إذا حضر الماء بطل التيمم ينطبق هذه الأيام على المرشح للرئاسة في لبنان العماد إميل لحود, فهذا منذ تسميته مرشحا في قمة دمشق بين الرئيسين حافظ الأسد وإلياس الهراوي, لم يعد أحد يتحدث من قريب أو بعيد , علنا أو همسا, عن غيره من المرشحين السابقين, فيما الحديث عن لحود رئيسا مقبلا للبنان يتأكد بسرعة البرق. وعلى الرغم من بعض المعارضة لترشيحه, كمعارضة وليد جنبلاط وحزبه الاشتراكي الذي يرفض مبدأ تولي قائد الجيش الرئاسة في لبنان, فإن التأييد لترشيح لحود يبدو ساحقا, سواء من القوى السياسية والهيئات, أو من فئات الشعب اللبناني, التي تجد فيه صفات الحزم والحسم والنظافة والنزاهة والاتزان, ما تجعله عندها الرئيس المناسب للمرحلة المقبلة. طبعا لحود يأتي الى الترشيح مسلحا, إلى جانب الصفات الشخصية, بإنجازاته في الجيش ومواقفه الوطنية, من إعادة توحيد الجيش وبنائه وفرض هيبته, إلى موقفه المعادي لإسرائيل وبدور الجيش في الوقوف إلى جانب سوريا عند أي خطر, كالدور الذي لعبه مع الجيش السوري في القضاء على تمرد العماد ميشال عون, علاوة على موقفه السياسي الداخلي المتوازن ما بين الطوائف والقوى السياسية جميعها, ما يجعله بالفعل مرشحا قويا بالمقارنة مع غيره. ثم هناك صفات الغموض التي تحيط بقائد الجيش وشخصيته, كانصرافه من الاضواء وتفضيله العمل بعيدا عن العيون وفي صمت تام, ورفضه مقابلة الناس والاجتماع بهم لكي لا يتعرض الى طلباتهم ومنها الوساطة الشائعة, اضافة إلى ندرة أحاديثه الصحفية وتواجده في النشاطات الاجتماعية, ما تضيف أبعادا اخرى الى ترشيحه, فتجعله مفضلا على غيره عند الكثير من اللبنانيين. مع ذلك فإميل لحود لم يرشح نفسه على الرغم من تسريبات سابقة عن كونه المرشح القوي المقبل ضمن حمى التسابق التي سادت بيروت هذا الصيف لمعرفة المرشحين, ذلك لأنه يعرف ان الدستور اللبناني لا يبيح لقائد الجيش او للقضاة او لكبار الموظفين ترشيح أنفسهم مالم يستقيلوا من أعمالهم قبل عامين على الاقل من هذا الترشيح, حتى أعلنت ترشيحه قمة دمشق, ليكون بذلك مرشح سوريا ولبنان معا للرئاسة. وبما ان ترشيحه يتطلب تعديلا في الدستور فلا يكون مخالفا, فان الحكومة عاجلت بعقد اجتماع وافقت فيه على التعديل, بحيث تتيح لترشيح إميل لحود مشروعيته, وهو ما سوف يفسح المجال لتعديل الدستور في البرلمان اللبناني أيضا, فيكون بذلك إميل لحود قد شق طريقه رسميا الى قصر بعبدا حيث مقر الرئاسة اللبنانية. غير أن المفارقة هي ان الدستور اللبناني خضع للتعديل مرتين لا مرة واحدة, من أجل عيون إميل لحود, فقد عدل النص المتعلق بالسن القانونية لقائد الجيش بحيث يصبح 63 سنة, لا 60 سنة كما كان وذلك عند بلوغ لحود سنه التقاعدي, بغرض استمراره قائدا للجيش, وهذه المرة يتم تعديل الدستور بغرض امكانية ترشيحه رئيسا للبنان, ما يجعل من هذا الدستور دستورا في خدمة الشعب, لا الشعب في خدمة الدستور. ويبقى تغيير الدستور في أي بلد عربي لصالح افراد أمرا غير مستغرب, فهذا يمكن ان يتغير في العام عدة مرات في حال وجوده, لذلك لجأت اغلب الدول العربية الى الغاء دساتيرها او تعطيلها بالمرة لعدم الفائدة او الصلاحية, فيكون في تغيير الدستور اللبناني من اجل مرشح يجمع عليه الناس كإميل لحود تحصيل حاصل طالما انه في صالح البلد, شرط الا يأتي قائد الجيش بعد أن يكون رئيسا فيلغي الدستور كله لانتفاء الحاجة.