وتقلبات المال العالمية نتج عنها ردود فعل ملتبسة (عجز روسيا عن السداد وفرض القيود على سعر العملة في ماليزيا) ولا احد يعرف ماهي القواعد المنظمة لذلك فالمخاوف وعدم الثقة في تصاعد دائم وتصعد معها حجم الخسائر المالية. والمستثمرون يسحبون اموالهم من البلدان غير الآمنة ومايزيد من حجم هذه الفوضى هو هذا السبب الرئيسي الثاني والذي يمكن ان نطلق عليه الفراغ الفكري. ذلك ان الحكومات المختلفة وصندوق النقد الدولي كثيرا ما يطلبون مشورة الخبراء الاقتصاديين ولكنهم يجهلون كيف ان هذه التدفقات المالية الضخمة تؤثر في الاقتصاد العالمي. واليكم هنا هذا الاعتراف المذهل من الخبير الاقتصادي بول كروجمان بمعهد ماساشوستس للتكنولوجيا. يقول كروجمان (لنفترض انك ستبتاع نسخة من اكثر الكتب مبيعا حول الاقتصاد العالمي, فماذا كنت ستجد فيها من اسباب وتفسيرات فقدان الثقة المفاجىء في الاستثمارات الدولية؟ لن تجد الا القليل) . اما العنصر النمائي في تدعيم اواصر هذه الفوضى فيكمن في ضعف الارادة السياسية. واليك مثالا اخر, فالرئيس كلينتون يواجه اتهاما صعبا ومنذ اكثر من عام وهو يحاول اقناع الكونجرس بالموافقة على اسهام الحكومة الامريكية بـ 18 مليار دولار لمساعدة صندوق النقد الدولي. ويثور جدل كبير في اليابان حول سبل انقاذ نظامها المصرفي واستعادة النشاط الاقتصادي. اما في اوروبا وبريطانيا وفرنسا والمانيا فجميعها تدعمها حكومات بلا خبرات سابقة. ولعل هذه العوامل كلها تؤثر على ازدهار الولايات المتحدة والدول الاوروبية الا ان المؤكد انها دمرت ثقة المستثمرين والمستهلكين معا. والاسبوع الماضي قال سانج وهو في واشنطن اننا جميعا في مركب واحد وهو على حق فالقلق والاضطراب طال الجميع.