الفرنسي(بيير فيرون) يقول كلاما أجدني منساقة الى تصديقه في أوقات بعينها وليس على طول الخط, حيث يقول: (التشاؤم هو حق الدفاع المشروع الذي يتمتع به العقل).ذلك ان هناك نقيضا جميلا يتلبسنا حد الطفولة هو التفاؤل, ذلك الشعور الذي نذهب معه احيانا الى أبعد مما يجب , واحيانا الى تخوم الكون حيث نتصور ان شخصا رائعا قد رسم لأجلنا قوس قزح ودعانا عند حوافه على فنجان قهوة, وحجز لنا تذكرة ذهاب بلا عودة. ولذلك يأتي التشاؤم ليذكرنا بموعد حزم الحقائب, وانه لا توجد رحلة بلا تذكرة عودة, وهذا هو الجميل في كل الحياة, والاجمل اننا نتفاءل بلا تعقل, وحين نتشاءم فإننا نمرر تشاؤمنا عبر بوابة العقل وضمن حدود الحق المشروع! انيس منصور يقول في إحدى مقالاته: (تندم كثيرا اذا تفاءلت كثيرا, وتندم اكثر اذا تشاءمت اكثر!) وكلامه صحيح مائة بالمائة, اما لماذا؟ فلأن كل الامور والمشاكل والمواقف التي تدفعك للتشاؤم معقدة ومتعددة الاطراف ومتداخلة ولذلك فأنت تتخيلها بلا حل! لكنها تحل في النهاية وتمر وتنتهي وهذا مايجب ان يدفعك للتفاؤل حتى وان كان الحل ليس بالسرعة التي تريد وليس بالطريقة التي تتمنى. فأنت مثلا حين تؤمن بالحرية في مجتمع تعرفه كما تحفظ خطوط يديك وتعرف أنه يمنحك هذه الحرية بالقطارة كما يقولون, تماما كما تمنح بعض الادوية لبعض المرضى, وكما تمنح الحكومات الخبز للناس في سنوات الجفاف والمجاعات! عندها يكون من السذاجة ان تطالب بأكثر من رغيف, لكن من الجنون ايضا ان تساهم في جعل المجاعة تستمر طويلا اذا كان بامكانك أن تساهم في القضاء عليها! ان تؤمن بالحرية لا يعني حصولك الفوري عليها, حتى وان كنت واثقا من حريتك المطلقة وبأنك تستحقها, وبأن هناك من يؤمن بعدالة قضيتك, ذلك لا يكفي, فكل ذلك هو الجزء الصغير الظاهر من جبل الجليد وما تحت المحيط أهوال لابد من تخطيها. لا أدعو لليأس او التشاؤم, بل العكس, فأنا على يقين بأن التفاؤل والتشاؤم وجهان لعملة واحدة, وأن وجود أحدهما لا ينفي الآخر بل يحض عليه. جوته, فيلسوف ألمانيا الكبير يقول: (ان كل شيء يمكن تدبره, حتى اذا هبطت السماء على الارض, فلابد أن تنجو قبَّرة من وسط المأساة!) لا يمكن حل الامور بطريقة (الآن الآن وليس غدا) , عامل الزمن مهم في التغيير ولكن بشرط ان نمتلك قرار التغيير والاصرار عليه. لدي ثقة كثقة الالمان الذين يرددون دائما بأن الايام أخوة, لكنها لا تتشابه, وحتى الأيام السيئة والصعبة لا يمكن ان تدوم إلى الأبد, فالمصيبة سرعان ما تتعب والرياح لا تهب دائما بالعنف نفسه.