لاشك ان انتقاص تركيا لحصة سوريا من مياه نهري دجلة والفرات انما يمثل واحدة من المشكلات الأساسية التي تمخض عنها الخلاف السياسي الناشب بين البلدين , مما يهدد في حالة فشل مبادرة الوساطة التي يضطلع بها الرئيس حسني مبارك الى احتمالات المواجهة العسكرية وكوارثها البشرية والمادية والأمنية على البلدين والمنطقة برمتها! صحيح ان اتهام تركيا لسوريا بإيواء ودعم حزب العمال الكردستاني يندرج تحت قائمة الخلافات المتبادلة والمزمنة, وكذا مطلب سوريا التاريخي باستعادة لواء الاسكندرونة السليب الى الوطن الأم, لكن تظل المشكلة مياه نهر الفرات عواملها المعلنة والخفية في تأجيج الخلاف, إن لم يجنح البلدان الى الحوار والتفاهم حول قسمة عادلة, تتيح لتركيا تنفيذ مشاريع السدود وتوليد الكهرباء, والوفاء باحتياجات سوريا من مصدرها شبه الوحيد للحياة. والشاهد ان مشكلة توزيع حصص المياه بين دول منابع الأنهار ودول المرور والمصب لم تعد قاصرة فحسب على تركيا من جانب وسوريا والعراق على الجانب الآخر, ولكنها ظاهرة عامة وخطيرة تمثل قلقا شعبيا ورسميا مشروعا ومتزايدا في الوطن العربي, منذ تفكك الامبراطورية العثمانية التي كانت تهيمن على مقدرات المنطقة, ووراثة الاستعمار البريطاني والفرنسي للتركة, ومع رحيلهما تباعا إبان مرحلة التحرر الوطني اندلعت المشكلة في البداية على استحياء, وحتى تفاقمت في الآونة الأخيرة لأسباب شتى ومتباينة: - هشاشة الاتفاقيات التي تنظم عملية توزيع حصص مياه الانهار. - لأن معظم الانهار التي تغذي المنطقة العربية بالمياه تنبع من خارجها, من ثم باتت الدول العربية في موقف اذعان. - تصاعد موجات الجفاف والتصحر, اضافة لتزايد السكان, فرض البحث عن مصدر جديد للمياه عبر الانهار وليس عبر الأمطار فحسب والتوسع في مشاريع السدود وتوليد الكهرباء واستصلاح الأراضي والتنمية الزراعية. - افتقار القانون الدولي بشأن استغلال الأنهار الى آلية التنفيذ. - ومن هنا بات من المتعين على العديد من الدول العربية مواجهة الانعكاسات السلبية لظواهر احتباس دول منابع الانهار لنصيبها العادل من المياه كما هو الحال ازاء مياه الشرب في عمان التي تصلها من بحيرة طبريا اضافة الى تلوثها بالصرف الصحي ونفايات المصانع الاسرائيلية, في الوقت الذي لاتزال اسرائيل تمارس عمليات السرقة العلنية لاستحقاقات مناطق السلطة الفلسطينية ولبنان من مياه الأنهار التي تنبع من الاراضي المحتلة وكذا السرقة الخفية عبر السحب من مخزون المياه الجوفية دون رادع من القوة أو القانون أو الاتفاقيات المعقودة بهذا الشأن في اطار السلام! ومما لاشك فيه ان مشكلة توزيع حصص مياه النيل أصبحت قضية الساعة في مصر, وكل ساعة أمس واليوم وغدا وذلك أن مصر حسب مقولة (هيرودت) المؤرخ الاغريقي القديم (هبة النيل) وبدون النيل مصدر مصر المائي الوحيد, فلا حياة لها ولا نماء وإنما مجرد صحراء جرداء! وإذا كانت الرقعة الزراعية في مصر لا تتجاوز 7,3 ملايين فدان, لاتكاد تكفي احتياجات اكثر من 60 مليون نسمة من مياه الشرب وانتاج الغذاء, بينما يتم سد الفجوة الغذائية عبر الاستيراد من الخارج, من هنا تبدو الأهمية الاستراتيجية القصوى في انجاز مشاريع الري واستصلاح وزارعة الاراضي الصحراوية, فكان مشروع السد العالي في الستينات واخيرا مشروع توشكى في التسعينات وغيرهما من المشاريع المعتمدة حتى سنة 2007. وتبدو الصعوبات التي تعترض انجاز تلك الاهداف الحياتية الحيوية, ليس فقط على صعيد زيادة موارد مصر من مياه النيل, وانما المستجد الخطير, على صعيد منازعتها حول حصتها المقررة والمنتظمة منذ سنوات بعيدة, عبر العرف التاريخي الذي يجمع دول حوض النيل, والذي ظل سائدا ابان عهود الاستعمار الأوروبي للقارة الافريقية واحكام القانون الدولي بينما الاتفاقية الوحيدة التي وقعتها مصر بهذا الخصوص كانت مع السودان عام 1959 توطئة لتنفيذ مشرع السد العالي. وكان رئيس حكومة أثيوبيا ميليس زيناوي قد صرح في ابريل الماضي لصحيفة عربية تصدر في لندن عن شروع بلاده في تنفيذ سلسلة من مشاريع السدود على مجرى الانهار الصغيرة المغذية للنيل, وبعدها شنت الصحافة الاثيوبية ولا تزال حملة منظمة ضد مصر والسودان بدعوى أن حصصهما من مياه النيل غير قانونية وغير ملزمة لأثيوبيا! وتكمن الخطورة في تصريحات زيناوي لكونها جاءت في أعقاب اجتماعات وزراء الموارد المائية لدول حوض النيل العشر في تنزانيا خلال شهر مارس الماضي, وناشدوا فيها رؤساء تلك الدول عقد قمة في العام المقبل لدفع استراتيجية وآلية للتعاون بشأن تنمية موارد مياه النيل وتثبيت سقف لحصص كل دولة, وهكذا لم تمض سوى أسابيع حتى تكشفت حقيقة النوايا الأثيوبية المضادة لإعلان تنزانيا ووضع تصريحات رئيس حكومتها موضع التنفيذ, عبرخطة طموحة لتطوير مشاريع الري على نهر عطبرة والنيل الأزرق بتكلفة مبدئية تقدر بنحو عشرة ملايين (بر اثيوبي) لأعمال المسح وتحليل المعلومات, توطئة لاقامة مجتمعات سكانية وزراعية ضخمة خلال الثلاثين عاما المقبلة, بداية بـ (بارد) وهذا النهر الاثيوبي الثالث على مساحة 65 ألفا و77 كيلو مترا مربعا بتكلفة 136,5 مليون بر, بما يعني زيادة حصة اثيوبيا الحالية التي تقدر بنسبة 85% من مياه النيل, حيث يبلغ تدفق مياه الانهار الأثيوبية الثلاث في نهر النيل نحو 53 مليار متر مكعب للنيل الأزرق, و10,4 مليارات متر مكعب ونهر عطبره و13,4 مليارات متر مكعب لنهر بارو. فإذا وضعنا في الحسبان ان 14 نهرا دوليا تنبع من أثيوبيا يبلغ حجم مواردها المائية 101,5 مليار متر مكعب, تتجه منها الى السودان ومصر 78,5 مليار متر مكعب, إذن لأدركنا ان الكم الهائل الذي تستحوذ عليه اثيوبيا يفوق أو يفيض عن احتياجاتها الحقيقية من مياه النيل, وان الامر لايعدو افتئات اثيوبيا على نصيب السودان ومصر وتعطيل مشاريعهما التنموية الآنية ومصالحهما الاستراتيجية على المدى البعيد لأسباب سياسية بحتة! والمشكلة لم تعد قاصرة على مشاريع النيل الأزرق الذي تصب الانهار الأثيوبية الثلاث في مجراه, فهناك مشاريع مائية عديدة تقيمها اوغندا وتنزانيا وكينيا على مجرى النيل الابيض, وان كان وزير الاشغال والموارد المائية الدكتور محمود أبو زيد قد طمأن النواب في مجلس الشعب المصري مؤخرا على انها لن تؤثر بالسلب على حصة مصر من مياه النيل, خاصة وان معظمها يستهدف توليد الكهرباء, بينما السؤال الأولى بالتحقق من اجابته حول امكانية الزام هذه الدول بسقف محدد لهذه المشروعات لا يتعارض في المستقبل مع الوفاء بحصة السودان ومصر من مياه النيل كونه جماع النيلين الأٌزرق والأبيض. وبينما يرى البعض من المراقبين ان اسرائيل تسعى حثيثا الى توثيق علاقاتها بأثيوبيا ودول البحيرات العظمى لمحاصرة السودان ومصر من منابع النيل, على أمل أن تسفر محصلة ضغوطها في المستقبل عن حصولها على حصة من نصيب مصر من المياه عبر ترعة أو نفق يمتد من تحت قناة السويس الى صحراء النقب, إذا بأصوات تنطلق من أثيوبيا تدعى أن ثمة اتفاقاً جرى بهذا الشأن بين مصر واسرائيل, لكن الدكتور اسامة الباز مستشار الرئيس مبارك للشؤون السياسية قطع الشك بالقين, ونفى نفيا باتا بان تكون هناك ثمة اتفاقات أو مشروعات تمنح اسرائيل أدنى حقوق في مياه النيل! في كل الاحوال تلوح في الأفق نذر الخطر, ومن الخطأ الفادح ان نضع الرؤوس في الرمال, وعلى مصر والسودان تنحية خلافاتهما السياسية جانبا, والتحشد معا للمواجهة, لا نقول أخذ أهبة الاستعداد لحرب المياه بالوسائل العسكرية, فالذي يجمع بين شعبي وادي النيل وشعوب حوض النيل وشائج اجتماعية وروابط سياسية وعلاقات ألية وتاريخ وكفاح ومصير مشترك, وهي عوامل ايجابية تستحق الحرص على ديمومتها والاهتمام بتنميتها سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي وفي مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والأمنية, وعلينا الأخذ في الاعتبار كيف نجحت اسرائيل في استثمار المتناقضات التاريخية بين تركيا والعرب, حيث لايزال الاتراك يتهمون العرب بمسؤوليتهم عن انهيار وتفكك امبراطورية الخلافة العثمانية, وها نحن نواجه اول تحديات التحالف التركي الاسرائيلي عبر محاولة حصار سوريا وتهديدها بالحرب حتى تذعن لمطالب تركيا واطماع اسرائيل, ولعلها نفس المتناقضات التاريخية بين اثيوبيا وكل من السودان ومصر بشكل أو بآخر, ومستجداتها الراهنة عبر تجميد أديس أبابا علاقتها مع السودان وسعيها لاجهاض اتفاق القاهرة للمصالحة بين الفرقاء الصوماليين! من حق اثيوبيا زيادة حصتها من مياه النيل التي تبلغ 55,5 مليار متر مكعب ومن حق السودان ومصر المطالبة بالزيادة, وهي مطالب مشروعة وممكنة, فيما لو صدق العزم وبدأ العمل على انجاز مشروعات الري الاستراتيجية الكبرى على انهار النيل, والتي سبق دراستها فنيا والتأكد من جدواها الاقتصادية ازاء مضاعفة موارده المائية, ومطلوب كذلك تضامنا عربيا افريقيا لاحلال السلام في جنوب السودان ايذانا باستئناف العمل في مشروع جونجلي الذي يوفر في حالة اكتمال مراحله نحو 13 مليار متر مكعب من فاقد الأمطار التي تتبخر في الأحراش, ومطلوب أخيرا تفعيل صيغة منظومة (الأندوجو) التي تبنتها الدبلوماسية المصرية في عهد وزير الدولة الأسبق للشؤون الخارجية الدكتور بطرس غالي للتنسيق والتكامل في شتى المجالات بين دول حوض النيل العشرة ولا خيار آخر سوى التيه والإذعان أو الحرب لاقدر الله!