وسط احتفالات مصر باليوبيل الفضي لانتصار أكتوبر العظيم, وجد الرئيس حسني مبارك نفسه مضطرا لترك القاهرة في رحلة عمل تستهدف ابتعاد شبح الحرب بين تركيا وسوريا, أو ان شئنا الدقة شبح عدوان على سوريا تجد تركيا ان الظروف مهيأة له وتختلق له الاسباب وتمهد له الطريق . والتحرك المفاجىء للرئيس المصري يعكس أمرين اساسيين: أولهما إحساس عميق بخطورة ما يدور في المنطقة وما يدبر لسوريا وبالتالي لمصر والعرب, وثانيهما ان مصر بعد ربع قرن على حرب اكتوبر, وبعدما مرت به العلاقات العربية من مآس ومحن, وبعد محاولات مستميتة لعزلها وحصارها... بعد ذلك كله تستعيد دورها العربي كاملا... بكل ما يحمله ذلك من مسؤولية وما يرتبه من التزامات وما يفرضه من مهام في الدفاع عن الامن القومي بعد ان أثبتت الاحداث للمرة المليون ان أمن مصر لا يمكن ان ينفصل عن الامن العربي, وان أمن الامة العربية لا يمكن ان يتحقق دون مصر القوية المستقرة. وهو امر يعرفه ــ للاسف الشديد ــ اعداؤنا ويعملون في اطاره ويتحركون لتحقيقه, ويجدون أحيانا بيننا من يساعدهم على ذلك, ولكن في النهاية لا يصح الا الصحيح, ولا يبقى الا الادراك العميق باستحالة عزل مصر عن امتها, وباستحالة ان تستغني الامة عن دور مصر المركزي الذي يستحيل ان يعتدل الميزان دونه. التحرك المصري يأتي من احساس عميق بخطورة ما يدبر لسوريا. فلم يكن هناك في الفترة الاخيرة اي جديد يستدعي التصعيد الدرامي للتهديدات التركية. فحركة الاكراد التي تتهم سوريا الآن بدعمها... تحمل السلاح منذ ما يقرب من عشرين عاما, وهي تقوم لأسباب داخلية وبعد اضطهاد طويل لأكراد تركيا الذين يبلغ تعدادهم 18 مليون نسمة. والدعم الحقيقي للحركة يأتي من أوروبا حيث يقيم ملايين الاكراد الاتراك للعمل, وحيث تستقطب الحركة الدعم السياسي والمالي لقطاعات واسعة من الرأي العام والحكومات... وهو الامر الذي كان وراء رفض انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي بسبب اضطهاد الاكراد وحرمانهم من ابسط حقوق الانسان وتعريضهم للمذابح على يد الجيش التركي الذي يتولى المسؤوليات الحقيقية للحكم ويرفض التعامل بحكمة مع هذه المشكلة, ويرفض مجرد البحث في اعطائهم نوعا من الحكم الذاتي داخل الدولة التركية. لم يحدث جديد في هذا الشأن بين سوريا وتركيا, ولم يحدث جديد ايضا في مشكلة المياه, حيث تم الاتفاق على حصة معينة لسوريا, مازالت تركيا تلتزم بها حتى الآن. والجديد الوحيد هو ذلك التحالف العسكري والسياسي الذي تم بين تركيا وإسرائيل. والذي ظلت تركيا تقلل من شأنه, بينما تؤكد اسرائيل ويؤكد الواقع انه تحالف استراتيجي لم يقم لوجه الله ولا لدعم الاستقرار في المنطقة, وإنما قام ليكون حجر الزاوية في رؤية عسكرية وسياسية تدعمها أمريكا, وتضع مقادير المنطقة بين قوتين عسكريتين قويتين لمحاصرة العرب ووضع سوريا بين فكي الكماشة, وترتيب الاوضاع في المنطقة لمصلحة اسرائيل وتركيا وعلى حساب العرب. وفي هذا الصدد برزت سيناريوهات عديدة يشير بعضها الى تقسيم العراق, ولا يستبعد بعضها تقسيم سوريا ايضا وشرذمة لبنان. والتحالف الاسرائيلي التركي يرى ان الفرصة مواتية لضرب سوريا وتحقيق مصلحة الدولتين المتحالفتين التي تلتقي في هذه المرحلة حول الخلاص من سوريا كقوة أساسية في المنطقة. وفي هذا الاطار يجيء التصعيد التركي والمطالب الاستفزازية التي تقدمت بها الحكومة التركية لسوريا بدءاً من تسليم زعيم الاكراد عبدالله أوجلان الذي تنكر سوريا وجوده على أرضها, وحتى تعديل الخرائط السورية لاسقاط لواء الاسكندرونة السليب الذي اقتطعته فرنسا من سوريا (وتنازلت) عنه لتركيا قبل استقلال سوريا.. ومع المطالب الاستفزازية كانت طبول الحرب تدق في أنقرة التي يتصور عسكرها انهم في لحظة مناسبة للعدوان على سوريا استغلالا لضعف الموقف العربي والخلل في توازن القوى الدولي وضمان التأييد اليهودي والسكوت الأمريكي. وقبل أربعين عاما تكرر نفس الموقف ــ في ظروف مختلفة ــ وحشدت تركيا حشودها العسكرية وهددت بضرب سوريا ولم يكن هناك أوجلان في ذلك الوقت, ولكن كان هناك العداء للعرب, ورفض أي تقارب بين مصر وسوريا, والمخططات الأمريكية والأحلاف المشبوهة للسيطرة على العرب.. ويومها تحركت مصر وكان إعلان الوحدة بين مصر وسوريا هو الرد. الآن تتكرر القصة, وتدرك مصر حجم الأخطار, وتتحرك في مواجهة المؤامرة, ويذهب الرئيس مبارك الى أنقرة برسالة سلام واضحة نرجو ان يقرأها الجميع بدقة, وان يقرأوها في ضوء ظروف عديدة واكبتها, وعوامل جديدة تجعل من التحرك المصري علامة على مرحلة جديدة لابد ان توضع كل ملامحها في الحسبان. - إن هذا التحرك يأتي مع احتفالات اكتوبر, وفي ظل رسالة واضحة حرصت مصر على ان تصل للجميع, ومؤداها انها حريصة على السلام وعلى التنمية ولذلك فلابد لها ان تمتلك القوة الكافية لحماية السلام من اعدائه لتوفير الاستقرار اللازم للتنمية, وان انتماءها العربي ليس مجال مناورة وانما هو قضية حياة ووجود, وانها ترفض هيمنة الاخرين على شؤون المنطقة وترفض الاحلاف المشبوهة وترفض انفراد العدو بالسلاح النووي وغيره من الاسلحة التقليدية وانها ــ عند الضرورة ــ لن تتأخر عن امتلاك هذا السلاح. - إن الرئيس مبارك حرص قبل السفر لأنقرة على الذهاب إلى الرياض ودمشق, ليكون واضحا انه يذهب إلى تركيا ممثلا للجانب العربي, وليتمكن من استخدام كل اوراق الضغط التي يملكها العرب لايقاف العدوان على سوريا. ولعله ــ بقصد أو بدون قصد ــ قد ذكر الجميع بحلف اكتوبر بين السلاح والبترول, والذي تمكن من فرض ارادته قبل ربع قرن, ولعلنا ــ نحن العرب ــ قبل غيرنا ندرك حقيقة ما نملك من امكانيات وضرورة التعاون في وضعها في خدمة الامة في كافة معاركها .. من التحرير إلى البناء, ومن رد العدوان إلى التنمية الشاملة. - ان التحرك المصري ليس تحركا منفردا, وانما يأتي ضمن رؤية متكاملة استعادت فيها مصر دورها القومي بكل مسؤولياته, بعد أن فشلت كل المحاولات لعزلها, وبعد ان فشلت كل المحاولات لترويج ان العروبة وهم كبير, وان افكارا اخرى اولى بالاهتمام, مثل الشرق اوسطية التي ماتت قبل ان تولد. مصر تتحرك الان وهي تستعيد نفسها كما لم يحدث منذ حرب اكتوبر, ترفض ترك الفلسطينيين تحت رحمة نتانياهو وتواجه الصعوبات من امريكا وغير امريكا بسبب هذا الموقف, ولكنها لا تتراجع لانه يمس قدس الاقداس, أمن مصر وأمن الامة العربية. ومصر تتحرك وهي تعلن بكل وضوح انها ضد الاحلاف المشبوهة في المنطقة, وتقاوم بلا هوادة محاولات اختراق الامن العربي بضم اطراف عربية إلى هذه التحالفات المشبوهة. ومصر تتحرك وهي تبذل الجهد لتحقيق المصالحة العربية وانهاء الحصار على شعبنا العربي في العراق وليبيا, وانهاء الآثار المدمرة لحرب الخليج بكل تداعياتها المأساوية. ومصر تتحرك وهي تدرك الظروف الصعبة التي تمر بها, والحرب المستمرة التي يخوضها البعض ضدها, بدعم قوى الارهاب واستخدامها لهز الاستقرار والاضرار بالاقتصاد وضرب السياحة, أو باثارة المتاعب في حوض النيل, أو بمحاولة شق الصف الوطني واثارة المزاعم حول اضطهاد الاقباط. ويبقى السؤال: وماذا بعد؟! قد ينجح التحرك المصري في منع العدوان التركي وقد لا ينجح, ولكن دلالاته لا ينبغي ان تختفي, ولكي ينجح لابد ان يدرك عسكر الاتراك ان هذا التحرك يتمتع بكل الدعم العربي الواجب, واذا كان عسكر الاتراك يبررون تحركهم بضغط الرأي العام عندهم, فإن هناك رأيا عاما عربيا ايضا يقف بكل حزم ضد الاعتداء على سوريا. ولابد ان يفهم الاتراك جيدا اي خسارة سوف يتكبدونها اذا بادروا بالعدوان على سوريا, واي خسارة سوف تتحملها تركيا اذا أصرت على تحالفها الاشتراكي مع اسرائيل وضد العرب, ان هناك اوراقا عربية كثيرة يمكن استخدامها ولعل اولها المقاطعة التجارية والاقتصادية التي يمكن ان تكبد اقتصاد تركيا المتعب المزيد من الاعباء. ايضا فان التحرك المصري ينبغي ان يكون اشارة للعرب جميعا وقبل غيرهم على خطورة الاوضاع التي تمر بها المنطقة من ناحية, وعلى ان هناك خيارا استراتيجيا مصريا يأخذ طريقه للتطبيق, وهو بكل تأكيد لابد ان ينال الدعم العربي رسميا وشعبيا, وتكفي الخسارة التي تحملناها جميعا في غيبة مصر ودورها القومي والتي مازال العرب جميعا ــ بمن فيهم مصر ــ يدفعون فواتيرها. تبقى نقطة تتعلق بالداخل في مصر, حيث عروبة مصر فوق كل خلاف, ودورها القومي محل اتفاق بين كل الفرقاء, وحيث فشلت كل محاولات التطبيع مع العدو الاسرائيلي, وتراجعت كل دعاوى العزلة, واحس الجميع بخطورة ما يدبر لمصر وللعرب. فهل تكون هذه فرصة جديدة لبناء الجبهة الوطنية الموحدة التي تلتف حول الهدف الكبير, التصدي للمؤامرة على مستقبل مصر والعرب, واستعادة روح اكتوبر لبناء مجتمع اكثر تقدما, واكثر ديمقراطية, واشد قدرة على بناء التنمية المستقلة واشاعة العدل وانصاف الذين تحملوا العبء قبل اكتوبر وبعده, إن ذلك يستلزم اصلاح سياسات ومراجعة برامج, ويحتاج قبل ذلك إلى حوار يشارك فيه الجميع, اظن ان ذلك هو وقته, ولن يتسامح التاريخ مع من يتسبب في تعطيله.