ليس سرا على احد ان تركيا تعاني من مجموعة ازمات داخلية خانقة قد تغري(العسكر)الذين يحكمونها فعلا بارتكاب مغامرة عسكرية, ضد سوريا تستهدف الهروب من هذه الازمات وتأجيل يوم انفجارها , أم هذه الازمات وفي مقدمتها هي (العلمانية الاتاتوركية) التي طرحت نفسها كعقيدة بديلة للديانة الاسلامية, بل وكنقيض لهذه الديانة. كانت هذه نقلة جذرية في عمق الحياة التركية ومن النوع الذي يحتاج لمرور العديد من الاجيال قبل الحكم على امكانية استمرارها وقدرتها على الصمود في وجه ماتفرزه من تحديات. هي الى حد كبير من نوع النقلة التي تعرضت لها شعوب الامبراطورية الروسية اثر انتصار الثورة البولشفية في نفس الفترة الزمنية بعيد الحرب العالمية الاولى. لقد سقطت التجربة في روسيا قبل سنوات قليلة, بينما الثانية في تركيا لا تزال تنتظر. وليست هذه الشعبية العارمة للحركة الاسلامية التركية الا الدليل الساطع على احتمال مماثل. ان الايمان الديني والروحي مسألة لا تحتمل العبث, ليس لانه مجرد حق من حقوق الانسان وانما لكونه بمثابة غريزة مثل سائر الغرائز التي تحكم جسده, وتلبي حاجته الذهنية والفكرية والوجدانية. تلك كانت ام الازمان, لان كل ما تلاها كان من نتاجها وردود الفعل عليها, ويمكن رصدها فيما يلي: اولا: بعد تهميش الرابط الديني بين الاتراك باعتبار ان الكل مسلمون وبالتالي لا فضل لقوم على آخر الا بالتقوى, كان من الطبيعي ان يرتد الناس هناك الى روابطهم القومية والمذهبية, مما تطور ونما مع الزمن وتجلى بأوضح الصور في الحركة الكردية التي تمثل احد اكبر الاقليات هناك, وتشكل اليوم احد اهم الازمان الضاغطة على النظام الراهن. ثانيا: لم تنجح (العلمانية الاتاتوركية) في الخروج بتركيا من تاريخها وتراثها وهو ما كانت تظن انه سر اندحار الخلافة وان العلمنة هي دواء اللحاق بأوروبا فاكتشفت انها مهما فعلت تبقى (مسلمة) وتبقى (غير ديمقراطية) بنظر اوروبا. وعلى الرغم من حيادها في الحرب العالمية الثانية ومقاومة اغراءات علاقاتها التحالفية مع المانيا, ورغم قبولها بأن تكون رأس حربة (العالم الحر) ضد الاتحاد السوفييتي على امتداد خمسين سنة, ورغم رضوخها للعب ادوار اقليمية ضد المشروع العربي النهضوي والمشاريع النضالية لدى العديد من شعوب المنطقة مثل الاعتراف باسرائيل والمشاركة باقامة احلاف ملء الفراغ (وكأن البلاد المحيطة بلا اهل ولا دول) , رغم هذا كله لم يعترف الغرب لتركيا الا بدور الشرطي الذي يعمل لديه دفاعا عن مصالحه, ولم تبد الولايات المتحدة من جانبها اي تعاطف معها علما بأنها اصبحت صاحب الامر والنهي في اوروبا. وكانت ذروة هذه الازمة يوم اصبحت اليونان عضوا كامل العضوية في النوادي الاوروبية, وهي الخصم التقليدي والتاريخي لتركيا حيث الخلاف بينهما على كل شيء من الجزر الى المياه الاقليمية الى قبرص التي قد تدخل هي الاخرى هذه النوادي وتركيا لا تزال تنتظر. ثالثا: تصاعدت هذه الازمة مع بروز وصعود التيار الاسلامي السياسي وخاصة بعد انتصار الثورة الاسلامية في ايران كنقيض (العلمنة الاتاتوركية) وشهدت على ذلك الانتخابات الشعبية التي اعطت حزب الرفاه اكثر مما اعطت لاي حزب آخر. ولا شك ان جنرالات الجيش التركي يتذكرون مصير جنرالات الشاه مما يجعلهم في حالة تأهب واستنفار ملغين بذلك حتى (الشكل) الديمقراطي للنظام والحياة الحزبية والبرلمانية في البلاد. رابعا: لا يمكن اغفال ازمة ضياع الدور التركي الدولي والاقليمي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط نظام المعسكرين فبالاضافة الى ما سببه ذلك من ارباك لتركيا ومحاولاتها لفهم موقعها الجديد في استراتيجيا (النظام الجديد) غير الواضح اصلا, فان تركيا استشعرت اهمية (اسلامها) لدى الدول المسلمة في آسيا الوسطى, وضرورة تمكين نفوذها هناك مما يضعها في مواجهات لا مفر منها مع الدول الاسلامية الاخرى المحيطة بهذه الدول ذات الثروات البكر والطموح الكبير في الخروج من عزلة التبعية الى رحاب الاسواق الحرة. ولا شك في ان موقف واشنطن الكامل الالتباس من القضية الكردية لا يرضي تركيا, وخاصة في موقفها الاخير عندما رعت مصالحة طالباني مع برازاني اللذين ابديا ــ صدقا او نفاقا ــ حرصهما على وحدة العراق ورفض الانفصال النهائي عنه. مجموعة هذه الازمات مضافا اليها ما يمكن اعتباره ازمات تقليدية مثل البطالة والفقر والجهل ليست سرا على احد كما قلنا وهي من نوع الحاد والمحتقن دفع بعض المحللين الى الاعتقاد بأن (العسكر) قد يهربون بها الى الخارج في مغامرة تستهدف سوريا وتؤجل موعد الانفجار! هل يقدم اصحاب الخوذ الفولاذية على تحويل المناورة الراهنة الى مغامرة, وهل سيمضي معهم رجال السياسة الاتراك الى هذا المدى؟ الاحتمال وارد ولا يجوز التهوين من مخاطر قرقعة الطبول التي نسمعها , لأن تاريخ العسكر التركي يحفل بالسوابق بقدر ما يحفل تاريخ الساسة هناك, ولا سيما في هذه المرحلة من استقزام وشعور بالارتهان والعجز. غير ان باب هذا الاحتمال ليس مفتوحاً على غاربه, واقصى ما يتوقعه المراقبون في حال اقدام العسكر على مغامرة ما ان تكون هذه المغامرة محدودة وسريعة قد تشفي غليلهم ولكنها لن تحل ازمتهم. لماذا؟ اولاً: لان تركيا ــ الشعب تدرك ومنذ زمن بعيد, منذ إغراق ناظم حكمت في اعماق البوسفور, ان الاستحقاق الديمقراطي قد آن أوانه وانه لا يمكن لتركيا ان تنهض من ازمتها عن طريق القمع والارهاب الداخلي, وان غلو العسكر في اعتماد هذه الطريق ومدها الى خارج الحدود من شأنه تعميق هذه الازمات وليس حلها. والكل يعرف (سمعة) تركيا لدى المحافل المعنية بشؤون ابسط حقوق الانسان, فالحديث عن سجونها وما يلقاه سجناؤها السياسيين اصبح مضرب الامثال في التعسف والقهر والظلم. ثانياً: لأن الازمة ــ الاساس, اي المسألة الكردية, وهي ذريعة العسكر للقيام بمغامرتهم اكثر تعقيدا لتحل بضربة عسكرية على (قواعد) حزب العمال الكردي في سوريا ولبنان, هذا في حال وجود مثل هذه القواعد اصلاً. فالمسألة الكردية تعني المنطقة بأسرها وخاصة الدول المتاخمة لكردستان ذات الحدود غير المرسومة. هي تعني العراق وسورية وتركيا وإيران وكل ما حول هذه الدول. وحتى هذه اللحظة التاريخية, ورغم الماضي المرير, فقد كان الحل العراقي اكثر الحلول شعبية لدى الاكراد رغم صدقية بغداد. ولعل هذا ما دفع بالطالباني والبرازاني على إعلان تمسكهما بوحدة التراب العراقي. اما ايران فلها اطروحتها لحل هذه المسألة بالنسبة لاكرادها, وهي اطروحة تقوم على الرابط الديني وعدم تفضيل فريق على فريق إلا بالتقوى. تركيا وحدها هي المتصلبة والمتعنتة والرافضة لأية صيغة سياسية للتفاهم مع (اقلية) تتجاوز العشرين مليون كردي. ولقد كان لمبادرة عبدالله اوجلان الاخيرة بوقف القتال من جانب واحد وعرضه لحل سياسي ضمن الاطار القائم للدولة ما يثير الاهتمام. غير ان الرفض الجلف لهذه المبادرة بدد الآمال وزاد من غطرسة العسكر وتمسكهم بالحل النهائي اي الاستئصال. ثالثا: لأن تركيا مهما شط تفكيرها, تدرك ان العقلانية الهادئة التي اتسمت بها ردود الفعل السورية لا تصدر عن ضعف بقدر ما تصدر عن حكمة بعيدة النظر تدرك ان ما يربط العرب والاتراك من الثوابت التاريخية والدينية والانتمائية تبقى اقوى من اي تحالف مفتعل مع اسرائيل التي تنبع سياستها من وحي مصالحها العابرة دون اي اكتراث بالتاريخ وثوابته. واذا كانت سورية تعتبر نفسها مسؤولة عن ادارة ازمتها مع تركيا بشكل يحول دون ارتماء تركيا نهائياً في الحضن الصهيوني, فانها لا تخدم في ذلك مصلحتها وحسب وإنما كذلك تخدم مصالح الشعب التركي المسلم الحريص على تاريخه وثوابته والمدرك لعمق العلاقات الجيو ــ سياسية التي تمليها حقائق التاريخ والجغرافيا على بلاده. وفي هذا السياق تدرك تركيا ان الموقف الرسمي, وان لم يكن حتى الآن على المستوى المطلوب, فانه لن يبقى كذلك اذا ما اقدم عسكرها على مغامرتهم وتورطوا في حرب مفتوحة. ولا ريب ان رجال الاقتصاد والصناعة المتواضعة من الاتراك بعرفون ان مستقبلهم الواعد لا يحط في تل ابيب, وإنما في الدول العربية وبخاصة في الجزيرة والخليج, كما يعرفون ان اسرائيل ــ حليفهم الراهن ــ ستكون اكثر الدول منافسة لهم في هذه الاسواق وبخاصة اذا ما عم (السلام) الذي تسعى اليه الولايات المتحدة. رابعاً: لأن تركيا تدرك وإن لم تدرك فتلك مصيبة, بأنه لا مجال لحروب طويلة في الشرق الاوسط قرب منابع النفط. حتى الحروب العربية ــ الاسرائيلية, رغم حوافزها الحقيقية, كانت خلال الخمسين سنة الماضية مسألة ايام كانت اطولها حرب اكتوبر 1973 التي توقفت بعد اسبوعين. لماذا؟ لان اي حرب لا تلبي المصالح الامريكية او تهدد هذه المصالح ممنوعة امريكياً. والسؤال الراهن: هل هناك حاجة امريكية لتفجير الوضع في الشرق الاوسط بين سورية وتركيا, وبالتالي بين العرب وتركيا, في الوقت الذي تحاول جهدها في اطفاء بؤرة التوتر الناجمة عن جمود حركة التسوية بين العرب واسرائيل, وخصوصاً بين سوريا واسرائيل؟ ان المؤشرات الصادرة عن واشنطن تجيب بالنفي على هذا السؤال, اذ ان كل ما صدر عن العاصمة الامريكية يدعو للتهدئة ويعبر عن القلق ولا ريب في ان واشنطن تعلم ان قرع الطبول التركية الذي جاء بعد رعاية المصالحة الامريكية لاكبر فصيلين كرديين, يحمل رسالة إليها يأمل اصحابها ان تجد لدى واشنطن بعض الصدى! وبعد, واذا ما وقع ــ لا سمح الله ــ عير ما توقعنا وتمنينا, وتحولت فكرة المغامرة ــ المناورة الى حرب حقيقية ضد سورية, وبالتالي ضد العرب, فلا شك اننا سنكون عندئذ امام حرب تستهدف اعادة رسم الخرائط في هذه المنطقة وفق ما سيترتب عن هذه الحرب من نتائج. واذا كان لابد من توجيه نداء مستعجل لحكام العرب وقادتهم ما بين المحيط والخليج, فاننا نقول لهم ان اي موقف عربي متردد او منقسم من هذه الحرب, كما حدث في لبنان, وفي حربي الخليج الاولى والثانية, وما تلا ذلك من حصارات لليبيا والعراق والسودان, ستكون نهايته وخيمة لا على الحلم العربي ومقولة اننا امة واحدة وحسب, وإنما على جميع هذه الكيانات القطرية, اذ سيتم تحويلها الى محميات ملحقة بالقطب الاوحد وبرعاية اقليمية لتركيا واسرائيل.