حاولت عبثا أن أفهم ما سطره كاتب من مبدعي هذا الزمان في احدى صفحاتنا الثقافية الصادرة منذ أيام. وبذلت جهودا كبيرة في فك الالغاز والطلاسم الواردة في مقال صاحبنا العبقري . غير أن تلك المحاولات والجهود لم تسفر عن تقدم فيما قصدت اليه, ورفعت الراية البيضاء للتعبير عن استسلامي أمام نتاج بعض مبدعي هذا الزمان!! ولم تكن تلك هي النتيجة الوحيدة لتلك القراءة, بل ان المقال المذكور قد تسبب في أثر آخر لتلك الهزيمة تمثل في تعرضي لحالة (غثيان) كانت تتزايد كلما تجاوزت سطور ذلك المقال المنكوب, أو أعدت النظر في اطار محاولاتي اليائسة لفك الغازه وطلاسمه وحتى لا يكون هذا الكلام مجرد ادعاء نظري, ويفتقد الشاهد على حقيقته, فاني أدعو القراء الكرام مشفقا الى الخوض في التجربة التي مررت بها, واستميحهم عذرا ان كنت سأسبب بذلك نكدا للحظات التي سوق تستغرقها قراءة بعض ذلك المقال, وان كنت في الوقت نفسه أحثهم على أخذ الاحتياطات اللازمة لمنع حدوث اي مضاعفات تترتب على حالة الغثيان المتوقعة. نماذج للغموض والابتذال يقول صاحبنا الفذ: الظلام يقف هناك, وأنت تتعثر بحجر ناشز في رصيف خباز ينعي تنورا موحش كيف يمكن احتمال خباز يرثي تنوره في شتاء حزين لفرط الطحين الغائب؟ بين ان تختبر الجوع بأمعائك وخمسين كتابا عن القمح مسافة من التجربة التي تذيب الجلاميد, تزعم أنك وحدك في الطريق الى الجحيم, فيما الدروب مكتظة بالأجساد المعروفة والارواح الشريرة فلا تدع شعورك بالوحشة يغلبك. كانت تلك الفقرة الاولى فقط من ذلك الابداع, في ذلك المقال! وهو بالمناسبة يشتمل على ست فقرات بائسات من ذلك القبيل الذي أوردنا طرفا منه إلا. أنني اكتفي بما ذكرت حرصا على المشاعر من مزيد نكد وبؤس. شخصيا أعترف بعجزي الناتج عن قصوري وقلة حيلتي في معرفة مراد صاحبنا في ذلك المقال ومقاصده. واضيف اليه عجزا كبيرا آخر هو جهلي بوصف ذلك المقال هل هو شعر أم نثر؟ وعلى الرغم من أني لست ممن يزعمون مكانة في الأدب والشعر, الا أن كلام صاحبنا ليس من الشعر الذي قرأناه أو عرفناه في دواوين الشعراء القدامى منهم والمعاصرين اللهم هذا الذي يسمونه شعرا بالغلبة. وهو المتحرر من الوزن والقافية, بله ومن كل ضابط ومعنى, مما يؤدي كل ذلك الى تقديم نثر (هراء) لا قيمة له لدى العقلاء من عامة الناس, فضلا عن المعتبرين من أهل اللغة والأدب. اذا وقفت في المثال المتقدم, وهو بالمناسبة ليس وحيداً في ظاهرة العبث باللغة والجناية عليها, فإنك ستجد صفة لازمة فيه وفي أمثاله, فالغموض غير الهادف, ومن أجل الابهام والايهام هو السائد في كتابات أولئك القوم هذا اذا احسنت الظن بهم ودوافع كتاباتهم, وهو الأمر الذي لا يمكننا القول به في أحوال كثيرة حيث تنتفي البراءة في تلك الكتابات ويزداد الالحاح بالقول بوجود اغراض تستهدف اللغة, وتطلق سهام التشكيك صوب منظومة العقائد والقيم والأخلاق. بالطبع يتم كل ذلك بدعوى التجديد في اللغة او الابداع والغريب أن مستوى الابداع يزيد كلما كانت الكتابة موغلة في الغموض او الانتهاك الذي يتناول الثوابت المنبثقة عن الدين والمجتمع ويكون التعلق بحرية التعبير هو الجواب اذا ناقشت احد اولئك (المبدعين) في جناياتهم. وقد اشرت الى ذلك عندما كتبت عن (الحرية المفترى عليها) وأوردت بعض النماذج والأمثلة الصارخة للابتذال الذي يشيعه مدعو الابداع من تلك الأمثلة ما ذكره شاعرهم (المبدع) في سياق استهزائه بمآثر التاريخ الاسلامي: أدفن في غرناطة حبي, وأقول: لا غالب الا الحب! وفي ذلك اشارة الى قصر الحمراء بغرناطة, والجدران التي كتب عليها كلمة: لا غالب الا الله. الى مثال آخر لرمز (حداثي) آخر, في سياق تمجيده للزعيم الشيوعي لينين: وفي أقوال لينين وهي تلهم الأجيال, وتصنع الرجال, ألمحها في وطني تزلزل الجبال يا إخواني العمال. أما المثال البائس الأخير والذي أذكره هنا, فهو من الأمثلة التي يحرص على تكرارها الدكتور محمود الطناحي في سياق الاستشهاد بالعبث الثقافي مجال الشعر, والذي يقول: اتمضمض بالشمس وأحلب ثدي النملة, إني أعطس في أغسطس! أما تعليق أستاذنا الطناحي على ذلك فهو: إنها فجاجة وفساد يأخذ بعضه برقاب بعض! أزمتنا الثقافية تريد حلاً في ظل فوضى التعبير السائدة, واجتياز الدلالات الى ساحات غير دقيقة, بل وغير مفهومة, لا بد للمرء ان يستشعر حجم الخطر الذي يهدد اللغة العربية باعتبارها الوعاء لثقافة هذه الأمة, ومعبرة عن وجدانها وتاريخها وتراثها وصلتها الوثيقة بالدين الإسلامي والقرآن الذي نزل بها, وحتى يمكن صيانة اللغة من مظاهر العدوان عليها فلا بد من القول بسقوط دعوى التجديد والابداع والابتكار, أو الحرية في القول والتعبير, اذا كان ذلك يؤدي الى الاخلال بالقواعد والأصول التي تقوم عليها اللغة, والتي تعد بمثابة ضوابط تحمي اللغة من المخاطر. من المهم كثيراً في هذا الشأن التأكيد على أن الحرية التي يرتكب باسمها أولئك الكاتبون جناياتهم تلك لا تتيح لهم ذلك العدوان على اللغة, ولا على غيرها من الامور ذات الصلة بثقافتنا وهويتنا, حيث تأتي الخصوصية في مقدمة الامور التي يجب بث الوعي بشأن اهميتها والمحافظة عليها, ومن ثم كان الدفاع عنها مطلوبا ومشروعا, الامر الذي يدفعنا الى القول بتحديد مفهوم الحرية التي هي حق من حقوق الانسان, مع وضع ضوابط لاستخدام تلك الحرية في اطار مصلحة المجتمع وثقافته, مما يعني ان اي ضرر يمكن ان تلحقه تلك الحرية بثوابت اي مجتمع يجب ان يستدعى على الفور تدخلا لمنع اساءة استخدامها على ذلك النحو. لسنا في هذه الدعوة استثناء او شذوذا, فإن أصواتا من مجتمعات اخرى وثقافات شتى اخذت تعي هذه المسألة وبدأت تنادي بضرورة وقف ذلك العبث والفساد اللذين يمكن ان تؤدي اليهما الحرية المطلقة, خاصة اذا اسىء استخدامها. يلح على عند الحديث في هذا الموضوع كتاب زبينجو برجنسكي, مستشار الامن القومي الامريكي الاسبق, ووقفة المراجعة التي وقفها في ذلك الكتاب ازاء موضوع الحرية في المفهوم الغربي, ويقول في ذلك كانت المواطنة هي (الاطار لتعريف الحرية المدنية داخل المجتمع الديمقراطي) , ثم يعلق: ان هذا التعريف تكتنفه الاخطار اليوم, اذ ان الاتجاه المتزايد هو تعريف الحرية على انها تكديس للحقوق والمؤهلات, وعلى انها اجازة لأي شكل من اشكال التعبير عن النفس واشباعها. ثم يدعو برجنسكي بالحاح الى ضرورة اعادة فكرة الحرية المدنية المسؤولة منتقدا في الوقت نفسه فكرة الحرية الشخصية المرخصة بعمل اي شيء. كلام برجنسكي في شأن الحرية بشكل عام له صلة وثيقة بالحرية في التعبير او الكتابة, شعرا كان ذلك ام نثرا, لان ذلك يستدعي قضية المسؤولية والحساب عما يسطره الكاتب. ولاشك ان هناك شخصيات ومؤسسات علمية وثقافية تتحمل جانبا هاما في تلك المسؤولية, والمتمثلة الى حد كبير في احياء حركة النقد التي يجب ان تكون مهمة وقف العبث باللغة احدى اهم اولوياتها هذا الى جانب المهمة التي يجب ان تتولاها مؤسساتنا الاعلامية والثقافية في نبذ الدخيل وتقديم البديل الجيد المعبر عن هوية هذه الامة وخصائصها الثقافية والحضارية. مدير جامعة زايد بالانابة*