ليس أمام المتنازعين, سواء كانوا أفراداً اختلفوا على مال أو عقد عمل أو حتى صندوق طماطم, أو كانوا دولا اختلفت على حدود أو أراض أو سياسات معينة, سوى التحكيم, فهو من بعد المفاوضات والحوار الوسيلة الناجعة لحسم النزاعات والاختلافات, وتوفير الوقت والجهد, ومن بعد ذلك حقن الدماء وتجنب الكوارث . وعلى هذا الأساس رأينا الفرحة الغامرة عربياً وافريقياً معاً, برضا كل من اليمن واريتريا بنتائج التحكيم حول الجزر المتنازع عليها في البحر الأحمر, ففي أقل من ثلاث سنوات, منذ تفجر الأزمة بينهما, أمكن حل الخلاف بالتحكيم, لكي يأخذ كل ذي حق حقه, وتعود كل أرض وجزيرة لمن له حق السيادة عليها. وكان يمكن للخلاف على حنيش وجزرها المجاورة ان يستمر طويلاً, شأن خلافات الحدود الاخرى, التي مضى على أكثرها عقوداً من السنين من دون حل, وظلت على الدوام مصدراً للقلق والتوتر, لو أن اليمن رد على الاستفزاز الاريتري في حينه بإحتلال الجزيرة وطرد اليمنيين منها, بأعمال عسكرية, لن تنهي الخلاف ولا جذوره حتى مع تحقيق انتصار وعودة الجزيرة لليمن, لان جمر الغضب سيظل تحت رماد السكوت لكي يعود ويتفجر مرة بعد مرة. غير ان اليمن اثبت مرة اخرى منذ زمن بعيد ان الحكمة يمانية, حيث لم يصعد عسكرياً ولجأ منذ البداية الى القنوات الدبلوماسية فالحوار, ثم التحكيم الدولي, ساعده في ذلك بلا شك قبول اريتريا لمبدأ التحكيم ايضاً, فاستطاع البلدان نزع فتيل متفجر بينهما مبكراً, والوصول الى حل يرضي الطرفين في وقت سريع فعلاً, ومن دون مزيد من الخسائر المادية والبشرية ولا حتى السياسية. وعلى هذا النموذج من حل الخلافات بين الدول بالطرق السلمية والحوار أو بالوساطات الخيرة او بالتحكيم الدولي, يمكن للدول العربية, وهذا ما يهمنا, حل عشرات من المشكلات والخلافات القائمة فيما بينها من ناحية, ومع الآخرين من الدول الأجنبية من ناحية أخرى, وهي خلافات تشكل اليوم مثار قلق وبؤرا للتوتر وانفجار الاخطار, بما في ذلك أعمال عسكرية تدفع ثمنها شعوب المنطقة, من ثرواتها وتعطل مسيرة التنمية في بلدانها. فإذا استثنينا مثلاً الخلافات مع غير العرب حالياً, كالحال بين سوريا وتركيا حالياً وبين الامارات وايران حول جزرنا المحتلة وبين المغرب واسبانيا حول سبتة ومليلة المحتلتين وغير ذلك من خلافات حدود أو خلافات سياسية او اقتصادية, فإن ما بين العرب انفسهم من هذه الخلافات ما صنع الحداد, تقتضي المصالح الوطنية لكل دولة كما المصلحة العربية العامة سرعة حلها, سواء بالمفاوضات الثنائية او قبول الوساطات او بالتحكيم. وعلى سبيل المثال لهذه الخلافات ما بين السودان ومصر حول حلايب وما بين اليمن والسعودية حول قرى حدودية وما بين قطر والبحرين حول جزيرة حوار وفشت الديبل, ولن نذكر ما بين الكويت والعراق فخلافهما اوسع على الرغم من التدخل الدولي, وغير ذلك من خلافات ينبغي ان تكون حلولها في ايدينا, فإذا لم نستطع فالتحكيم العربي, وبما أن هذا لا وجود له, فإن التحكيم الدولي افضل ما يمكن من وسيلة للتراضي والقبول, ونموذج الخلاف على حنيش يقدم الدليل, اما عدم حل هذه الخلافات وركوب بعض قادة الدول رأسه فيتصرف من يتصرف منهم كأنه عنترة, فيعني استمرار الهدر والخسائر والنكبات, مع ان زمان عنترة ولى وراح.