كان الأمر ملفتا ومزعجا إلى حد كبير عندما اقتحمت سيارة الشرطة الحي الهادىء صباحا لتطرق الباب على بعض الجيران, وتصطحب ابناءهم الصغار إلى المركز . وانتهى الامر بتعهد اولياء الامور بعدم تكرار ما حدث, وما حدث هو بعض التصرفات التخريبية التي قام بها الصغار وبشكل متعمد ومتكرر ضد بعض الجيران والمحزن ان احدا من الآباء أو الصغار لم يلتزم بالتعهد. وان يصل الامر إلى ان طفلا في العاشرة من عمره تصطحبه سيارة الشرطة إلى المركز كبعض المجرمين, فان القضية لا تبدو عادية أو طبيعية ابدا, الامر هنا خطير للغاية على الاقل بالنسبة لهؤلاء الصغار الذين يفترض انهم طلاب مدارس ومن أسر محترمة ويسكونون حيا محافظا, مما يعني توافر قدر جيد من المفاهيم والقيم التربوية لديهم. وبالرغم من ان الجميع في ذلك الحي تداول القصة على أنها شقاوة اطفال تستوجب العقوبة, الا ان الجميع ايضا لم يقترب من مركز المشكلة, ولم يقل احد صراحة ان هؤلاء الصغار لم يتلقوا القدر الكافي والمطلوب من التربية أو تعلم الاساسيات القيمية الواقية من هذا المصير. وقلة التربية, اتهام مزعج ومثير للحساسية لا يقبله احد على نفسه ولا على ابنائه, ومن هنا يتحاشى الناس الخوض فيه مواجهة, ويبقون الامر محصورا في الطفل نفسه, وكأن كل طفل يجب ان يكون شقيا وان تقوده شقاوته لارتكاب الاخطاء الفادحة أو كأنه ينشأ ويكبر في هذه الحياة بفعل قانون الدفع الذاتي! في زمن مضى, تعارف الناس على تسميته بعصر ما قبل رفاهية البترول, كان الطفل في المجتمع مسؤولية الجميع, وفي الحي أو (الفريج) كان لكل الكبار كلمة طولى على الاطفال, وكانت المسؤولية احساسا يسكنهم جميعا تجاه ابناء بعضهم البعض, فالكل يأمر وينهى ويزجر ويضرب في مواقع الخطأ ويمسح على رأس الصغير ويقبله حناناً وعطفا, ولذلك فقد كان الطفل يحسب حساب الجميع, لمعرفته بهذا الاتفاق الضمني تجاهه. هذا ما تذكره لنا جداتنا وامهاتنا, بعد انقلاب البترول وتغير المجتمع بدرجة 360 درجة تغيرت كل التوجهات, ولم يعد الانسان قادرا على تربية نفسه أو ابنائه وبالتالي فليس لديه حكم على ابناء غيره. اذن انتشار وعي المسؤولية بين افراد المجتمع انطلاقا من التجانس وكل المشتركات التي توحدهم, أوجدت ذات يوم حزاما من الامن أو عدم الفلتان يضبطهم ويوحد وقع خطواتهم والعكس صحيح طبعا. في عصر الحرية الشخصية, انتفى هذا المعيار أو الاحساس بالمسؤولية الجماعية وخاصة التربوية, وصار من غير اللائق ان تتدخل في شؤون الآخرين حتى وإن كانوا جيرانك, وصار ابناء الجيران اغراباً ان سلمت من اذاهم فاحمد الله واشكره وإلا فاستدع لهم الشرطة. كلمة قالها الامير طلال بن عبدالعزيز في افتتاح المؤتمر العالمي للتعليم في باريس قال: (علموا ابناءكم ما تريدون قبل ان يأتي من يعلمهم ما يريد وما لا تريدون) . هذه الكلمة نقولها بدورنا لكل الآباء ولكل الامهات بعد ان صار الابناء يتلقون التربية من كل من ليس له علاقة بالتربية!