في مقال كتبه الدكتور ادوارد سعيد, المفكر العربي الشهير, بجريدة الحياة, عاتب بعض المثقفين العرب الذين يتفاخرون بمعرفتهم بهنرى كيسنجر, وزير الخارجية الامريكي الاسبق, ويتعمدون, بمناسبة او بدون مناسبة , ذكر انهم التقوا به, ويقتبسون من احاديث دارت معه, واسس دكتور سعيد نقده على اساس الموقف المناهض للعرب الذي تبناه كيسنجر عندما كان مسؤولا في الحكومة الامريكية. وليس هناك ما يثبت ذلك اكثر من متابعة موقف كيسنجر ودوره في رسم معالم السياسة الخارجية الامريكية تجاه حرب اكتوبر 1973, والتي يمر في هذه الايام ربع قرن على نشوبها, فنتيجة للوضع السياسي المتردي للرئيس ريتشارد نيكسون وقتذاك, فإن كيسنجر قام بالدور الاساسي في تحديد معالم الموقف الامريكي, فخلال تلك الايام كان الرئيس الامريكي يواجه ازمة داخلية حادة بسبب تداعيات فضيحة ووترجيت, وافتضاح دوره في التواطؤ على ما حدث وفي يوم 10/20 قام الرئيس باعفاء المحقق المستقل ارشيبالد كوكس الذي كان مكلفا بالتحقيق في القضية من منصبه, وكرد فعل لذلك قام كل من وزير العدل ونائبه بالاستقالة تضامنا معه, كما كان الرئيس مواجها بأزمة اخرى تتعلق بنائبه سبيرو اجنيو الذي استقال في اعقاب فضيحة مالية, وقام بتعيين نائب جديد له, هو جيرالد فورد, في يوم 13 اكتوبر. وللدلالة على دور كيسنجر الرئيسي, نذكر انه رأس كل اجتماعات مجموعة العمل التي ادارت الازمة, كما انه رأس اجتماع مجلس الامن القومي الذي اتخذ قرار اعلان حالة الطوارىء للقوات الامريكية على مستوى العالم ليلة 24ــ 25/ 10 والذي لم يحضره الرئيس الامريكي او نائبه, وان الرئيس نيكسون صدق على القرار بعد صدوره بثلاث ساعات, وهكذا ليس من قبيل المبالغة القول ان الموقف الامريكي تجاه حرب اكتوبر حمل الكثير من بصمات كيسنجر وتفكيره ووجهة نظره. لقد انطلق كيسنجر من الاعتقاد بان الحرب, اذا ما اديرت تطوراتها بالشكل الذي يريده, فإنها تقدم فرصة سانحة لدور امريكي مهيمن على عملية التسوية, ولعودة العلاقات الامريكية مع سائر الدول العربية وتنشيطها بالشكل الذي يؤدى الى تقليص النفوذ السوفييتي في المنطقة, وكان عليه لتحقيق ذلك ان يتبع مجموعة من السياسات: منها دعم اسرائيل وتعويضها عسكريا عن خسائرها, وتمكينها من القيام بهجوم عسكري مضاد لاضعاف حجم الانتصارات المصرية والسورية التي تحققت في الايام الاولى للقتال, ومنها تعطيل اتخاذ قرار في مجلس الامن, واللجوء الى اساليب التسويف والمماطلة لاعطاء اسرائيل وقتا كافيا لهجومها المضاد, وكان مستعدا للوصول الى (حافة الهاوية) لتحقيق تلك الاهداف, ووفقا له, فإن لم يكن مقبولا ان تسفر الحرب عن انتصار للسلاح السوفييتي على السلاح الامريكي. ويكفي ان نستعرض موقف كيسنجر خلال ايام الحرب, ومن واقع مذكراته, لكي نصل الى حقيقة موقفه, لقد اعتقد كيسنجر اعتقادا جازما بان النتائج العسكرية التي اسفرت عنها الايام الاولى للقتال هي مسألة طارئة ومؤقتة, وان الهجوم الاسرائيلي المضاد سوف يحول الانتصار العربي الى هزيمة ساحقة, وان هذا الهجوم سوف (يقلب كل الموازين) ويقود العرب الى (حافة الكارثة) . ولضمان نجاح هذا الهجوم, فقد ايد كيسنجر الطلب الاسرائيلي في 10/7 بالتعويض عن خسائر الجيش الاسرائيلي, وخصوصا في مجال الطائرات, ورغم اعتراض وزير الدفاع ومساعده ونائب وزير الخارجية على الطلبات الاسرائيلية باعتبار ان اسرائيل لديها ما يكفي من السلاح, وانه من الافضل ألا تظهر واشنطن بمظهر المنحاز لاحد طرفي القتال, فقد ايد كيسنجر ضرورة الاستجابة لتلك الطلبات بدعوى ان الانتصار العربي سوف يؤدى الى ارتفاع مكانة موسكو في المنطقة, كما انه سوف يؤدي الى تشدد عربي اكبر مما يؤدي الى عدم نجاح اية مفاوضات مقبلة, وانه من الضروري تعويض الخسائر الاسرائيلية حتى تستطيع تعديل الموقف العسكري خلال يومين او ثلاث على الاكثر. وعندما شعر كيسنجر بان وزارة الدفاع تتلكأ في تنفيذ ما طلب منها, فقد قام بالاتصال بنيكسون وقام بابلاغه بعدم تنفيذ وزارة الدفاع لتوجيهاته بشأن تعويض الخسائر العسكرية لاسرائيل, وانه لاينبغي ان يكون لوزارة الدفاع (سياسة خاصة بها) , ثم قام بابلاغ وزير الدفاع بأمر الرئيس بضرورة الاسراع في شحن الطلبات الاسرائيلية, ولم يكتف بذلك بل طلب من اسرائيل ترتيب ارسال عدد من الطائرات الاسرائيلية لنقل المعدات حتى لاتتحجج وزارة الدفاع بعدم وجود امكانيات سريعة للنقل. ولكي يعطي كيسنجر فرصة كافية لهجوم اسرائيلي مضاد يخفف من وقع الهزيمة التي اصابتها بفعل الانتصارات العربية, سعى الى تعطيل اتخاذ اي قرار في مجلس الامن يعكس الانتصار العربي, ففي يوم 10/8 طلبت واشنطن عقد جلسة طارئة للمجلس وطالب المندوب الامريكي كلا من العرب واسرائيل بوقف العمليات العسكرية والعودة الى مواقعهم قبل يوم 6 اكتوبر, وهو الطلب الذي لم يكن من المنتظر قبوله من قبل مصر وسوريا. وفي تعليماته الى رئيس الوفد الامريكي الدائم لدى الامم المتحدة في صباح 10/8 اشار الى انه (لايجب ان يصدر عن مجلس الامن قرار بوقف اطلاق النار الا عندما يصل الجيش الاسرائيلي الى المواقع التي كان عندها عند بدء القتال ــ اي خط المياه بالنسبة لقناة السويس ــ على ان تكون اسرائيل وقتها قد تمكنت من تدمير كل ما يمكن تدميره من قوات ومعدات للجيش المصري) . ولم تتضح صورة الكارثة التي اصابت الجيش الاسرائيلي وحجم الهزيمة التي منى بها لكيسنجر الا فجر 10/9 عندما اخبره السفير الاسرائيلي بان اسرائيل قد فقدت في الاربعة ايام الاولى خمس سلاحها الجوي وربع دباباتها, وان اسرائيل في موقف حرج للغاية وتطلب المساعدة فورا, كما تطلب مساعدة اجهزة المخابرات الامريكية بشأن اي معلومات عن اوضاع الجبهة, وفي هذا الصدد, وبعد الحصول على موافقة نيكسون, نقل كيسنجر الى وزير الدفاع قرار الرئيس بالاستجابة لطلبات اسرائيل, وبالفعل, قامت طائرة استطلاع امريكية يوم 10/13 بعملية مسح واسعة اعقبتها طائرة استطلاع اخرى يوم 10/15. وتحرك كيسنجر في محاور اخرى لدعم اسرائيل, ففي يوم 10/9 وجه رسالة الى الملك حسين يطلب منه عدم التدخل في المعركة, ورسالة الى موسكو يطلب منها التوقف عن تحريض الرئيس بومدين على التدخل محذرا بان ذلك يمكن ان يؤدي الى ازمة مع واشنطن, كما طلب من السفير الاسرائيلي ان تركز جماعات الضغط الاسرائيلية على الكونجرس حتى يقوم الكونجرس بدوره في مساندة اسرائيل, كما اخبره بموافقة الرئيس الامريكي على كل الطلبات العسكرية الاسرائيلية ماعدا قنابل الليزر. وفي يوم 10/14 بدأ كيسنجر متلهفا على ضرورة قيام اسرائيل بهجومها المرتقب, فابلغ رسالة الى رئيسة الوزراء جولدا مائير يذكر فيها ضرورة ان تقوم اسرائيل بتغيير الموقف العسكري على الجبهة المصرية بطريقة حاسمة في خلال 24 ساعة لان واشنطن تسير في طريق مواجهة مع موسكو, وهو يريد ان تكون هذه المواجهة اقصر ما يمكن, وان تخرج منها امريكا في موقف اقوى. وفي يوم 10/15 اتصل بالملحق العسكري الاسرائيلي في واشنطن متسائلا عن اخر الاخبار على الجبهة المصرية, وعلم منه ان مجلس الوزراء الاسرائيلي في حالة انعقاد, وانه يعتقد ان اسرائيل بدأت هجومها المضاد, وفي يوم 10/16 طلب كيسنجر من وزارة الدفاع تكثيف نشاط الجسر الجوي لان حسم الموقف ــ في اعتقاده ــ صار وشيكا. وفي يوم 10/17 طلب كيسنجر استمرار الجسر العسكري الى اسرائيل مؤكدا (لابد ان نمضي في هذا الشوط الى اخره حتى يصرخ احد الاطراف ويخرج من المعركة) , ثم اخبر السفير الاسرائيلي بان عليهم (تشديد ضغطهم على الجبهة المصرية وتحقيق اهدافهم على الجبهتين في خلال 48 ساعة لانه بعدها سوف يكون مضطرا للتحرك بطريقة جدية لاصدار قرار وقف اطلاق النار في مجلس الامن) , وفي لقائه مع مائير يوم 10/22 في طريق عودته من موسكو وفي مجال اقناعها بضرورة صدور القرار فورا, المح كيسنجر لها الى ان الجيش الاسرائيلي يستطيع مواصلة عملياته بعد صدور القرار على الاقل خلال المدة التي سوف تستغرقها رحلته الى واشنطن, اي انه المح لها بامكانية ان تقوم اسرائيل بانتهاك قرار وقف اطلاق النار الذي اصدره مجلس الامن. ورغم تصاعد احتمالات المواجهة مع موسكو نتيجة استمرار اسرائيل في انتهاكها لقرار وقف اطلاق النار الصادر يوم 10/22 فقد وعد كيسنجر اسرائيل في 10/25 بأن واشنطن لن تمارس اي ضغط عليها للعودة الى خطوط 10/22. ولا اعتقد ان الامر يحتاج الى مزيد من التعليق على مواقف (الصديق) كيسنجر!!