كنت اتابع, على شاشة التليفزيون ــ وقائع احدى جلسات الندوة الاستراتيجية التي عقدت بمناسبة الاحتفال باليوبيل الفضي لحرب اكتوبر 1973 .. وكانت المناقشة تدور حول بحث ألقاه خبير الصواريخ اللواء مهندس دكتور (قدري سعيد) , عن اثر حرب اكتوبر في تطوير نظم التسليح واعمال القتال, باعتبارها اول حرب اليكترونية في التاريخ, ويستعرض التطورات المذهلة في هذا المجال, التي بدأت باستخدام الصاروخ ضد الطائرة وضد الدبابة, فخلقت بذلك نقطة بداية لثورة تكنولوجية, هدفها زيادة قدرة الطائرة على التخفي والاختراق, وزيادة قدرة الدبابة ضد الصاروخ وزيادة كفاءة الصاروخ على التصدي لكليهما.. وهي الثورة التي انتهت طائرات تطير بدون طيار, وقنابل ذكية تتعرف على اهدافها بنفسها, واسلحة اخرى دخل بعضها الخدمة في حرب الخليج الثانية, ويجري ــ منذ ذلك الحين ــ تطويرها بالاستفادة مما جرى في تلك الحرب. وفي فترة الاستراحة بين جلسات الندوة, خطر لي ان اطل على الحاضر, وبينما كنت ابحث بين قنوات التليفزيون عن نشرة الاخبار, وجدت نفسي امام برنامج عنوانه (برجك ايه؟) , تقدمه مذيعة بدت لي من الجيل الذي ولد بعد حرب اكتوبر, تستضيف رجلا بدا لي انه ينتمي الى جيل نكسة 1882, يقول التعريف المكتوب تحت صورته انه (عالم فلكي روحاني) , وكان يجيب عن اسئلة المشاهدين الذين يتصلون هاتفيا بالبرنامج فيزودونه بأسمائهم وتواريخ ميلادهم, وفي بعض الاحيان باسماء امهاتهم وبساعة ميلادهم, فيحول حروف الاسم الى رقم, وتاريخ الميلاد الى ابراج, ويربط بين الابراج وبعضها البعض, استنادا الى قواعد في رأسه, يخفي بعضها فلا تفهم شيئا, ويعلن بعضها الآخر, مثل إن (شرف زحل 21 درجة في برج الميزان) فلا تفهم شيئا كذلك! اما المهم, فهو انه ما يكاد يسمع الاسم ويعرف تاريخ الميلاد, حتى يندفع بثقة زائدة, لتشخيص الحالة من النواحي النفسية والصحفية والاجتماعية, الحالية والمستقبلية, ويطرز حديثه بآيات من القرآن الكريم, وهو يقلب ــ في اثناء ذلك ــ مجموعة من الكتب امامه, ليقول للسائل عبارات من نوع (المريخ قاعد لك في الدلو وده يخليك صابر على عدوك) او (عطارد قاعد لك في الاسد وده يديك حمو نفس ويخليك عصبي شوية) .. او (القمر قاعد لك في حته كويسه وده يخلي الرزق ييجي لك على غفله, لان ربنا بيقول ويرزقكم من حيث لاتعلمون) . وادهشني ان المذيعة التي يدل شكلها العام على انها تخرجت في الجامعة الامريكية, كانت تجلس الى جواره, وهي تفتح فمها في بلاهة من فرط الاعجاب بما يقول, لذلك لم تسأله عن الجامعة التي تخرج فيها, او عن العلم الذي تخصص فيه, وانها تحولت الى ممرضة له, تتلقى عنه الاتصالات الهاتفية ــ التي تقاطرت من المحيط الى الخليج ــ وتلخص له الاسئلة, وتنوب عنه احيانا في تقديم معلومات عن صفات احد الابراج, مما يدل على انها درست مثله, في (كلية نبين زين نبين ونوشوش الدكر) . وأذهلني ان من بين السائلين رجال وسيدات يبدو من حديثهم, انهم على حظ كبير من العلم والثقافة والثروة, فهم يرطنون بكلمات اجنبية وبنبرات تدل على انهم ينتمون لفئات اجتماعية متميزة, بل وكان من بينهم محامون ومهندسون, ومع ذلك فإن احدا منهم, لم يتنبه للطريقة السوقية المبتذلة التي يتحدث بها العالم الفلكي الروحاني, مما يدل على تواضع مستواه التعليمي والثقافي, فقد تحفظت احدى السائلات على ادعائه بان زوجها من النوع الذي يسلم لها من البداية للنهاية, لان العقرب قاعد له في الدلو, وقالت انه على العكس من ذلك, يتدخل في كل شيء, وبسرعة شديدة, غير العالم الفلكي الروحاني, تشخيصه للحالة, قائلا بعبارات علمية اكاديمية رصينة: هوا عايش على نظام سي السيد.. انما بعد ما تديه الحته الاولانية بتاعة سيادتك وحضرتك وتحت امرك, على طول يرمي (الكاب) ويقلع (الاسبلايت) ويجيب جاز ويسلم النمر! ذكرتني مصطلحات (الكاب) و(الاسبلايت) بندوة حرب اكتوبر, فاكتفيت بهذا القدر من اخبار زماننا السارة, وعدت الى الندوة, لاتابع حلقة نقاش بعنوان (كيفية منع نشوب حرب جديدة) , وتحدث الدكتور (اسامة الباز) فقال ان اعلان مسؤول عربي بأن (حرب اكتوبر هي آخر الحروب) واعلان مؤتمر القمة العربية بأن (السلام خيار استراتيجي) ليس تعهدا بشيء, ولا تعاقدا على شيء, وان تنفيذ ذلك مشروط بالتزام الطرف الآخر, بألا يشن حرباً, او يحتجز ارضا, او يعرقل سلاما.. ونبه اللواء (احمد نبيل فؤاد) ــ المدير الاسبق لمركز الدراسات الاستراتيجية بالقوات المسلحة ــ الى احتمال تآكل قوة الردع العربية, والى ضرورة العمل على اتخاذ روادع اخرى.. وشدد على خطورة تكثيف الوجود الاجنبي في المنطقة, مما يشكل ردعا لدولها, وابدى قلقه لان بعض الدول العربية وضعت اسرائيل في المرتبة الثانية, والثالثة من حيث تهديدها لأمنها, بينما شغلت دول عربية اخرى المرتبة الاولى في هذه القائمة.. ولان هناك صعوبات تحول بين الدول العربية وبين الالتزام باتفاقية الدفاع العربي المشترك. وبدا لي ان التناقض بين ما يقوله المحللون الاستراتيجيون, وما يقوله الفلكيون في الاحتفال بالعيد الفضي لحرب اكتوبر, هو الوجه الآخر للتناقض بين الانجاز العسكري للحرب, الذي اتفق الجميع عليه, وبين الادارة السياسية لها التي اختلف عليها الجميع.. فقد كان متوقعا ان تسفر اول حرب اليكترونية في التاريخ, قادت العالم الى ثورة تكنولوجية هائلة, عن سيادة العقلية العلمية الصناعية في المجتمع الذي كان مركزا لها.. فكيف انتهى بنا الحال ــ بعد 25 سنة من نصر اكتوبر ــ الى هذه الثورة التخريفية الهائلة, التي اشاعت الايمان بقراءة الفنجان وضرب الرمل وفتح الكوتشينة وقراءة الكف والشبشة, حتى اصبح الفلك علما يؤمن به خريجو الجامعات, واصبح قاهرو العفاريت اطباء يعلنون ان تحت امرتهم مليار عفريت يستطيعون علاج كل الامراض من الصداع الى السرطان, ومن الزكام الى الايدز, مع ان الذي صنع النصر, هو العلم والتكنولوجيا, وليس الجهل والخرافة, وهم علماء الصواريخ ومحطمو خط بارليف وليس ضاربي الرمل وموشوشي الدكر! واسخف ما في الامر, ان بعض هؤلاء الدجالين يتسترون بالعلم, ويسعون لترويج بضاعتهم الفاسدة, استنادا الى الادعاء بان ما يقومون به, هو علوم معترف بها, تدرس في الجامعات الاجنبية, وان الابحاث العلمية كشفت عن ان للكواكب تأثيرا على الانسان, وان لكل كوكب ذيلا يرسل موجات كهرومغناطيسية يستقبلها الانسان بالاعصاب الموجودة في اطرافه فتؤثر في قلبه وفي عقله, وتتحكم في طبائعة النفسية وفي سلوكه, وهو كلام حتى لو صح فلا علاقة له بما يمارسونه من نشاط, فلاهم من علماء الفضاء ولا الطريقة التي يتحدثون بها تدل على انهم قد اطلعوا على تلك الابحاث, كما ان تلك الابحاث يستحيل ان تنتهي الى نتائج مضحكة من نوع ان الرجل الذي يقعد له العقرب في الدلو, مايكاد يسمع من زوجته كلمتين ترضيان غرورة, حتى يتخلى عن صلفه, ويقلع الاسبلايت ويجيب جاز ويسلم لها النمر! اما اسوأ واخطر ما فيه, فهو انهم جميعا يتسترون بالدين, فهم يعلمون ان المؤمنين من البشر لم يتعودوا ان يناقشوا النصوص الدينية المقدسة بعقولهم, ويدركون ان الخرافات التي يشيعونها ويربحون من ورائها عشرات الملايين من الجنيهات, لاتدخل عقل انسان مهما كان ساذجا او جاهلا, لذلك يحرصون على تزيينها بآيات من القرآن او من الانجيل وباحاديث نبوية وبأقوال الرسل, لتبدو جزءا من المقدسات الدينية التي لاتجوز مناقشتها, مع ان الربط بين ادعاءاتهم, وبين النصوص التي يدللون بها على صحتها يبدو متعسفا ومصطنعا, فهم يختارون منها ما يظنونه ــ بعد تأويله تأويلا فاسدا ــ يؤيد ادعاءاتهم الكاذبة, ويتجاهل انها تكمل وتفسر بعضها البعض, فالذين يحترفون النصب باسم العلاج بالقرآن الكريم, يتحدثون عادة عن ان القرآن كله بركة, وهذا صحيح بالطبع, اما الذي ليس صحيحا, فهو ادعاؤهم الكاذب بان الله عز وجل قد اختصهم باجراء هذه البركة على ايديهم دون غيرهم من المسلمين. ولم يعد الايمان بهذه المنظومة المتكاملة من الخزعبلات قاصرا على العوام ومن هم في حكمهم من الاميين, كما كان الحال في الاجيال الماضية, بل ان هؤلاء المساكين قد طردوا من فردوس سيدنا شمهورش, لان العلاج في عيادات قاهرى العفاريت وضاربي الودع اصبح بالدولار, بعد ان عششت الخرافة في عقول النخبة الاجتماعية التي تقود الرأي العام وتؤثر فيه, فليس المهندسون والمحامون هم الذين يلجأون الى الفلكيين لكي يشخصوا لهم احوالهم ويتنبأوا لهم بالمستقبل, ولم تعد فرق كرة القدم وحدها هي التي تقوم بدفن حجاب ضد الحسد والعين تحت قوائم مرماها لتحميه من اهداف الفريق المنافس.. بل اصبح للفنانين دجال خاص يستحضر لهم سيادة العفريت شمهورش حفظه الله وجعل كلامنا خفيفا عليه لكي يحميهم من الحسد والعين ويفك لهم الاعمال السفلية.. واصبح عاديا ان تتزاحم سيارات من افخر واحدث واغلى الموديلات امام عيادات هؤلاء العلماء الاقدار, بينما تنقل طائرات خاصة آخرين من هؤلاء الدجالين المحترمين جدا, بين البلاد العربية, لكي يقرأوا الطالع, ويعالجوا المرضى من أمراض مستعصية, ويطردوا الجن الشرير, من قصور ومكاتب بعض المسؤولين فيها. وعلى عكس ما كان متوقعا, فإن انتشار التعليم والتوسع في الاعلام, وتعدد القنوات التليفزيونية, لم يقض على الخرافة بل ساعد على توسيع نطاقتها, وسخر نفسه للدعاية لها, فاصبحت هناك صحف تعتمد في رواجها على نشر معجزات حزب شمهورش وصحفيون يعملون في خدمة قاهري العفاريت ويرتزقون من الدعاية لهم, وقنوات تليفزيونية لاتتورع عن دعوتهم للقيام بمعجزاتهم ــ التي تشبه ألاعيب السحرة ــ امام المشاهدين, ثم اصبح لبعضهم برامج تليفزيونية يستقبلون خلالها مرضاهم على الهواء مباشرة وتقدم لهم رعاية مجانية لا تقدر بثمن! الغريب اننا نسمع على امتداد العقدين الاخيرين, ان هناك صحوة اسلامية, وان هذه الصحوة تقلق مضاجع الغرب, وتثير مخاوف الصليبية والصهيونية العالمية, فلم يعد لديهما هم سوى التخطيط للقضاء عليها, وان الصراع الحضاري القديم بين الحضارتين الغربية والاسلامية قد تجدد, ولن ينتهي الا بقضاء احدى الحضارتين على الاخرى, ثم نتلفت حولنا فاذا بالتيارين الاكثر بروزا لهذه الصحوة, تيار يرفع السلاح ويسعى لتدمير كل ما انجزه المسلمون في بلادهم من تقدم, بدعوى انه من صنع الطاغوت الكافر, الذي استورده من بلاد الفرنجة العلمانيين الملحدين, وتيار يستغل الاسلام للتربح من ورائه, بترويج الخرافة ونشر الخزعبلات ولو تنبه الذين تعنيهم امر هذه الصحوة, لما يجرى من حولهم, لادركوا ان هذا الوضع, هو الاكثر ملاءمة للقضاء على المسلمين, وانهم ليسوا في حاجة لمن يقضي عليهم, ولتذكروا ان المسلمين صنعوا حضارتهم بالانفتاح على الحضارات الاخرى, وبالتأثير فيها والتأثر بها, وباكتشاف الجبر والحساب وتحضير السوائل الكيماوية, وليس بفتح المندل وتحضير العفاريت ووشوشة الدكر. اما الاكثر غرابة فهو انني عدت بعد انتهاء ندوة حرب اكتوبر, لابحث مرة اخرى بين قنوات التليفزيون عن اخبار زماننا السارة, فوجدت نفسي امام عالم فلكي روحاني آخر, عرفت من الحوار الذي اجري معه, انه هو الذي تنبأ بحرب اكتوبر قبل وقوعها باكثر من عام, وانه يتنبأ منذ الآن بان الحرب العالمية الثالثة سوف تقوم عام 2010, وان بلادا اسلامية هي ايران والعراق والجمهوريات الاسلامية السوفييتية, سوف تشن الحرب على اوروبا, ثم على امريكا, وان الحرب سوف تستغرق ثلاث سنوات وسبعة شهور, وتنتهي بضرب امريكا بصاروخ واحد يقضي عليها وبانتصار المسلمين. وهكذا تأكدت ان العقرب قاعد لامريكا في الدلو, وانها لن تستمر في ممارسة دور سي السيد الذي تقوم به في العالم, الا لمدة اثنى عشر عاما فقط, ثم ترمي (الكاب) وتقلع الاسبلايت وتجيب جاز.. وتسلم النمر.. فألف مبروك... ياعرب