في سوريا هناك عسكر تحولوا الى السياسة وأتقنوها, وفي تركيا هناك سياسيون يقودهم العسكر, والفارق بين العقليتين والمنهجين هو أساس الخلاف المتصاعد بين الدولتين, فسبب الخلاف ــ في تقديري ــ ليس هو عبد الله اوجلان وحزبه العمالي ولا هو أيضا في المياه المختلف عليها بين البلدين. في سوريا قيادة تعلمت منذ زمن طويل كيف تتفاعل مع السياسة المتحركة والمتغيرة في منطقتنا بفاعلية, وأن التفاعل ليس كلاما فقط وانما فعل عملي ومواقف ليست بالضرورة مؤيدة في المدى القصير, ظهر ذلك في اكثر من مكان وموقف, وفي ذاكرتي ثلاثة: الأول الموقف الصارم والصريح من الحرب العراقية ــ الايرانية, ورغم ان تلك الحرب كانت مؤيدة لسبب أو آخر من الكثيرين, الا أن سوريا عرفت وقتها كم من الخسارة تتحقق في المدى الطويل ان انقلبنا جميعا ضد جارة مسلمة, وقد تأكدت صحة ذلك الموقف بعد ذلك. أما الموقف الثاني فهو الموقف في لبنان, ورغم اللغط السائد اليوم حول الدور السوري هناك فقد كانت بدايته انقاذا للبنان الذي بدأ يتعافى, لأن الفئات اللبنانية المختلفة وقتها لم تكن قادرة على حماية مكتسبات الوطن اللبناني وحاولت اذابتها في مكتسبات وقتية لطائفة او اخرى. أما خاتمة الثلاثة والتي تجسد الفهم الصحيح لمتغيرات السياسة الاقليمية في الموقف السوري فهي موقف سوريا والرئيس الأسد بالذات عند احتلال العراق للكويت, لقد كان واضحا وبصيرا بمغبة الموقف عندما تساءل في القمة العربية الطارئة في اغسطس المشؤوم سنة ,1990 (من منا يستطيع ان يخرج الجيش العراقي من الكويت؟) وكان الموقف السوري الرسمي أحد مفاتيح اندحار الغطرسة لدى القيادة العراقية التي مازالت تئن منه. هذه المواقف الثلاثة على سبيل المثال لا الحصر هي التي تطمئن المراقب ان سوريا لن تندفع ــ مهما واجهت من استفزاز ــ الى مواقف غير محسوبة. لذلك, فإني أكاد أجزم أنه ليس في سوريا اليوم من يستمع الى الصيحات العنترية من بعض العرب ــ الذين لم يفيقوا بعد الى أن العالم قد تغير ــ والمرددة لشعار ان كل اعتداء على سوريا هو اعتداء على (....), تلك مقولات قد عفى عليها الزمن ولم تعد في حاجة الى اثبات انها غير ذات موضوع, ولو حدث ــ لا سمح الله ــ اشتباك مسلح وكبير بين الجارتين فان هذه الاصوات ستظل في حدود الشجب والاستنكار, والواقعية تقول لنا أن الذهاب الى الحرب ليس نزهة ولا هو شعارات. قلت ان الأسباب الرئيسية في هذا الاحتقان السياسي بين سوريا وتركيا ليست هي عبدالله اوجلان المنشق الكردي التركي ولا حزبه, كما أنها ليست الاختلاف على المياه, فكلاهما وغيرهما مجرد قضايا معلقة وغير ذات أولوية, أما بيت القصيد فهو شيئان, الأول والأهم هو العلاقة التركية مع اسرائيل من جهة وتأثيرها على تركيبة الوضع الداخلي في تركيا, والثاني هو المشروع الامريكي للأكراد. وتفسير ذلك ان الاتراك لم يكن لهم علاقة علنية باسرائيل قبل التسعينات, ومنذ ذلك الوقت تعززت ونمت هذه العلاقات اولا على استحياء ثم ظهرت على السطح منذ النصف الثاني من التسعينات. ومن وجهة النظر الاسرائيلية هي عمل سياسي طبيعي بل نموذجي, فقد رفعت اسرائيل منذ قيامها او بعده بقليل شعارا صكه رئيس الموساد آنذاك, وهو بالمناسبة من أصول يهودية عراقية بأن (طوق أعداءك بأصدقاء) وقد أجرت اسرائيل هذه السياسة بنجاح منذ زمن في افريقيا وآسيا, ومعظم البلاد المحيطة ببلاد العرب. أما دوافع تركيا فهي مختلفة, فالعسكر يريدون لقوة تركيا العسكرية ان تتفوق, ولتركيا مشكلات مع اليونان وفي قبرص, تجعل أوروبا تفكر مرتين قبل تعزيز القوة العسكرية التركية حتى لو كانت حليفة, كما ان الولايات المتحدة تقدم (المساعدات العسكرية) لتركيا بحساب, وهنا تلتقي المصالح غير المستعجلة لتركيا وعسكرها, بالمصالح المستعجلة للحكومة الاسرائيلية, فبأي شكل يمكن ان تشدد الضغط على سوريا, البلد العربي الوحيد في الطوق العربي الذي لم يخط نحو اسرائيل, كما ترغب الأخيرة, وبسببها يبقى العرب عربين: عرب واربوا الباب الذي فتحوه مع اسرائيل, فهو ليس مفتوحا تماما, او عرب تراودهم أنفسهم باغلاقه والانصراف عنه, واي ضغط على هذه (العقبة) (سوريا) من وجهة النظر الاسرائيلية مرحب به في الاوساط المتشددة, وان اخذ اكثر مما يعطي, ولو كان ذلك بعدم رضا الولايات المتحدة الكامل. أهمية العلاقة التركية باسرائيل من وجهة النظر التركية تبدو قائمة حتى مع تبدل الحكومات, ومن أوزال الى يلماظ, وحتى حكومة اربكان (الاسلامية) لم تستطع ان تغير في طبيعة العلاقة القائمة, بسبب ما يراه العسكريون الاتراك من أولوية لها. المشكلة امام تركيا ان سوريا قامت بحملة كبيرة وناجحة الى حد كبير ضد هذه العلاقة التركية ـ الاسرائيلية وهذا يجعل تركيا في حرج مع جيرانها وبني دينها العرب والمسلمين, مع بلاد مثل مصر وايران وبقية الدول الاخرى التي ترغب تركيا ان تكون لها علاقات اقتصادية وسياسية عادية معها, وقد شعرت تركيا بهذا الضغط السياسي الاسلامي عندما اتخذت القمة الاسلامية الثامنة في طهران موقفا يدين العلاقات مع اسرائيل, ولم تذكر تركيا بالاسم وقتها, وذلك بعد مناورات عديدة في كواليس المؤتمر. حملة سوريا السياسية الناجحة جعلت تركيا تجرب في اكثر من مكان, حاولت مع الاردن لكسر العزلة التي تشعر بها, ولكن المحاولة كانت قصيرة. العلاقة التركية ـ الاسرائيلية ايضا لها صداها الداخلي السلبي في تركيا, فتركيا دولة علمانية ولكن شعبها مسلم, وهو ما يجعل التناقض حادا بين ما تريده السياسة التركية وما تستطيع ان تحققه على الارض, صحيح ان الصورة النمطية لدى الاتراك المعاصرين عن العرب هي صورة سلبية وغير مبهجة وقد تراكمت عبر التاريخ الحديث, في الوقت الذي يرى فيه الاتراك التجربة الاسرائيلية تثير اعجابا وتعاطفا (دراسات كثيرة منها ابراهيم الداقوق: صورة العرب لدى الاتراك) , رغم ذلك فان هناك مواقف سياسية برزت في السنوات الاخيرة تقول بعدم تعريض المصالح السياسية التركية مع العرب للاهتزاز ارضاء لاسرائيل, هذه التوجهات تزداد عندما ترى الدولة التركية ان الحملة ضد علاقاتها باسرائيل تتسع في المؤسسات العربية والدولية, ذلك في تقديري السبب الاكثر ترجيحا, والمسكوت عنه في اسباب الازمة المشتعلة. اما السبب الثاني وربما الاكثر سكوتا عنه في هذه الازمة فهو موجه الى الولايات المتحدة لا سوريا, فبعد ان طورت الادارة الامريكية موقفا محددا لها من الاكراد العراقيين, وجمعتهم في واشنطن الشهر الماضي, عرفت ان هناك توجها ما للاعتراف بالحقوق المشروعة لهذا الشعب ذي الثورات الضائعة بين تعصب قبلي داخلي وبين عدم اعتراف بهويته, الاعتراف بحقوق وهوية الاكراد في الشمال العراقي سيجر معه بالتأكيد اعترافا بهوية الشعب الكردي في اكثر من مكان وهو في تركيا الاكثر وجودا وحجما, لذلك هددت تركيا بعودة سفيرها الى بغداد (عدو عدوي صديقي) . هذان الاحتمالان في تقديري هما اساس هذه الازمة العالقة وهما العلاقة التركية باسرائيل وذيلها, والثاني امكانية تأهيل الاكراد بدءا من شمال العراق وربما انتهاء باكراد تركيا, ولأن الموضوع السياسي في تركيا في يد العسكر فان اللغة المستخدمة هي التهديد العسكري. ولكن السؤال هل يمكن ان يحدث اشتباك عسكري طويل المدى وواسع بين الطرفين السوري والتركي؟ رغم ان التوقع في شؤون مثل هذه يعد مخاطرة, الا اني اميل الى ترجيح كفة ضبط النفس على الاقل في هذه المرحلة, وذلك لعدة اسباب, منها انه مهما بلغ الغضب التركي, فان تركيا هي البلد الثالث في منطقتنا ـ مع اسرائيل ومصر ـ التي تحصل على مساعدات امريكية مجزية, ولن تغامر بتخريب المعادلة القائمة والتي تحاول الولايات المتحدة ان تجبرها بسبب غضبها السياسي ـ مهما كانت اسبابه ـ من سوريا, والثاني ان الوضع الداخلي التركي لا يسمح ولفترة طويلة بأن يدوم هذا التأزم, فرغم التنازع التاريخي بين سوريا وتركيا على الارض وعلى المياه والذي دام سنوات طويلة لم يلجأ اي طرف لحل هذا النزاع بالقوة, ولعل الوساطة المصرية التي قام بها الرئيس حسني مبارك قد التقطت اسباب المشكلة, فقد اعلن الرئيس مبارك ان العلاقة التركية مع اسرائيل لها صدى شعبي بانها علاقة استراتيجية, ولكن ليس لدينا ـ كما قال ـ ما يثبت ذلك رسميا. حتى وان انخفضت درجة حرارة الازمة الحالية بين سوريا وتركيا, فان المطلوب عربيا وتركيا اعادة فتح الملف التاريخي لتبديل سوء الظن المتبادل بين الطرفين, ولقد تعلم الجميع ان الحرب بالحسابات الصحيحة ليست وسيلة لحل الخلافات بين الجيران, فالزمن هو زمن الوقوف بحزم امام سياسة شريعة الغاب في العلاقات الدولية, حيث لا يستطيع أن يلتهم الكبير الصغير متى ما عنّ له ذلك, هناك ملفات معلقة عديدة بين دول كثيرة, ولو اعتمدنا الشفافية في معالجة هذه الملفات فذلك هو المخرج الصحيح والحضاري. ان ما بين تركيا وسوريا من تأزم ايا كانت اسبابه التي اجتهدت في حصرها فيما وراء السطح, يظل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في اي وقت, ومن ثم فان المطلوب ليس اعادة عقارب ساعة تفجير هذه القنبلة الى الوراء تأجيلا لانفجارها, بل المطلوب هو تفكيك العلاقة بين هذه الساعة ومتفجراتها, بل تفكيك القنبلة ذاتها برؤية جدية وسعي جاد من كل المعنيين بالامر وبالوساطة مع رفض ابتزاز التلويح بالقوة في منطقة مثقلة بالهموم. تركيا كتلة اسلامية توازي في اهميتها ايران وباكستان, وهو موضوع بالتأكيد تعرفه القيادة السورية, وعلينا ان نخفف من اعباء التاريخ الذي يجري نبش سوءاته بمناسبة وغير مناسبة, فالشعوب لا تعيش فقط على التاريخ بل وايضا على المستقبل الذي تقوم قياداتها بصنعه اليوم.