مع ان الاتراك يعرفون مثلهم الاصيل الذي يقول: ألف رجل مسلح لا يستطيعون تجريد رجل عار, الا انهم يحشدون كل مرة من الجنود ما يزيد على عشرة آلاف جندي وفرقا مؤللة لمطاردة الذين يسمونهم متمردين من الاكراد شمالي العراق , وها هم اليوم يحشدون ضد رجل عار آخر يطاردونه منذ سنوات هو عبدالله اوجلان, ويهددون سوريا بحجة إيوائه. طبعا حسب المثل السابق, وهو فيه من الحكمة ما يكفي لاعادة العقل لكل موتور, فان اصطياد عبدالله اوجلان والمتمردين الآخرين, لن يكون بالحشود والدبابات والطائرات, فنعرف ان اهداف الحملة على سوريا تفوق المعلن منها, وصحيح ان الكلب الذي يريد العض لا يبرز أسنانه, حسب مثل تركي آخر, الا ان الحذر واجب عربيا, حتى مع اشارات من هنا وهناك تطمئن بتراجع الحملة المسعورة, وتقدم الجهد الدبلوماسي, الذي نأمل فعلا ان ينجح وترضى تركيا بحل خلافاتها مع جيرانها سلميا. وبعيدا عن الحملة المسعورة وما فيها من تصعيد كلامي على اعلى المستويات وبما يخرق الاعراف الدبلوماسية ويصل الى حد الشتم, كتهديدات مسعود يلماظ الاخيرة لسوريا بقلع العين, فان الاغرب هو مطالبة تركيا للعرب بعدم الوقوف مع سوريا, وتهديدهم بالويل والثبور ان هم فعلوا ذلك, وكأن سوريا هذه ليست دولة عربية تجمعها مع العرب علاقات اللغة والدين والمصالح ومواثيق الدفاع المشترك وما الى ذلك, فنعرف ان تركيا تطلب المستحيل. غير ان العرب مع ذلك يمكنهم الوقوف ضد سوريا في حال كانت هذه مخطئة وتمارس ما يعرض أمن تركيا للخطر أو أنها تهدد بغزو جارتها, فنتذكر لهم مواقفهم مثلا ضد العراق, وهي دولة عربية بالتأكيد كما يعرف الاتراك, مرتين, مرة عند غزوها ايران ومرة اخرى عند غزوها الكويت, ذلك لان العرب يؤمنون بأنصر أخاك ظالما او مظلوما, فيما يبدو ان الاتراك المسلمين قد نسوا هذا الحديث الشريف للأسف. وما دمنا وصلنا الى كون الاتراك مسلمين, فيتناسون نصائح دينهم لهم, فالمشكلة التي تحاول تركيا تصديرها اليوم الى الخارج في شكل أزمات مفتعلة, هي في الاساس داخلية, سواء كانت مشكلة هوية وثقافة او مشكلة صراعات بين عسكر وساسة, فنجد بلدا اليوم كتركيا عليلا سياسيا وثقافيا معا, وهو ما يرجح صحة المثل التركي الآخر الذي يبدو ان الاتراك ينسونه اليوم ويقول: نصف طبيب يفقدك صحتك, نصف امام يفقدك ايمانك. وحسبنا ان تركيا تربطها بالوطن العربي, من بعد علاقات الجوار والموقع الجغرافي, علاقات اللغة والدين والثقافة والمصالح الاقتصادية, الا ان ذلك كله لم يثمر في الاتراك, حتى ونحن نلتهم كل يوم الكباب والكفتة والشاورما والشيش طاووق ونتذكر ايام الطرابيش, فنعرف من ذلك ما بيننا وبينهم من وصل, لولا انهم يتخذون منا أعداء, ومن الاعداء أصدقاء, أملا في الوصول الى الغرب, وهو أمل كاذب قطعا لبلد شرقي, فمن يوسع خطواته لن يصل الى الباب, كما يقول مثل تركي آخر. وسوف اختم اليوم بمثل تركي ايضا بالغ الدلالة, الا انني اتمنى قبل ذلك ان تنجح الجهود الدبلوماسية المصرية والايرانية الخيرة, فتعيد تركيا الى صوابها وتكف عن تهديداتها وتطاولها, خاصة ان هذا صار يطال العرب كلهم, ان لم يكن لصالح المسلمين اينما وجدوا, فلصالح الشعب التركي نفسه, من الذي يجره بعض سياسييه غربا حتى وهو يرتدي طربوشه التقليدي وشرواله الواسع, فنذكره بأن من يتردد بين مسجدين يرجع دون صلاة.