تبدو مسألة الرئاسة اللبنانية قد حسمت, ولم يبق منها سوى الحالات الاجرائية التي ينبغي القيام بها طبقا للدستور اللبناني, ولن يمر وقت طويل حتى يحل العماد اميل لحود قائد الجيش اللبناني في منصب رئاسة الجمهورية خلفا للرئيس الحالي الياس الهراوي الذي امضى فترتين رئاسيتين في منصبه, كانت الاولى بالانتخاب والثانية بالتمديد. ورغم ان لقاء القمة السوري ــ اللبناني الذي عقد بين الرئيسين الاسد والهراوي مؤخرا كان الحدث الفصل في ترشيح العماد لحود للرئاسة اللبنانية فان عددا من المؤشرات رجحت ان يصير لحود رئيسا للبنان في الفترة الرئاسية المقبلة, وهذا على الاقل ما أشارت له آراء العديد من رجالات السياسة اللبنانية, وكذلك استطلاعات للرأي أجريت ونشرتها الصحافة اللبنانية على مدار الشهر الماضي. وببساطة شديدة, يمكن القول ان العماد لحود كان صاحب الحظ الاكبر بين المرشحين للحصول على المنصب, وهو أمر تتقاطع فيه المزايا المعروفة عن الرجل أولا, مع احتياجات لبنان السياسية والادارية في المرحلة المقبلة, وكلها لا تتناقض مع التوافقات المحلية والاقليمية والتي لها دور وتأثير في واقع لبنان وفي سياساته. ومن المزايا المعروفة عن الرجل انه سليل بيت سياسي معروف في لبنان, حيث والده جميل لحود الذي كان ضابطا بلغ رتبة لواء في الجيش اللبناني, ثم صارنائبا ووزيرا في لبنان, وعمه فؤاد لحود عقيد سابق في الجيش, وهو الى ذلك في الثانية والستين من العمر قضى منها اكثر من اربعين عاما داخل المؤسسة العسكرية, رسخت فيه قيم النظام العام والدقة والموضوعية, وكانت تلك بين اسباب جعلت رئيس الحكومة اللبنانية الاسبق سليم الحص المعروف بنزاهته ووطنيته يختاره قائدا للجيش اللبناني عام ,1989 وقد علق الرئيس الحص عندها على اختياره بالقول: تم اختياره لسببين: لانه افضل ضابط ماروني, ولانه افضل ضابط في الجيش قادر على اعادة توحيد المؤسسة العسكرية في لبنان. ويبدو واضحا من خلال التجربة ان تقديرات الرئيس الحص كانت صائبة وفي محلها, إذ أن العماد خطا بقوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية اللبنانية بعد عقد ونصف من انقساماتها ودخولها في فصول الحرب الاهلية, وأضاف الى ذلك تحويلها الى هيكل للوطنية اللبنانية, بحيث ابعد عنها السمات الطائفية ــ المذهبية التي طالما ميزت الجيش اللبناني, وزاد على ذلك أنه عمل على تحسين تنظيم وادارة وتسليح الجيش اللبناني, وحوله باتجاه ممارسة دوره في حماية لبنان, ولو أن ذلك مازال في الحد الادنى بحكم امكانيات الجيش خصوصا وامكانيات لبنان عموما وهو ما عبر عنه العماد لحود بالقول: حيث يوجد جيش يكون هو المقاومة, وحيث لا يوجد جيش تكون المقاومة حقا مشروعا للمواطنين. إن أحد أهم المزايا التي تمتع بها العماد لحود خلال قيادته الجيش هو عزله المؤسسة العسكرية عن التأثيرات المباشرة لرجالات السياسة ولتدخلاتهم في شؤون المؤسسة بضباطها وعساكرها, وكان ذلك حدثا مهما, يتم للمرة الاولى في لبنان الذي تتدخل فيه المحسوبيات والوسطاء في كل شيء. وحياة الرجل اليومية كانت على مدار سنوات في وظيفته العامة بسيطة متواضعة تسير هادئة منظمة, اذا هو شخص لا يحب الظهور, ويرفض الوساطات ولا يستقبل مراجعين, ولا يشترك في ولائم, ولا حفلات, وكل مشاركاته العامة تقتصر على عيد الاستقلال وعيد الجيش والمشاركة في استقبالات بعض ضيوف الرئاسة اللبنانية. واذا كانت هذه المزايا قد تركت اثرها في الواقع اللبناني المحلي, فقد كان أثرا ايجابيا يكفل للرجل المرور الى المنصب اللبناني الاول, والذي بات يحتاج الى شخصية عملية, وقوية, وخارج الشبهات والارتكابات التي طغت في الواقع اللبناني, شخصية قادرة على اخراج لبنان من المرحلة الانتقالية التي جسدها اتفاق الطائف للوصول بلبنان الى استعادة حياته الطبيعية بعد سنوات الحرب الاهلية وما تلاها من سنوات انتقالية. ويمثل الطموح الاخير رغبة للمحيط الاقليمي والدولي الراغب في رؤية لبنان تستعيد حياته الطبيعية, ولعل الطموح السوري, وهو اكثر حضورا وتأثيرا في واقع لبنان وجد في العماد لحود الرجل المناسب, فأقام توافقا بين رؤيته ــ ومعها الرؤية الاقليمية والدولية ــ مع المعطى المحلي, فكان التوافق السوري ــ اللبناني الذي جسدته قمة الرئيسين الاسد والهراوي الاخيرة في تأييد ترشيح العماد اميل لحود لرئاسة لبنان. غير أن مجيء العماد لحود الى الرئاسة اللبنانية لن يكون بلا مشاكل واستحقاقات ترتبط بعهد الرئاسة الجديدة, وغالبها سوف يتركز في الموضوع السياسي, ذلك ان العهد الجديد سوف يكون أمامه خلق نمط جديد ومنهج جديد للحياة السياسية في لبنان, لانه لا يشكل امتدادا لما قبله كون ما قبله مرحلة انتقالية, بل يشكل أساسا لمرحلة من استقرار وتقدم لبنان, وهي مرحلة جديدة لها سماتها ومواصفاتها المميزة. ان المشكلة الرئيسية التي ستواجه العهد الجديد, تبدو في ارث المرحلة الحالية من السياسة اللبنانية ورموزها, ومن ارتباطاتها العربية والدولية, والذي ينبغي على الرئيس المقبل ان يقوم بفكها واعادة تركيبها لتتناسب والمرحلة الجديدة, وبالتأكيد فان الامر لن يكون سهلا على نحو ما كان الامر داخل المؤسسة العسكرية, ففي المجتمع والدولة اللبنانية استشرت وتوسعت المصالح الاخطبوطية لرموز السياسة ورجالاتها, وهي مصالح سيكون الدفاع عنها أمرا مؤكدا, الأمر الذي يفرض عبئا مضافا على الرئيس المقبل. ومشكلة الاقتصاد اللبناني الموروث ولاسيما في بعده الاجتماعي ستكون بين الاهم فيما يواجه الرئيس, فهناك مشكلات جدية في بنية الاقتصاد وفي آفاق تطوره, وفي الآثار الاجتماعية المتزايدة التي يطرحها الواقع الاقتصادي ومنها الفقر المتزايد للقطاعات الدنيا من المجتمع اللبناني والدمار اللاحق بالفئات اللبنانية الوسطى, وكلتاهما ستشكل قاعدة اطلاق مشروع الاصلاح السياسي ــ الاقتصادي والاداري اللبناني. ولاشك ان مشروع الرئاسة اللبنانية المقبلة, كما عبر عنه اللبنانيون, وكما تعبر عنه المصلحة الموضوعية للبنان يحتاج قوة وقدرة تجعل من الممكن التوافق بين تحولات سياسية ــ اقتصادية ــ اجتماعية مترافقة مع حد مقبول من الديمقراطية والشفافية, وهو بين أمور يثيرها بعض اللبنانيين مع احتمال مجيء العماد لحود الى الرئاسة المقبلة, لانه عسكري, ولانه عاش بعيدا عن ميدان السياسة اليومية في لبنان.. والمستقبل وحده سيقول كلمة الفصل!