خصصت في الفترة الاخيرة جهود كبيرة لمناقشة ما آلت اليه مبادرة ودعوة بسط سيادة دولة فلسطين فوق الاراضي المحتلة عام 1967 وكيف يتم نقلها من مواقع دعاوية واعلامية والنقاش مع النخبة والفعاليات السياسية والاجتماعية الى مواقع العمل والتعاطي حتى تدب على الارض وتتحول الى عملية مرئية ملموسة تدفع بالاتجاه الذي حددته الى التحقيق الفعلي, اتجاه ترجمة اعلان سيادة دولة فلسطين على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967, أي القدس العربية وبقية الضفة وقطاع غزة, فور حلول استحقاق 4/5/1999 وانتهاء الفترة الانتقالية المحكومة باتفاقي اوسلو (1993) والقاهرة (4/5/1994). لقد سجلت معظم الاوساط الفلسطينية في فلسطين ايجابا سلسلة الفعاليات التي جرت لشرح ابعاد الدعوة ومناقشتها بمشاركة ممثلين عن القوى السياسية الفلسطينية المختلفة والفعاليات الوطنية والاجتماعية عامة. اكدت نقاشات الجميع داخل فلسطين ان لا بديل عن اعلان سيادة دولة فلسطين على كافة اراضي الضفة (بما فيها القدس العربية) وقطاع غزة المحتلة عام 1967 بعد انتهاء المهلة المحددة في اتفاقي اوسلو والقاهرة, اي في 4/5/1999. حيث ان اي تقاعس او تأخر في اعلان السيادة سيترك فراغا سياديا وسياسيا يمكن ان يستفيد منه الاحتلال للتعاطي مع الوضع القائم, اي وضع الحكم الذاتي على جزء محدود من اراضي الضفة والقطاع, كوضع دائم وكسقف لا مجال لتجاوزه ولا مرجعية للتفاوض بشأن تغييره أو تطويره. واذا كان من المتوقع ان تمارس ضغوط اسرائىلية وامريكية هائلة على السلطة الفلسطينية لردعها ومنعها من الانخراط في عملية اعلان السيادة (المفترض ان تقوم بها منظمة التحرير وهيئتها التشريعية, المجلس الوطني أو المجلس المركزي, باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات) او لتحجيم هذه الخطوة وتفريغها من مضمونها, فإن اوسع تعبئة شعبية في الشارع الفلسطيني للالتفاف حول الاهداف التي حددتها الدعوة لبسط سيادة دولة فلسطين كفيلة بتحقيق ضغط معاكس على السلطة ومركز القرار فيها (وفي هياكل منظمة التحرير التي صادرها هذا المركز وهمشها) لمنع انجراف السلطة وراء هذه الضغوط والقبول اما بتمديد المرحلة الانتقالية او بصيغة اعلان جديد عام للمبادىء أو باتفاق جزئي محدود يغطي في مدى تطبيقه الزمني فترة انتهاء المرحلة الانتقالية ويتجاوزها, او حتى القبول بالانتظار في حال اقدام الحكومة الاسرائىلية الحالية على مناورة اجراء انتخابات نيابية مبكرة في فترة انتهاء المرحلة الانتقالية لاغراق هذا الاستحقاق ولفت الانظار عنه. ان اهمية المبادرة والدعوة التي تقدمت بها الجبهة الديمقراطية تكمن في ضرورة نقلها الى الشارع لتصبح قوة استنهاضية هائلة لمواجهة كل الاحتمالات التي ستنجم عن اعلان السيادة, سواء من خلال الاجراءات الانتقامية الاسرائيلية المتوقعة أو من خلال احتمالات التراجع والتنازل من قبل السلطة الفلسطينية تحت التهديد والضغوط, سواء اكان ذلك قبل اعلان السيادة أو بعده. فمن الواضح ان قرار اعلان السيادة سيستنفر جملة من ردود الفعل الاسرائىلية الانتقامية التي يمكن ان تصل الى بعيد. بدءا باغلاق المعابر الخارجية والفصل بين الضفة والقطاع ومرورا بمحاصرة القطاع حصارا محكما وتقطيع اوصال الضفة الفلسطينية ومحاصرة مدنها وقطعها عن بعضها البعض, ومنع عشرات الآلاف من العمال من ممارسة عملهم, وبالتالي مضاعفة نسبة البطالة, وضرب الحركة الاقتصادية ككل في الضفة والقطاع,وصولا الى وقف تحويل الاموال المستحقة ومنع دخول وخروج البضائع واستخدام السيطرة الاسرائىلية شبه الكاملة على مصادر الماء والكهرباء كأداة ضغط اضافية, هذا علاوة على عمليات تخريب واغتيال داخل مناطق السيطرة الفلسطينية واتخاذ خطوات احادية الجانب, ناهيك عن الاستفزازات المحتملة للمستوطنين, خاصة في المناطق (ب) حيث القرى والبلدات التي تبقى السيطرة الفلسطينية عليها عملية صعبة في ظل ميزان القوى العسكري والامني المختل لصالح اسرائىل, كما كرسه وابقاه اتفاق اوسلو والاتفاقات اللاحقة. المبادرة تستهدف كسر الاطواق التي فرضتها اتفاقيات اوسلو وتوابعها على الحقوق الفلسطينية والدخول في مواجهة ارادات مع الاحتلال لتغيير هذه المرجعية البائسة واعادة وضع كل العملية على قاعدة جديدة هي قرارات الشرعية الدولية, وخاصة 242 و338 و194 وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والسيطرة على اراضيه المحتلة التي اعترفت بكونها (محتلة) و(فلسطينية) سلسلة من قرارات مجلس الامن اثر اندلاع الانتفاضة الكبرى> وخاصة القرارات رقم 605 و607 و608 و639 و641 الصادرة بين نهاية العام 1987 والعام 1989. وتحقيق مثل هذا الهدف يتطلب, بالضرورة, كسر ارادة الاحتلال والتوسع الاستيطاني الاستعماري الاسرائىلي, وذلك لن يتحقق الا من خلال استجماع عناصر القوة الذاتية الفلسطينية عبر استعادة الوحدة الوطنية والاجماع الوطني حول برنامج واهداف المواجهة وتحمل اعباء الصمود لفترة من الزمن يتم خلالها استنهاض اوسع دعم شعبي ورسمي عربي ودولي واوسع اعتراف ممكن بدولة فلسطين على ارض فلسطين, بما يشكل عوامل ضغط جديدة على الاحتلال الاسرائىلي يدفعه الى التراجع وفي النهاية الى القبول بعملية تفاوضية جديدة على ارضية قرارات الشرعية الدولية التي تضمن انسحاب اسرائىل الكامل من الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 كما تضمن حق اللاجئين في العودة وفقا للقرار رقم 194 للعام 1984 والقرارات العديدة اللاحقة التي اكدت على مضمونه. ان نزعة البعض في منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي للمساومة المبكرة والقبول بحلول اقل من الحد الادنى المتفق عليها وطنيا لم تعد امرا مجهولا, ومن هنا اهمية التعبئة وتنظيم عملية الصمود الطويل في لجان لتشمل كافة المناطق والاحياء وتكون في قلب عملية الدفاع عن الدولة ذات السيادة الوليدة وحقها في بسط سيادتها على عموم الارض الفلسطينية المحتلة في العام 1967. ففي صراع الارادات, الذي قد يتخذ اشكالا عنيفة, ينبغي ان يكون الجانب الفلسطيني محصنا ومصمما على تحقيق اهدافه, اي فرض وجود الدولة الفلسطينية, وتأمين اوسع اعتراف عربي ودولي بها ودخولها كدولة ذات سيادة الى الامم المتحدة, وصولا الى ارغام المحتلين على الاقرار بوجود الدولة والتفاوض معها على ترتيب عملية الانسحاب من اراضيها المحتلة وضمان سائر حقوق شعبنا الفلسطيني, بما في ذلك حق اللاجئين في العودة الى وطنهم وديارهم. وغياب اي تحضير جدي على الارض لهذا الصمود المطلوب ولهذه التعبئة الضرورية وعدم استجابة الطرف الفلسطيني المسيطر على القرار في السلطة وفي هياكل منظمة التحرير لدعوات الحوار الوطني الجاد لا يؤشران الى جدية من جانب هذه السلطة في تطبيق ما تصرح به من اعلان للسيادة (أو إعلان للدولة, كما تسميه, علما بان اعلان الدولة تم في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في العام 1988). كما ان قبول هذا الطرف بالافكار (المبادرة) الامريكية التي طرحت في مطلع هذا العام, والمنبثقة أصلا من الافكار الاسرائيلية, وبسلسلة التغييرات التي طرأت عليها لصالح مزيد من الاقتراب من الموقف الاسرائيلي, تحت حجة احراج اسرائيل ونقل الضغط الامريكي اليها, ثم الاستجابة للدعوة الامريكية للعودة الى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل بعد فشل الرهان على ضغط أمريكي عليها, والتوصل الى صيغة اتفاق بين احمد قريع (ابوعلاء) واسحاق مولخو, مستشار نتانياهو, تم التراجع عنها لاحقا, كل ذلك يؤشر الى استمرار وجود مخاطر جدية لانزلاق السلطة الفلسطينية في صفقة اتفاق جزئي جديدة لا تبتعد كثيرا عن المواقف الاسرائيلية وتفرض سلسلة من القيود على الجانب الفلسطيني وتشدد من دوره القمعي الداخلي وتتضمن فيما تتضمن قيودا على مسألة (اعلان الدولة) التي تعارضها اسرائيل بقوة, مما يستوجب مضاعفة الضغط الشعبي لتدارك هذا الانزلاق ومنع الوقوع في هذا الفخ الامريكي ــ الاسرائيلي. واتجاهات العمل تفرضها ضرورة ترجمة دعوة بسط سيادة دولة فلسطين الى واقع فعلي يدب على الارض يمكن ان تتلخص بالعناوين التالية: 1ــ المستوى الأول: ضرورة تحويل الدعوة الى محور للحوار الدائر حول المخارج الممكنة للانقاذ الوطني, بحيث ينتقل الحوار انطلاقا من ذلك الى مضمون عناصر الدعوة. 2ــ المستوى الثاني: هو العمل على تحويل هذا العمل الدعاوي الى حركة من الجميع (قوى وتيارات وفعاليات) ضاغطة على السلطة ليس فقط لتحويل الكلام الى فعل, وإنما في الأساس لتوفير مقومات نجاح خطوة اعلان السيادة, على هذا الصعيد, الاستفادة من مناسبة الذكرى العاشرة لصدور اعلان الاستقلال (15/11) لضمان تنظيم تحرك واسع, ويمكن ايضا العمل على اعداد مذكرة شخصيات وقوى يجرى العمل على حشد التأييد لها خلال الأسابيع المقبلة, بحيث تنجز قبل (15/11), ومن ثم الانتقال الى مذكرة جماهيرية يتم العمل على تأمين أوسع عدد من التواقيع عليها, ويمكن العمل عليها بالتوازي مع مذكرة الشخصيات. 3ــ المستوى الثالث: يتعلق بالعمل المتوازي لايجاد اطار أو أطر تحالفية يمكن ان تحمي الدعوة. والعملية لن تكون سهلة نظرا للوضع المرتبك للعديد من قوى المعارضة, التي يقف البعض منها موقفا سلبيا من اعلان السيادة لاعتبارات ليست موضوعية لدى بعضها. 4ــ المستوى الرابع: اعتبار الدعوة والمبادرة عمليا صياغة جيدة لبرنامج ائتلافي مشترك في أحد عناصره الرئيسية, بحيث تتم استعادة حيوية الوحدة البرنامجية الوطنية المشتركة في المنعطفات الكبيرة وشق طريق البرامج الوطنية. صحيح انه يوم 4/5/1999 سيكون محطة مفصلية, لكنها ليست المحطة الأخيرة, وأما الشعب الفلسطيني مهمات ومحطات كبرى لاحقة