الرحلات المكوكية التي قام بها الرئيس حسني مبارك بين الرياض ودمشق وأنقرة لنزع فتيل الأزمة المتفجرة بين سوريا وتركيا تقدم من الناحية الموضوعية رؤيا عربية جديدة في تناول الخلافات مع دول الجوار التاريخي . وربما كانت مبادرة مبارك الأولى من نوعها طوال نصف قرن التي يتنادى فيها العرب لاحتواء خلاف مع تركيا باعتبارها واحدة من دول الجوار العربي بدلا عن المنهج التقليدي القديم بتوسيع شقة الخلاف والاكتفاء ببيانات الادانة والشجب والتضامن مع الطرف العربي. ولعل المبادرة تعيد طرح سؤال قديم متجدد حول الافتقار الى موقف استراتيجي عربي من دول الجوار التاريخي. ودول الجوار التاريخي هي تلك الدول التي تقع على أطراف العالم العربي وتدخل جغرافيا ضمن منطقة الشرق الاوسط, وكان لها ومازال روابط ثقافية وتراثية وأيضا مصلحية مع الدول العربية. وهي دول تلعب عوامل التاريخ والجغرافيا دورا اساسيا في ارتباطها بالعالم العربي, الأمر الذي يجعل من الضروري التعامل معها على هذا الاساس, ومن خلال منظور استراتيجي ثابت وهو الأمر الذي نزعم انه ظل مفتقدا حتى الآن. فتركيا وإيران, ويمكن ان نضيف اليهما باكستان, ظلت ولفترات طويلة بعد الحرب العالمية الثانية في موقع وموقف أقل ما يمكن ان يوصف به انه لم يكن وديا بالنسبة للعالم العربي, بل وفي فترة من الفترات كانت هذه الدول في المعسكر المعادي. ودخل بعضها في صراعات مباشرة مع أكثر من دولة عربية, الأمر الذي أفقدنا القدرة على احتواء هذه الخلافات ووضع صيغة للتعامل معها على اساس المصالح المشتركة وهي كثيرة ومتعددة. وقد تكون هذه القطيعة السابقة مع دول الجوار التاريخي نتيجة للثنائىة القطبية التي كانت تحكم وتتحكم في العلاقات والصراعات الدولية وتقسمها الى أنصار للمعسكر الغربي وحلفاء للمعسكر الشرقي, وهو الأمر الذي جرى بالفعل, على الأقل في فترة الخمسينات والستينات وأثناء ازدهار معارك الاستقلال والتحرر الوطني. في تلك الفترة انضوت دول الجوار التاريخي تحت مظلة الأحلاف العسكرية الغربية مثل حلف بغداد ثم الحلف المركزي, واستغلت واستثمرت هذه الدول في لعبة الصراع الدولي والاقليمي باعتبارها ستارا قويا واقيا ورادعا في الوقت نفسه في مواجهة تيار القومية والوحدة العربية وحركة التحرر العربي والتي كانت تمثل في ذلك الوقت خطرا داهما على المصالح الغربية والأمريكية بشكل خاص. وقد أدى ذلك الى حقيقة أخرى مرتبطة بها ومترتبة عليها حينما وجدت دول الجوار التاريخي نفسها, وبحكم تحالفها الغربي في ذلك الوقت في خندق واحد مع اسرائيل, الدولة الجديدة التي أقيمت على الجسد العربي منذ أواخر الأربعينات والتي كان الصراع معها طوال نصف القرن الماضي هو النغمة الاساسية والمحددة في العلاقات العربية الدولية والاقليمية. وبالرغم من التغيرات الدرامية الواسعة التي جرت ومازالت تجري على الساحة العالمية بما في ذلك انفراط عقد الثنائية القطبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكر شرق أوروبا, ايضا بعد التغيرات الواسعة التي جرت داخل هذه البلدان نفسها والاتجاهات العالمية الواضحة نحو التجمعات الاقليمية الكبرى (الاتحاد الاوروبي ــ جنوب شرق آسيا (الآسيان) التجمع الامريكي (النافتا)... الخ) الا ان العلاقات العربية مع دول الجوار التاريخي ظلت محاصرة ومحدودة, بل وفي كثير من الاحيان معادية, وذلك رغم انتفاء كثير من الاسباب الموضوعية التي كانت تؤدي الى ذلك في الماضي ورغم توافر أرضية حقيقية لمصالح وأهداف مشتركة يمكن بل ويجب ان تؤدي الى علاقات ايجابية مع هذه الدول أكثر توازنا وأكثر اتساقا مع المصالح العربية نفسها. لقد كان تغيير نظام الشاه في ايران والذي كان يدخل بالفعل في تحالفات استراتيجية مع اسرائيل ضد الأماني والطموحات العربية, كذلك تزايد الموجة التراثية في تركيا ومحاولات الحد من نغمة التغريب التي عاشت فيها تركيا لفترات طويلة, تقدم من الناحية الموضوعية أرضية صالحة لإعادة تشابك وتداخل المصالح مع الدول العربية بشكل صحي وايجابي. فالكل, العرب والعجم والترك, لا يجمعهم فقط التراث المشترك والطويل, بل والاهم من ذلك كله تجمعهم المشاكل والطموحات المعاصرة, باعتبارهم من دول الجنوب او العالم الثالث الذي يواجه مخاطر الاستنزاف من خلال العولمة بمعناها الأمريكي والغربي. ويواجهون نفس المشاكل الاقتصادية والاجتماعية وهم يصيغون خططهم التنموية والثقافية لبناء المجتمع المعاصر ويجدون انفسهم الرقعة الجغرافية الوحيدة المفتوحة والمستباحة من قبل التجمعات الاقتصادية والسياسية العملاقة التي تقع على حدودها. ولكن ظروفا اخرى طرأت في العقدين الماضيين ادت الى تأجيل هذا التفاعل الضروري والمطلوب نتيجة اخطاء مشتركة من الطرفين, فالحرب العراقية الايرانية والتي تواصلت على مدى سبعة اعوام واستنزفت طاقات البلدين الجارين المادية والبشرية, وبدون مبررات واسباب استراتيجية, ادت في فترة من الفترات الى زيادة القطيعة العربية مع ايران, بينما كانت المخالفات العسكرية التركية الاسرائيلية وايضا موقف تركيا من مشكلة المياه والحدود مع بعض الدول العربية المجاورة وخاصة سوريا والعراق, تؤدي الى مزيد من العزلة بين دول الجوار والعالم العربي, والى مزيد من وضع الالغام والعقبات على طريق دعم وتطوير التعاون العربي مع تلك الدول. وظلت العلاقات مع دول الجوار التاريخي تفتقد الى منظور جديد ودائم وعلى المدى البعيد يعيد ترتيب الامور معها على اسس استراتيجية تنطلق في الاساس من المصالح الكثيرة المشتركة بين الطرفين, وتعترف في نفس الوقت بالتباين والاختلاف في بعض القضايا مع ادراك واع بإمكانية الوصول الى حلول لهذه الخلافات تضع في اعتبارها مصالح جميع الاطراف. وحتى حينما كانت تجري بعض التغيرات الايجابية في العلاقات مع هذه الدول, فقد كان ذلك يتم ومازال وفقا لمبادرات ثنائية بين احدى الدول العربية واحدى دول الجوار التاريخي دون ان يتحول ذلك الى موقف ومنهج عربي جديد وموحد في التعامل مع هذه الدول. ولنعترف اننا في علاقاتنا مع هذه الدول غلبنا جوانب الفرقة والاختلاف ـ وهي موجودة بالطبع ــ على جوانب الاتفاق والمصالح المشتركة وهي اكثر وأعمق. مع اننا لو نظرنا الى طبيعة الخلافات الموجودة فسنجد انها امر طبيعي وارد حتى بين الدول العربية نفسها, فليس المهم وجود الخلافات ولكن الاهم ان يكون هناك رصد واقعي وعلمي لوضع هذه الخلافات في اطارها الصحيح دون ان تكون هي العامل المحدود الاساسي في تلوين العلاقات. مع البحث عن افضل الوسائل لحلها وتقليل وتحجيم آثارها السلبية من خلال اعتماد الحوار المتصل بين جميع الاطراف. فالتغيرات الاخيرة التي جرت في ايران بعد انتخاب الرئيس خاتمي والموقف الثابت التي تتخذه ايران ضد الاتجاهات التوسعية الاسرائيلية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني والاعلان الواضح عن رغبتها في علاقات قوية مع الدول العربية اضافة الى وجود ارضية واسعة من المصالح الكثيرة والمشتركة يحتم موقفا عربيا جديدا. والامر نفسه ينطبق بشكل او بآخر بالنسبة لتركيا, ان هذا لا يعني بالطبع تجاهل الخلافات او التسليم بالحقوق العربية المشروعة أو تجاهل علاقات التعاون بين تركيا واسرائيل, ولكن المطلوب احتواؤها ووضعها في اطارها الثانوي دون تكبير او تعظيم والعمل على حلها مع الاطراف الاخرى بالحوار المتصل من ارضية المصالح الكثيرة المشتركة. واذا كنا نوافق على ان الخلافات العربية ــ العربية هي في النهاية خلافات ثانوية وقابلة للحل في اطار الصراع الرئيسي والاساسي الذي يجمع كل هذه الدول مع اعداء الامة العربية ممثلة في اسرائيل ومن يساندها. فان الامر نفسه قابل للتطبيق بالنسبة لدول الجوار التاريخي التي تربطنا بها علاقات ومصالح متشابكة وضرورية في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية, اضافة الى ان هذه الدول تمثل المعابر الرئيسية للانطلاق العربي في علاقات واسعة مع اوروبا وآسيا. ان مبادرة الرئيس مبارك تفتح شهيتنا للطموح في اعادة فتح وطرح ملف الجوار التاريخي واعادة قراءته من جديد في ظل التغيرات الكثيرة الواسعة التي جرت ومازالت تجري على الساحة الدولية والاقليمية بحيث يتحول الموقف العربي الى موقف فاعل ومخطط على المدى البعيد بدلا من ان يظل محاصرا في الاطار الانفعالي المحدود والقائم على ردود الافعال. ان عطر التاريخ والتراث الثقافي المشترك الذي يجمع بين الشعوب العربية والشعوب الايرانية التركية يقدم ارضية مثالية لتجاوز الكثير من الخلافات وصولا الى ارضية ثابتة وقوية من المصالح المشتركة, كما انها تقطع الطريق امام محاولات اعداء الطرفين لاشعال الخلافات وتكبيرها على حساب المصالح الكثيرة والمشتركة. ذلك هو منطق الحسابات العملية التي تفترضها لغة العالم المعاصر. مدير مركز الأبحاث والدراسات ــ صحيفة الجمهورية*