اذا أراد البنك الدولي تعيين مدير عام له فإنه لا يشترط سنوات خبرة أكثر من عشر سنوات, ومثله صندوق النقد الدولي فلا يزيد طلبا للخبرة في المتقدم لوظيفة قيادية فيه عن خمس سنوات, ذلك لأن كلا من البنك والصندوق يعرفان أنهما اذا طلبا اكثر من ذلك, فلن يتقدم اليهما سوى الذين انزلقت أقدامهم الى القبور, من الذين ينتظرون رحمة ربهم بين يوم وليلة . غير أن مصنعا وطنيا يتبع احدى الدوائر الحكومية المحلية طلب مؤخرا مديرا عاما له واشترط عليه خبرة تزيد على 24 عاما, كما طلب مديرين آخرين أحدهما للانتاج وآخر للتسويق مع خبرة تزيد على 24 سنة للأول وتزيد على 20 سنة للثاني, ما جعلني أتصور أن المصنع بصدد انتاج قنبلة ذرية مثلا او صواريخ باليستية او في الطريق لتصنيع مركبة فضاء نحلق فيها الى المريخ والمشترى لاكتشاف مجاهيل المجرات والكواكب. وبما أن من شروط الوظيفة حسب الاعلان اعطاء الأولوية في التعيين لمواطني الامارات, فان المتقدم لهذه الوظيفة من أبناء الدولة لابد ان يكون أطول خبرة وسنوات خدمة من عمر الدولة نفسها, او ان يكون مواطنا عمل للفترة المذكورة في مصانع مشابهة خارج البلاد, في أمريكا مثلا أو كندا, فأين يمكن أن نجد مثل هذا المواطن ذي الخبرة العالمية لكي نقبله على رأسه تعظيما وسلاما واكراما؟ وبما أن المصنع المذكور, لا يكذب ولكنه يتجمل, لأنه لا يريد مواطنين عمليا من دون ان يذكر ذلك صراحة, فإنه نشر الاعلان إياه, بحيث لا يتعرض للمساءلة من المسؤولين عليه, وبحيث يكون ضمن القوانين السارية المتعلقة بالوظيفة من حيث إلزامية الاعلان عن الوظائف الجديدة عن طريق النشر, فيبرر عدم حصوله على مواطنين للوظائف تلك بعدم تقدم أحد منهم لها, فيكون بذلك مثل شعرة طلعت من العجين. غير أن مساءلة مثل هذا المصنع الحكومي مائة بالمائة تصبح واجبة, لأنه يقدم الدليل للقطاع الخاص على تنفير المواطنين وعدم الرغبة في توظيفهم في القطاع الحكومي, في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة من أعلى مستوياتها ممثلة في رئيس الدولة نفسه ورئيس الحكومة والوزراء والمجلس الوطني الى توفير فرص العمل لآلاف من خريجينا, وذلك عن طريق توطين القطاع الخاص بالحوار والاقناع, كخطة توطين المصارف مثلا. وكنا اعتقدنا ان زمن الشروط التعجيزية التي يتم وضعها أمام المواطنين للالتحقاق بوظائف معينة قد ولى وراح, وأن زمن فتح الابواب أمامهم لكافة أنواع الوظائف مع تدريبهم وتأهيلهم لها قد أتى, حتى جاءنا الاعلان المذكور الذي يدل على أن هناك من يعيش خارج الزمان, أو أنه يغرد خارج السرب, أو أنه يسير ضد مصلحة البلاد نفسها ومواطنيها, من الذين تتبنى البلاد مسؤولية توفير العمل لهم كواجب أساسي من واجباتها الكثيرة. ومع ذلك أتمنى ان يطلع للمصنع المذكور مواطن من بيننا, لديه هذه السنوات من الخبرة المطلوبة وأكثر, فيتقدم للوظيفة وعيني عينك يا تاجر, وبما أن ذلك شبه مستحيل, لأن مثل هذا المواطن الذي تخرج من الجامعة وعمره 26 عاما وعمل لمدة 24 سنة يصبح في الخمسين من عمره اليوم, وهو ما يطلبه المصنع, فلا يصلح هذا لعمل اكثر من حراسة مدرسة لانتهاء الصلاحية, فلا يبقى من حل لافشال خطة المصنع في عدم توظيف مواطن سوى الاستعانة بمصباح علاء الدين السحري لكي نطلب من العفريت فيه تزويدنا بمواطن لديه 24 سنة خبرة ويكون في الوقت نفسه شابا وصالحا للعمل, لكن السؤال: من أين نأتي بالمصباح السحري؟