في الوقت الذي تجتاز فيه الدولة اليمنية حواجز الاصلاح الاقتصادي بنجاح, وتتأهل لنيل المساعدات, والتغذية المالية, بعد أن طبقت شروط الصندوق الدولي, وخصوصا تقليص الدور الحكومي في الاقتصاد, وتصحيح الاسعار, ورفع الدعم عن بعض السلع .. في هذا نرى ان هذا الانجاز الكبير واللا شعبي, يحتم على الدولة اختراع سياسات,ووضع خطط ديبلوماسية من شأنها تسويق البلاد في الاقليم وفي العالم, على قاعدة من الشفافية تنهي كل الشكوك السابقة التي انتجها فساد الادارة, والعلاقات المضطربة, وشبه المقطوعة بين دول شبه الجزيرة والخليج. اليمن الآن بحاجة الى الارتداد للداخل, ومواجهة كل الخصائص الاجتماعية القديمة, على غرار المواجهات التي احدثتها قرارات الاصلاح الاقتصادي, وبحاجة اكثر الى اعادة بناء هياكل الدولة كلها وفق اسس وظيفية واضحة لاتخضع للاعتبار السياسي, والى وضع تشريعات تشجع على الاستثمار, والى انتهاج سياسات تؤدي الى تطبيع الاوضاع مع دول الاقليم. هذه المهمات ستكون ضرورية اذا ما اردنا الحديث عن يمن يتقدم, ويتطور, ويتحول من مجتمع قبلي مكبل بالخصوصيات العتيقة, الى مجتمع مؤسسات تحكمه القوانين وآليات التعاقب السلمي للسلطة, والادوات الديمقراطية الشفافة. لم يعد من الممكن التغاضي عن هذه الاجراءات وترك الاوضاع في اليمن على ما هي عليه لاشاعة السلم الاهلي وفق منظور القوى السياسية والقبلية المتعددة, لا وفق منظور الدولة وشروطها القانونية واداواتها المنفذة للقانون من قوات مسلحة, وقوات أمن وشرطة. لم يعد من الممكن التغاضي عن هذه الاجراءات لان ثمار الاصلاح الاقتصادي كلها ستضيع وستضيع معها حياة اليمنيين, وتتبدد احلامهم في مستقبل سعيد, وحاضر مزدهر. وهنا أرى أنه لابد من الاشارة الى مهمات عاجلة بامكان الدولة ان تقدم عليها لو توفر لها الوعي المطلوب على معنى تحقق الاصلاح الاقتصادي, وعلى الثمار المتوجبة عليه. وأول هذه المهمات انهاء جميع اشكال الحياة السياسية المألوفة, والتي لاتزال تتمحور حول مساومات القوى والاحزاب والقبائل للدولة, مقابل الحصول على أمن متفق عليه, لا على أمن مضمون من قبل الدولة, ويستند على قوة القانون وازالة اسباب الاضطراب. في السابق كانت هناك مظاهر اختطاف الرهائن.. قبيلة تخطف سائحا او سواحا أجانب, او اجانب عاملين في قطاع النفط وتساوم الدولة على اطلاقهم مقابل تحقيق ما تريده, وغالبا ما يكون الافراج عن مجرم من ابنائها ألقي القبض عليه في حالة تلبس, هذه الظاهرة تصدت لها الدولة بالقوانين الصارمة, وقالت انها ستعدم كل من تثبت عليه جرائم الخطف. هدأت الظاهرة عندما كشرت الدولة عن أنيابها واعلنت حضورها القانوني بقوة كعراف وحيد مسؤول عن أمن المجتمع او عن صيانة مصالح البلاد وأهلها. وبعد أن هدأت هذه الظاهرة تفتقت ذهنية التخلف والاستخفاف بوجود الدولة عن ظاهرة التفجيرات, فكل معترض, او صاحب حاجة ضيقة اخذ يفجر هنا وهناك للاعلان السمج عن مطالبه وللدخول في مساومات خشنة ومسلحة مع الدولة. خطورة هذه التفجيرات انها اخذت تستهدف محافظات مهمة في الجنوب كمحافظة عدن وأبين ولحج, ذلك انها تهدد نسيج الوحدة اليمنية في الصميم وتستدعي مبررات الانفصال وتعطي الحجة لعودة التشطير, وهذه المرة بمطالبات شعبية صادقة, لا بمؤامرة يصوغها هذا الحزب, أو تلك الجهات الاجنبية. عدن من أهم موانىء اليمن, وتاريخها التجاري حافل وهي مقبلة على تجديد هذا التاريخ, وبدأت تخطط نحو هذا الهدف بثقة من اجل تجديد هذا الميناء الاستراتيجي واعادة أدواره السابقة اليه. وما يثير الهلع أن المسؤولين لم ينظروا الى هذه التفجيرات على انها فعل خطير ومدمر للمستقبل واعتبروها مجرد خاصية يمنية ضيقة تشبه المزاح أو لعب الاطفال. لذلك تفاقمت أزمة التفجير اعتمادا على استهتار المسؤولين وقوى الأمن المختصة, ولم تقابل بالصرامة التي قبولت بها جرائم الاختطاف مع أنها أخطر بكثير, فهي تهدد نسيج وحدة البلاد, وتقطع عنها كل أوردة شرايين النمو, والاستثمار الاجنبي. عدن مدينة صغيرة ومكشوفة, ومن السهل على أجهزة الأمن أن تلقي القبض على المرتكبين وتمنع أعمالهم الاجرامية بشكل نهائي, والمؤسف في هذا الأمر أن السلطات اعلنت عن القبض على عدد كبير من المشبوهين, الا أنها اطلقت سراحهم لاحقا لعدم توفر الدليل, والمؤسف اكثر ان المسؤولين على خلاف حول هذه المسألة, فمنهم من يعزو التفجيرات الى جهات خارجية, ومنهم من يعزوها الى أطراف محلية لا خطر منها. اضافة الى المتفجرات هناك الوضع المعيشي الصعب في جنوب البلاد, والذي اصبح يتطور من سيء الى أسوأ, وخاصة بعد الحرب التي انهزم فيها الانفصاليون, دون أن يلقى هذا الوضع الاهتمام الكافي من المسؤولين. لا أريد أن أذهب اكثر في تعداد الاوضاع التي نرى انها تهدد وحدة البلاد, وتشجع التيارات الانفصالية فيها على التحرك من جديد بدعوى التغيير والخلاص, والى ما هنالك من شعارات يؤيدها الواقع مع الأسف, ويجعلها سهلة الانتشار وقريبة من قناعة المواطنين. ما أريد التأكيد عليه ان الانجازات الاصلاحية الكبيرة التي تحققت على الصعيد الاقتصادي لن تكون ذات فائدة اذا لم تتكامل مع الاصلاح السياسي ومع وضع سياسات جديدة توصل اليمن الى تطبيع علاقاته مع دول المنطقة بشكل قائم على الثقة والشعور بالامان. ان الادلاء بهذه الملاحظات يفرضه واجب المحافظة على انجازات الاصلاح الاقتصادي وحمايتها والتي لن تكون الا بوجود الدولة القوية والقادرة, والرافضة للمراوحة في مكان واحد بتأثير مراعاة الظروف بدل التصدي لها وتغييرها. اذا ما تفاقم الأمر, بمعنى اذا تم التغاضي عن واجبات الاصلاح السياسي, وضرورات وضع استراتيجيات دبلوماسية لتطبيع العلاقات مع دول الاقليم والعالم واذا ما تم التساهل بالعامل الأمني واعتباره خصوصية محلية لا توحي بالخوف او تنذر بالخطر.. اذا ما تفاقم الأمر على هذا المستوى فان الخشية قائمة من فلتان الزمام وواقع التقدم والتآخر في آن معا سيفرض نفسه حقيقة راسخة تدفع الى اليأس من الوضع اليمني وساعتها لن يكون للاصلاح الاقتصادي فائدة تذكر للمجتمع اليمني, ولقوة الحضور المطلوبة للدولة اليمنية. صحفي وكاتب ــ الكويت*