مرة اخرى كانت ايران الداخل خلال الاسابيع القليلة الماضية على موعد مع منعطف جديد من صراع الارادات والرؤى ومناهج التفكير في اطار السجال المستمر القائم منذ مايزيد على العام بين من بات يطلق عليهم بالاصلاحيين ومن تكرس وصفهم بالمحافظين . ومرة اخرى كان سجالا (بالذخيرة الحية) ايضا بعد سجال الشوارع والجامعات, ولكن هذه المرة بالاقلام وعلى صفحات الجرائد اليومية والاسبوعيات والشهرية او الفصلية من المطبوعات. واذا كان بعض هذا السجال قد ادى الى توقف بعض الاقلام عن الكتابة وانكسار اقلام اخرى فيما اعتقلت بعضها بتهمة المس بالمقدسات وتحريض الرأي العام ضد الثوابت فان بعض السجال الآخر قد ادى الى جرح مشاعر العديد من المؤمنين ناهيك عن كبار المراجع الدينية والسياسية فيما تشوشت آراء العامة من الناس بسبب اقلام ساهمت في خلط اوراق الحق بالباطل ايا تكن النوايا والدوافع. حصل كل هذا ولايزال يحصل الى جانب غيره من مفاصل الصراع بين الارادات والرؤى والمناهج والبلاد تستعد لانتخابات هي الاولى من نوعها في العهد الخاتمي تلامس فيما تلامس احد الثوابت القانونية والدينية في النظام نظريا وعمليا, الا وهو مبدأ ولاية الفقيه والانتخابات المترتبة على هذا المبدأ والمعنية باختيار مجلس خبراء اشبه ما يكون بمجلس اهل الحل والعقد وظيفتهم الاساسية انتخاب مرشد الثورة الاسلامية, الرجل الاول في النظام والرقابة على اعماله وسياساته وعزله فيما لو فقد احدى شرائط القيادة في وقت من الاوقات. صحيح ان الانتخابات الراهنة هي الثالثة من نوعها لهذا المجلس الرفيع والذي عادة ما يتم انتخابه بالاقتراع الشعبي المباشر مرة كل سبع سنوات لكنها المرة الاولى التي تجرى فيها مثل هذه الانتخابات والبلاد تعيش حالة من النهضة التنويرية والحركية المتميزة لقطاع واسع من الطبقات والفئات الشعبية وتوق شديد في اوساط الرأي العام للتغيير والتحول ساهم في صنعها الى جانب عوامل عديدة اخرى دعوة الرئيس محمد خاتمي الى ماسماه بضرورة (حماية الرأي العام لحقه المشروع والمشرع دستوريا في تقرير مصيره بنفسه طبقا للقراءة الخمينية للدين والاسلام) كما يقول الرئيس الايراني في اكثر من خطاب شعبي. وسط هذه الاجواء المتحولة والمتحركة والسيالة حاول فريق من متطرفي المحافظين او المحسوبين عليهم ان يوقف هذه الحركة التحولية والتغييرية بأي ثمن كان ظنا منه انه الموكل وحده بالتراث وبمقدسات الامة مستخدما العنف بغرض المقدس والثابت من تراث الامة غير مكترث بضرورة تفعيل تلك الثوابت والمقدسات من خلال تقوية الابداع والخلاقية لدى النخبة والرأي العام. بالمقابل وكّـل البعض من متطرفي الاصلاحيين او المحسوبين عليهم وكلاء وحيدين على التغيير والتحول مستخدما الحريات وسيلة جذابة بعد تحويلها الى غاية بحد ذاتها مما دفعه للوقوع في فخ من يميلون للتفريط بمقدسات الامة وثوابتها. الذين رفعوا المقدس بوجه الحرية كانوا في الواقع هم الوجه الآخر للعملة مقابل اولئك الذين رفعوا الحرية بوجه المقدس, وكلاهما كان في الواقع ضحية جانب من جوانب منهج لا عقلانية الغرب الذي يتربص الدوائر بايران في كل مراحل تحولاتها وتطوراتها. من جانبه فان الرئيس الايراني الاصلاحي والمعتدل والذي حاول حتى الآن ان يقود معركته الاصلاحية والتغييرية بدون (عنف) ودون استخدام (للذخيرة الحية) مشددا على ضرورة التزام الجميع بالقانون والدستور وعدم فرض احد لوجهة نظرة على احد بالمطلق, حسم الجدل الذي كان دائرا في الاسابيع الاخيرة بين المقدس والحرية كما هو مشروح آنفا باعلانه الصريح بان المفرطين باي من المقولتين انما يساهمون عمليا في ضرب عملية الاصلاح داعيا السلطات في الوقت نفسه الى ضرورة التزام القانون في فض النزاعات ايا كانت حتى لو كانت من نوع المقابلة بين المقدس والحرية. لقد شدد الرئيس الايراني وهو يفتح العام الدراسي الجديد على (ان الدين والحرية امران متلازمان) وانه لا يمكن للحكومة الاسلامية المعاصرة ان تستقيم وان تحيا وان تستمر في الحياة من دون هذا التلازم, واذا ذكر بتجارب التاريخ المرة في هذا المجال القديم والحديث منه وضع النقاط على الحروف فيما يخص معركة انتخابات مجلس الخبراء المقبلة وتحديدا فيما يخص النقاش والسجال الحاد حول المقدس والحرية فقال: 1ــ ان ولاية الفقيه مقولة دستورية ملزمة لكافة افراد الشعب ومهاجمتها هي مهاجمة للدستور في ركنه الركين. 2ــ ان مناقشة نظرية ولاية الفقيه كمقولة علمية فقهية او كلامية امر مختلف, يمكن القيام به في الاوساط العلمية وبالاساليب العلمية وادوات المعرفة المعروفة بعيدا عن التربص السياسي. 3ــ ليس لأحد الحق ان يفرض رأيه او قراراته الخاصة لاي مقولة من مقولات الدين او الاسلام باعتبارها هي القراءة النهائية والوحيدة على الآخرين لان في ذلك قمع لحرية التفكير والتعبير. 4ــ ليس لأحد الحق ان يستخدم منبر الحرية المقدس وسيلة لمهاجمة المقدسات او ثوابت الامة ومقومات هويتها الوطنية والدينية لان في ذلك ايضا قمعا لحريات الآخرين. لذلك كله دعا الى مصالحة تاريخية بين المقدس والحرية باعتبار ذلك هو الحل الوحيد لاعادة التوازن الى الامة والشعب الايراني الذي يطلب اكثر ما يطلب هذه الايام الامن والاستقرار حتى يتمكن من الالاستمرار في عملية الاصلاح الشاملة التي بدأها مع العهد الخاتمي الجديد في اطار لايفرط بالمقدسات او اي من قيم الثورة الاساسية في نفس الوقت الذي يتجاوب فيه مع المستجدات ومتطلبات الحضور الفاعل في المحافل الدولية. المحللون السياسيون من دعاة المجتمع المدني الجديد يقولون بان كلام الرئيس محمد خاتمي لايعني هنا ابدا بانه اضفى مشروعية على تلك التجاوزات التي اقدم عليها البعض في مجال معالجة ملفات الصحافة والاعلام, بل انه حذر بوضوح من اخطار مثل تلك التجاوزات, لكن خاتمي حسب اولئك المحللين حذر كذلك وربما لاول مرة من تجاوزات البعض الآخر ممن يحسبون على الاصلاحيين, لمقولة الحرية المقدسة عندما وصفوها بوجه الدين المقدس والثوابت من قيم الامة داعيا بذلك لمصالحة تاريخية تنقذ البلاد من خطر تصادم الاسلام بالحريات بسبب تطرف المؤتمنين عليهما من الفصائل السياسية او الفكرية. كاتب ومحلل سياسي ايراني*