ليست ثمة ما يحمل على الاعتقاد حتى الآن, بان المستشار الالماني الجديد غيرها رد شرودر سيتبع سياسة مناقضة, او متباينة مع سياسة سلفه المستشار السابق هلموت كول على الصعيد الاوروبي . بيد أن التصريحات التي ادلى بها بعد فوزه في الانتخابات الالمانية الاخيرة تشير بوضوح الى ان اهتماماته بالوضع الداخلي الالماني ستفوق اهتماماته الخارجية, وذلك انسجاما مع الرغبة التي لمسها لدى ناخبيه ومؤيديه حول ضرورة احداث تغييرات داخلية تجعل من عملية إعادة توحيد المانيا ذات فوائد حقيقية للشعب الالماني كله لا مجرد قضية رمزية او عاطفية. فوجود اربعة ملايين عاطل عن العمل في دولة يشكل اقتصادها القوي المعجزة الأهم لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية, لاسيما داخل أوروبا, كان له من التأثير ما أدى الى اسقاط احد ابرز صانعي هذه المعجزة الاقتصادية, وكذلك احد ابرز بناة الوحدة الاوروبية بالتحالف مع فرنسا, وهو هلموت كول. وعلى الرغم من أهمية هذا العامل في التحولات الالمانية الجديدة, بما يشكله من ضغوط اقتصادية واجتماعية داخلية قوية, الا ان هناك دوافع اخرى لعملية التغيير التي عبرت عنها نتائج الانتخابات الاخيرة, يمكن تبينها من خلال الدعوات التي اطلقها المستشار شرودر بعد فوزه لطي صفحة الحرب العالمية الثانية والتخلص من عقدة الماضي. فالمانيا الموحدة, كما يطمح شرودر, لا يمكن ان تبقى صوتا ثانويا, سواء على المستوى السياسي الاوروبي او على المستوى الدولي باسم المسؤولية التاريخية للنازية, بما يجعلها مضطرة دائما الى اظهار (حسن نواياها) حيال الشعوب الاوروبية الاخرى, وتقديم ما يمكن ان يسمى (الكفارات) لهذه الجبهة او تلك. ومع ان قرار شرودر بنقل عاصمة المانيا الموحدة من بون الى برلين يمكن ان يفسر بانه يدخل ضمن مخطط التطوير الاقتصادي والاجتماعي للولايات المتحدة من البلاد, التي كانت تشكل دولة (المانيا الديمقراطية) في مرحلة الحرب الباردة وحتى سقوط جدار برلين في عام ,1989 الا ان معناه الرمزي ليس بعيدا عن دوافع هذا القرار, فلكي تطوى صفحة الحرب العالمية الثانية وتتخلص المانيا من (عقدة الذنب) التي ما تزال تلازمها, لابد لها من استعادة وضعها الطبيعي اولا, ليس فقط بصفتها قوة اقتصادية متميزة يحسب حسابها, وانما ايضا بصفتها دولة مستقرة (ولا تخيف احدا) , كما يقول المستشار الالماني الجديد, وازاء ذلك فان الابقاء على مدينة بون عاصمة للدولة الالمانية يعني ان المانيا لم تستعد وضعها الطبيعي بعد, وهو ما يحاول شرودر ان يثبت عكسه. هذه (الخصوصية) الالمانية التي برزت في التوجهات الجديدة للمستشار شرودر لم يكن لها مكان في سياسات المستشار هلموت كول, لا سيما على الصعيد الاوروبي. وانطلاقا من هذا الواقع الجديد بدا المسؤولون الفرنسيون, لا سيما الرئيس جاك شيراك, قلقين على مستقبل المحور الفرنسي ــ الالماني من جهة, وعلى الدور الالماني الداعم بقوة للبناء الاوروبي من جهة اخرى. وعلى الرغم من ان المستشار شرودر حرص على تطمين الفرنسيين بان العلاقة الالمانية ــ الفرنسية لن يطرأ عليها اي تغيير, الا انه لم يخف شعوره, بان عليه ان يلتفت الى المانيا اولا وان يستجيب لرغبات الذين أيدوه وحققوا له الفوز. كذلك فان ما آثار قلق المسؤولين الفرنسيين هو كلام المستشار الالماني عن توسيع حلقة التحالف الثنائي ليصبح ثلاثيا بزيادة التنسيق مع الحكومة البريطانية. لقد قال نعم لاستمرار العلاقة الالمانية ــ الفرنسية, ولكن دون ان تبقى هذه العلاقة (حصرية) , أي مقتصرة عليهما وحدهما, بحسب ما اوضح لكل من الرئيس الفرنسي ورئيس حكومته اثناء زيارته القصيرة لباريس بعد يومين من إعلان فوزه. ومع ان الفرنسيين اظهروا ارتياحهم لهذه الزيارة كونها تشكل اول نشاط رسمي خارجي للمستشار الجديد (وهو تقليد قديم يرغب المسؤولون الفرنسيون في استمراره), بيد أنهم اكتشفوا نكهة اخرى مختلفة في الخطاب الالماني الجديد قد تكون مقدمة لشيء قد لا تظهر حقيقته قبل مرور بعض الوقت. وربما لهذا السبب استبق الرئيس جاك شيراك زيارة المستشار شرودر بنشر مقال في صحيفتين بارزتين الاولى فرنسية والثانية المانية, تحدث فيه عن العلاقة الفرنسية ــ الالمانية, وآفاق تطورها. على أن ابرز ما قاله شيراك بهذه المناسبة هو ان التعاون الوثيق بين الدولتين (لا يمنع الاعتراف بالاختلاف وتأكيد الهوية الوطنية لكل أمة) . كما دعا الرئيس الفرنسي الى تجديد العلاقات الفرنسية ــ الالمانية وتبني آليات عمل جديدة بعد أن فقدت هذه العلاقة الكثير من حرارتها الاولى, التي اعقبت المصالحة التاريخية بين الشعبين, كما قال. يقول بعض المراقبين ان الوساوس الفرنسية لا تولد من فراغ, فاقتراب المانيا من بريطانيا لا يدعو الى الارتياح كثيرا, نظرا لان الحكومة العمالية البريطانية, شأنها في ذلك شأن سابقتها المحافظة, تبدي تحفظا واضحا ازاء تسريع عمليات البناء الاوروبي, وهي لاتزال ترفض الانضمام الى الوحدة النقدية الاوروبية التي ستبدأ انطلاقتها الفعلية مع ولادة (اليورو) في مطلع العام المقبل. وتخشى باريس ان تنتقل عدوى (التحفظ) البريطاني الى شريكتها الاساسية المانيا مع تزايد الحديث عن وجود انسجام بريطاني ــ الماني قد يتحول الى تعاون كامل في المستقبل في إطار ما اصبح يعرف باستراتيجية (الطريق الثالث) التي يرفع رئيس الحكومة البريطانية شعاراتها الجذابة.