من جديد أكدت وقائع الايام القليلة الماضية, عدة حقائق من ضمنها ان اسرائيل هي التي تتحكم بالعملية التفاوضية فهي التي تقرر موضوعاتها وهي التي تفرض مساراتها وفي المحصلة فهي التي تقرر ما الذي تعطيه وما الذي تمنعه. وقد اكدت هذه الوقائع ان الولايات المتحدة الامريكية, الراعي (النزيه) لعملية السلام في المنطقة, مصرة على وضع المصالح والاعتبارات الاسرائيلية على رأس سلم اولوياتها وسياساتها, فالولايات المتحدة لم تكتف بعدم اشهار فضلا عن هذا وذاك قامت بالضغط على الطرف الفلسطيني الذي اضطر للموافقة على المبادرة ارضاء لامريكا, للتراجع عن موقفه هذا والقبول بادخال التعديلات الاسرائيلية على المبادرة الامريكية ذاتها, ومن ضمنها الاقتراح المتعلق بالمحمية الطبيعية! وللأسف فقد بينت الوقائع ايضا كم هو الطرف الفلسطيني مكشوف امام الضغوط الامريكية والابتزازات الاسرائيلية, ان بسبب ضعفه, وبحكم الظروف الصعبة التي يرزح تحتها او بسبب غياب السياسة العربية الداعمة التي يمكن ان تشكل عامل توازن لصالحه. في الولايات المتحدة الامريكية, استطاع رئيس الحكومة الاسرائيلية ان يشد الحبل لجهته, فالولايات المتحدة لم تعد متمسكة بمبادرتها واعادت الكرة لملعب المتفاوضين لتقرير اوضاعهم على طاولة المفاوضات بدون الاحتكام لاية مبادىء او مرجعية والطرف الفلسطيني استجاب للضغوط الموجهة عليه بشأن عدم التحدث امام الجمعية العامة للامم المتحدة عن اعلان الدولة الفلسطينية في الرابع من مايو من العام المقبل كتحصيل حاصل لمرور فترة السنوات الخمس وهي فترة الحكم الذاتي الانتقالي, واخيرا فان المفاوضات بين الجانبين سيجري استئنافها بزخم جديد وفق المعطيات الجديدة بعد لقاء عرفات ونتانياهو وبعد اللقاء الثلاثي في البيت الابيض الذي ضمهما مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون, والذي اكد فيه ان الطرفين سيعودان للقاء في واشنطن مع اطقم المفاوضات في منتصف هذا الشهر تحت الرعاية الامريكية. من كل هذه المؤشرات نستنتج ان الرابح الاساسي من هذه التطورات هو بنيامين نتانياهو, فقد كسب رئيس الوزراء الاسرائيلي الرهان على قدرته على التخلص من الايحاءات الامريكية ومواجهة الضغوط الاوروبية, وربح الرهان على مدى صموده في وجه محاولات العزل الاقليمي, ومن الاساس فقد نجح نتانياهو في تجاوز استحقاقات اتفاقات اوسلو, كما نجح في ادخال تعديلات كثيرة على هذه الاتفاقات. واخيرا فان بنيامين نتانياهو نجح في تعظيم اوراقه ازاء المعارضة الاسرائيلية التي تبدو في حيرة تجاه السياسة الواجب اتخاذها فهي مقتنعة بعملية التسوية في حدود معينة وهي ليست راضية عن سياسات نتانياهو, ولكنها بنفس الوقت ليست مستعدة للمغامرة برصيدها في المجتمع الاسرائيلي في موضوع يتعلق بعملية التسوية. بكل الاحوال فان الترقب سيبقى هو سيد الموقف في الفترة المقبلة والى حين حلول الرابع من مايو من العام 1999 حيث تنتهي ولاية المرحلة الانتقالية , ولعل الترقب سيكون على اشده لمراقبة نتائج المفاوضات التي ستجري في الشهر الحالي بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني وهذه وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت ومعها المنسق الامريكي لعملية السلام دينس روس يعدان العدة للانتقال للمنطقة للاطلاع عن كثب على الاستعدادات الاسرائيلية والفلسطينية للشروع بمفاوضات حاسمة في واشنطن استجابة لدعوة الرئيس الامريكي. ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه بالحاح هنا هو: هل يوجد بالفعل مصدر للتفاؤل بامكانية تذليل العقبات التي ادت الى جمود عملية التسوية على المسار الفلسطيني طوال الفترة الماضية؟ من الواضح ان الاجابة على ذلك معروفة سلفا وهي سلبية حتما. فاذا كانت الحكومة الاسرائيلية كانت قد رفضت سابقا اي تنازل حقيقي في موضوع التسوية مع الفلسطينيين فلا يوجد في الواقع اية معطيات ضاغطة تجعلها تعود عن مواقفها المتعنتة هذا خلال المرحلة المقبلة, فالادارة الامريكية مثلا لم ترتق بموقفها الى مستوى الضغط على اسرائيل وهي في افضل احوالها وهي بالتأكيد لن تستطيع ذلك وهي على ما هي عليه بعد الفضائح التي احاطت بالرئيس الامريكي, ونتانياهو لن يراجع مواقفه بعد ان احس بثمار هذه المواقف التي الجمت المعارضة الاسرائيلية وعززت من وضعه الداخلي. وعلى الارجح فان نتانياهو سيظل يدفع الامور لحشر الفلسطينيين في زاوية الخضوع للاملاءات الاسرائيلية في مسائل الحل النهائي, بالنسبة للتخلي عن حق العودة وبالنسبة للتنازل في موضوع القدس وبشأن العلاقات والروابط الثنائية في المجالين الاقتصادي والامني وكذلك بالنسبة لمساحة الارض التي ستمنح للفلسطينيين لكي يقيموا عليها كيانهم وحينها ليس مهما اسم هذا الكيان. بهذا المعنى فان الضجة التي افتعلها بنيامين نتانياهو وحكومته حول الدولة الفلسطينية, الهدف منها تحديد طموحات الفلسطينيين والتقليل من سقف التوقعات الفلسطينية في عملية التسوية الجارية, وهي مجرد قنابل دخانية لتمرير التصورات الاسرائيلية في عملية التسوية, وهي بذلك جزء من المناورات التفاوضية التي اعتاد عليها نتانياهو. وعليه فمن المتوقع من هذه الضجة التي تحاول التهويل من شأن الدولة الفلسطينية, ومن اهميتها ومخاطرها على اسرائيل ان تصور اي تنازل اسرائيلي مستقبلي في هذا المجال على انه تنازل جوهري يمكن ان يعادل التنازلات الفلسطينية في مواضيع تمس حقوقهم التاريخية ومستقبلهم كشعب. ان هذه الحقيقة لا تعني التقليل من اهمية الدولة الفلسطينية بالنسبة للفلسطينيين في صراعهم الرمزي والوجودي والتاريخي مع اسرائيل, فهذه الدولة في غاية الاهمية وهي في حال قيامها ثمرة لنضال الفلسطينيين الطويل والمرير, وهي اخفاق لأحد جوانب المشروع الصهيوني الذي استهدف تغييب الفلسطينيين وتبديد هويتهم الوطنية,. ولكننا هنا نقصد الحديث بالضبط عن المحاولات الاسرائيلية الرامية لتفريغ هذا المكتسب من مضامينه النضالية الوطنية, من خلال المساومة على ثمن قيام الدولة وجعل قيامها اجهاضا وانكسارا لنضال الفلسطينيين, ومن خلال مقايضة الدولة بحقوق الفلسطينيين وجعلها بشكلها المسخ خاتمة لطموحاتهم وحقوقهم الوطنية. وعليه يمكننا الاستنتاج بأن المفاوضات المقبلة لن تكون افضل حالا من سابقاتها فلا الاوضاع تغيرت ولا نتانياهو تراجع عن مواقفه, والمراهنة هنا على استمرار الاستفراد بالوضع الفلسطيني الضعيف ازاء الضغوط الامريكية والاسرائيلية والذي يفتقد للخيارات الممكنة اللازمة لقلب الطاولة او لاعادة صوغ العملية التفاوضية بشكل اكثر توازنا والمطروح على خلفية ذلك اما قبول الاشتراطات الاسرائيلية, واما ابقاء الاوضاع على ماهي عليه, وفي سياسة الامر الواقع هذه تعمل اسرائيل على الاستفادة من عامل الوقت وفرض مزيد من الوقائع لصالحها وتأجيل الاستحقاقات المطلوبة منها. والتبرير الاسرائيلي لهذه السياسة يستمد شرعيته من نجاح نتانياهو في فرض سياساته, ويستمد منطقه من مقولات نتانياهو بأن اسرائيل بامكانها التعايش مع هذا الواقع وانها ليست بحاجة لعملية التسوية هذه طالما لا تتجاوب مع اشتراطاتها وطموحاتها ومنطق نتانياهو وحكومته في هذا الاطار يختلف عن منطق حزب العمل, الذي يضع الاولوية لمعاهدات السلام, والضمانات الدولية, وعلاقات التطبيع والنظام الاقليمي, فحكومة نتانياهو تعتقد بأن اسرائيل القوية القادرة على الردع هي وحدها التي تحقق السلام وانها بقدراتها الاقتصادية والتكنولوجية وبعلاقاتها المتميزة مع الغرب وبخاصة مع الولايات المتحدة الامريكية, يمكنها ان تحافظ على استقرارها وازدهارها الاقتصادي وتفوقها في المنطقة. في اطار هذا الفهم لسياسات نتانياهو وحكومته تبدو المفاوضات مجرد مناورات وسياسة علاقات عامة اعتاد نتانياهو عليها لتمرير قطوع في الوقت في سبيل تحسين صورة اسرائيل الخارجية وفي سبيل الاستهلاك الداخلي. وفي كل هذه السياسات والمناورات لا يبدو نتانياهو حريصا على ايجاد تسوية متوازنة مع العرب في هذه المرحلة, فلا شيء حتى الآن يضطره الى ذلك على الصعيدين الاقليمي والدولي وعلى الصعيد الداخلي ايضا والى حين تغير هذه الظروف والمعطيات فان نتانياهو سيواصل مناوراته للتلاعب بمستقبل الفلسطينيين وحقوقهم تحت سمع وبصر العالم. كاتب فلسطيني مقيم في دمشق*