يبدو ان المرحلة القريبة القادمة ستشهد حلا للازمة القائمة حول اعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية. التسوية الجديدة قد تكون مدخلا ايضا للتفاوض علي المرحلة النهائية الخاصة بالسيادة واللاجئين والمستوطنات والقدس. في الجزء الاخير من هذا الشهر سوف يقوم الرئيس كلينتون بالاجتماع بكل من نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية وباسلوب لا يختلف عن ذلك المعمول به في كامب ديفيد, اي باسلوب الخلوة التي تستمر من 3 الي 5 ايام وهذا يعتبر تطورا هاما في السعي الامريكي لايجاد حل طال انتظاره, وستكون هذه اول خلوة رئاسية من نوعها منذ عشرين عاماً. وبينما لايشكل ولن يشكل الاتفاق الجديد ضمانا بعدم تجدد الخلافات, واحيانا الاشتباكات بين الفلسطينيين والإسرائيليين, الا ان الاتفاق سيخفف من حالة الاحتقان الراهنة وسيساهم بخلق اجواء ايجابية. فسيكون بوسع الفلسطينيين بعد تنفيذ الاتفاق التحرك في مناطق واسعة في الضفة الغربية دون المرور علي حواجز إسرائيلية, وسيكون حينئذ بحوزة السلطة الفلسطينية ما يقارب 40% من اراضي الضفة الغربية, وذلك قبل ان تبدأ مفاوضات المرحلة النهائية. ولكن هناك مخاوف من ان يكون الاتفاق الجديد فرصة للجانب الإسرائيلي لتحقيق مكاسب ثم التنصل بالانسحاب تحت غطاء وقوع عملية ضد مدنيين او (ارهاب) لهذا سيشكل الاتفاق الذي قد يعقد مع نهاية هذا الشهر مجازفة فلسطينية وهو لا يخلو من المخاطر, خاصة ان جدول الانسحاب الإسرائيلي بعد الاتفاق سيأخذ ما يقارب 3 الي 4 أشهر, وقد تحدث ابانه الكثير من المفاجآت. ولكن ومن وجهة اخري قد يكون الاتفاق بداية العودة للتفاوض حول المرحلة الاخيرة, وبداية للتفاوض حول كل ما يرتبط بالميناء في غزة والممر الآمن بين غزة والضفة والمطار الفلسطيني ومظاهر اخري من مظاهر الضرورة الاقتصادية او السيادة. ولقد اكد مارتن انديك مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادني في محاضرة له القاها في 2/10/98 في العاصمة الامريكية ان الفرصة قائمة لتحريك المسار السوري اللبناني بعد ذلك. ان الادارة الامريكية تعي جيدا الآن الحاجة لاستعادة العملية السلمية بكل ابعادها, وهي تري ان الجمود يخلق مخاطر كبري في المنطقة وفي قضايا الارهاب, بل هناك اليوم مدرسة امريكية لها الكثير من الانصار تري ان موقف الولايات المتحدة في اية مواجهة قادمة مع العراق سيكون اكثر قوة واقل عزلة في حالة نجاحها بتحقيق تقدم جوهري واشاعة اجواء تفاؤل في السلام العربي الإسرائيلي. ولكن ما هو السبب الذي يدفع نتانياهو هو الآخر للمغامرة في قضية الانسحاب خاصة مع احتمال تعرض حكومته لازمة حول الامر, اضافة الي انه سيواجه مقاومة وتحريضا من المستوطنين, فهناك ما يقارب من العشر مستوطنات ستقع في مناطق فلسطينية في الاتفاق الجديد. هذا الوضع سوف يخلق مقاومة بين المستوطنين وهذا بالطبع سيفرض علي نتانياهو مصاعب في التعامل مع هذه الفئات. لا يخفي اليوم علي احد ان واحدة من اسوأ المراحل في عهد الرئيس كلينتون في العلاقة الامريكية ــ الإسرائيلية هي التي برزت بعد توقف المحادثات في لندن في الصيف الماضي. ان الولايات المتحدة ضغطت علي اسرائيل بشكل غير مباشر خاصة من خلال رفض اولبرايت العودة لسياسة المكوك بين العواصم. هذا ترك اسرائيل بلا حل مع الفلسطينيين وبلا ضمانات حول انفجار الوضع في المناطق الفلسطينية واللبنانية وسط غموض وسلبية الموقف الامريكي مع اسرائيل. ولكن نتانياهو تنبه مؤخرا لامر آخر, فهو يسعي لاعادة انتخابه عام 2000 لمدة ست سنوات, واعادة الانتخاب مرتبط بارضاء تيار السلام الإسرائيلي. هذا الوسط الإسرائيلي الكبير يريد من نتانياهو توسيع السلام وتحقيق حلول حقيقية. لقد انتخب نتانياهو علي ارضية الامن والسلام, ولهذا فإن جاءت انتخابات عام 2000 دون تحقيق هذه الاهداف فسوف يخسر نتانياهو الانتخابات. ولكن الوضع الفلسطيني يواجه المخاطر التالية, اذ قد يلجأ نتانياهو الي (شارون اليميني ويعينه وزيرا للخارجية وذلك لارضاء اليميني (وهذا ما حدث فعلا) وقد يسعي نتانياهو لتوسيع الاستيطان في القدس وهذا قد يضع الإسرائيليين والفلسطينيين بمواجهة جديدة بعد اسابيع أشهر من الاتفاق. ان السلام كاطار وتوجه قد قطع شوطا, وهو في طريقه لقطع شوط آخر, ولكن المشكلة امام الإسرائيليين وكل الاطراف المعنية, كم من العنف والتأجيل والمعاناة سيكون مطلوبا قبل ان تصل اسرائيل الي حقيقة الاعتراف بحقوق الفلسطينيين, اي كم ستأخذ اسرائيل والعرب للوصول الي مرحلة صنع اتفاق سلام شبيه بما حقق في ايرلندا المقسمة.