يقولون في الامثال: عش رجباً تر عجباً. ذلك كان في الماضي حين استغربت جداتنا الراديو والتلفزيون, وسير النساء في الشوارع بلا أغطية رأس و .... أما اليوم فكل ذلك صار في متحف البشرية, بدءاً من الراديو وانتهاء بالاقمار الصناعية, اما الناس (وليس النساء فقط) فقد اصبحوا يسيرون على رؤوسهم بعد ان صار العالم مقلوبا, فلنا ولكم طوبى, ولمن اتقن ان يتوازن في المشي وكان العالم مقلوباً! اليوم حال البشرية كلها يقول: عش ما شئت, فانك في حل وترحال, في عجب وعجاب, على مدار السنة والشهر واليوم والمدار! وليس أعجب منا نحن الكتاب والصحفيين, فبالرغم من ان الاحوال على مايرام, وشؤون الناس على أحسن حال, إلا اننا في حالة انتقاد دائم وشكوى لاتتوقف, فهذا الوزير نطالبه باصلاحات جذرية تصل الى اعادة هيكلة وزارته وذلك نطالبه باعادة النظر في سياساته واحوال موظفيه, والمسؤول الفلاني مطالب بتثوير اساليب وتقنيات خدمة الجمهور, ولا تتوقف مطالبنا عند حد, ابتداء من رياض الاطفال وانتهاء بالمجلس الوطني. فنطمح الى تفعيل القوانين (كل القوانين) ونأمل في تشريع قوانين تؤسس على الحاجة والضرورة, ونزيد في جرعة التفاؤل فنذهب الى الحديث عن دولة المؤسسات بعد ان تعبنا من دولة الرفاهية. وليس أعجب من روسيا ونظامها وما آل اليه حالها, فما كان أحد يتوقع ان تؤول احوال الاتحاد السوفييتي الى هذا الحال المزري بعد سنوات البناء والستار الحديدي, وبرامج الفضاء العملاقة, وصناعة الاسلحة الرهيبة و... اليوم تعجز روسيا عن حكم نفسها فتترك المهمة لعصابات المافيا, وبدل ان تصدر القمح والعلماء والاسلحة والايديولوجيا, اصبحت تصدر المخدرات والدعارة وتقاليد السوق السوداء وتجارة الاطفال, وتعجز الى حدّ الشلل عن دفع رواتب الموظفين فتعمد الى اساليب (ثورية) لم يسمع بها أحد. ويبدو ان وصفات وروشتات البنك الدولي وراء كل تلك التقليعات, وإلا فمن يصدق ان يتقاضى العمال رواتبهم سكراً وطابوق بناء, واحذية! تصوروا انفسكم وانتم تقبضون رواتبكم آخر الشهر زوجين من الاحذية! وكل ذلك يهون مقارنة بما آل اليه أمر المعلم والتعليم, فقد تفتقت اذهان المسؤولين في احدى الجمهوريات الروسية عن فكرة عجيبة خلاصتها دفع رواتب شهر اغسطس للمعلمين عبارة عن 12 زجاجة فودكا (خمر روسي) منتهي الصلاحية! روسيا بمعلميها وعلمائها ونظامها التعليمي الذي ازعج واحرج الولايات المتحدة في الستينات وجعلها تسابق الزمن للحاق بها, وصلت درجة ان يحصل معلموها على رواتبهم خمرا, وفي جمهوريات آخرى بيضا وربما كان هذا أخف ضررا. وعليه فكل خلل وتخريفات (خبراء) التربية لدينا مقبولة, وأحوال الوزارة والمدارس والصيانة والمعلمين والمناهج والتوجيه و.. كلها في كفة, وأن تدفع الرواتب زجاجات فودكا في كفة! وعش رجبا تر عجباً.