لابد ان تضع اعصابك في (ثلاجة)قبل ان تقرأ هذا المقال فكل كلمة فيه هي سفر على لوح من زجاج مكسور.. يمتلىء بالخناجر والشظايا ان لم تجرح قدمك جرحت اصابعك وان لم تجرح اصابعك جرحت قلبك, وان لم تجرح قلبك ذبحت ضميرك . ستخرج من دمعة الى دمعة اكبر وستجتاز حدود جرح قديم لتدخل في حدود جرح جديد ولكي تنجو من هذه الرحلة الزجاجية الدامية وتعود سالما يجب ان تكون قديسا او بهلوانا واغلبنا لايملك الموهبتين. لقد ترجمت (الهيئة العامة للاستعلامات) مؤخرا كتاب (الصورة الشائعة للعرب والمسلمين في الثقافة الشعبية الامريكية) وهو تقرير يجعلنا نبصق دما كتبه خبير شهير بالاعيب (الميديا) وخطورتها هو البروفيسور جاك شاهين.. المحاضر في معظم الجامعات الامريكية ومؤلف 300 كتاب في هذا المجال وقد نشر التقرير ــ الذي لايزيد على 95 صفحة ــ مركز التفاهم الاسلامي المسيحي (بجامعة) جورج تاون في واشنطن وفيه ابشع صورة يمكن ان نراها لانفسنا في عيون ومرايا الآخرين. انها صورة تنفجر قبحا وجهلا وكراهية يبدو فيها العرب والمسلمون قوما من الشياطين الارهابيين الذين سيدمرون بالتعصب والبداوة والجليطة الحضارة الغربية.. ليعيدوا البشرية الى عصر العبودية حين كان الرجل مثل شهريار.. اشهر بلطجي نساء عرفة التاريخ وقد كان ينبطح على بطنه وحوله جيش من الجواري والمحظيات يحملن المراوح ويرقصن له حتى الصباح.. او حتى تطير رقابهن. لكن اخطر واسوأ ما في هذه الصورة ان دارسي الاديان هناك يتصورون ان الاسلام ليس ديانة سماوية وانما ديانة وثنية يعبد اتباعها اله القمر.. ويسجدون له وهوعلى حد وصف احدهم (الدكتور روبرت موري) اله وثني تزوج الشمس وانجب منها النجوم التي هي بناته ـ انظر ص11 من التقرير. ومادام الاسلام كما يقولون ديانة وثنية وليس امتداد لليهودية والمسيحية فإن الطعن في الرسول صلى الله عليه وسلم مباح بلا حدود ــ من وجهة نظرهم ــ فهو مرة نبي لديانة مجنونة بالحقد والعنف وهو مرة اخرى نبي لديانة لاتحترم توقيع المعاهدات وهو مرة ثالثة نبي لديانة يتزوج فيها اتباعه والمؤمنون به (ستة وثلاثين عذراء ليشبع الواحد منهم رغباته) وقد نشر (جون لويد سيتفتر) الى جانب هذا التصور (رسما توضيحيا لنساء بدويات.. عاريات ومكتوب تحت الرسم (هذا ما يتوقع كل مسلم تقي ان يجد في الجنة ) ـ ص11. وبالارقام تكشف استطلاعات الرأي العام ان 42% من الامريكيين يرون ان المسلمين اتباع دين يتسامح مع الارهاب ويؤازره وان 47% يرون ان المسلمين معادون للغرب وان 62% يرون ان المسلمين يعرضون المرأة للتمييز والاضطهاد (ص9) ورغم ان العرب يمثلون 12% فقط من المسلمين فإن 70% من الامريكيين يرون ان ايران وافغانستان وباكستان هي دول عربية وهو ما يوحد صورة العرب وصورة المسلمين في صور واحدة. ولايعرف الامريكيون ان هناك قرابة 15 مليون مسيحي عربي من طوائف شتى يعشيون في البلدان العربية.. لاتشير اليهم السينما او الميديا الامريكية مع ان 30% فقط من العرب الامريكيين البالغ عددهم 3 ملايين نسمة مسلمون والبقية مسيحيون. وفي الولايات المتحدة حوالي ستة ملايين مسلم.. ومن المتوقع ان يزيد عددهم في نهاية هذاالقرن على عدد اليهود الامريكيين ليصير الاسلام بذلك ثاني اكبر ديانة في الولايات المتحدة بعد المسيحية, ورغم ان للمسلمين هناك 200 الف مشروع و 1500 مسجد و 165 مدرسة و 425 رابطة و 85 نشرة فإن صورتهم الشائعة في العقلية الامريكية هي صورة تجمع العيوب والنقائض من كل البشر من الارهاب الى تهريب المخدرات ومن قهر المرأة الى موالاة الطغاة ومن التعصب الديني الى تهديد الامن القومي ومن الوحشية والقسوة والالحاد الى خطف الطائرة وتفجير المباني العامة. باختصار هم يمسكون القنبلة في اليد اليمنى ويمسكون المصحف في اليد اليسرى ص16 ويجري اقحام هذه الصورة في السينما فهناك اكثر من 150 فيلما تقدم صورة العرب والمسلمين شبيهة بالاشباح تعرض شبكات التلفزيون منها مابين 15 ــ 20 فيلما اسبوعيا وفيها يوصف الواحد منا بالحيوان والخنزير والحثالة والارهاب وابن العاهرة والسوسة التي تنخر في الخشب والوحش المتشرد الذي يذبح الاطفال (ص15) وتتفجر عناوين الكتب ومقالات الصحف بما يدعم هذه الصورة السواء مثل (نيران الاسلام) .. الاسلام الملتهب (جذور الغضب الاسلامي) (الاسلام وتدمير الغرب) وفي كتاب المواد الاجتماعية الذي يدرسه التلاميذ في الصف السادس فصل عن الشرق الاوسط يصوره على انه ابل وخيام ونساء منقبات ويدرس التلاميذ فيه ان (الفتاة المسلمة التقليدية لا تذهب الى المدرسة) وان المرأة جارية لا تملك شيئا.. وعادة ما يسأل المدرسون الطالبات : اتحب احداكن ان تكون امرأة في الشرق الاوسط) وغالبا ما تكون الاجابة معروفة مسبقا؟ لقد اصبح العربي والمسلم هو الشرير الجديد الذي يكتسح الميديا والدراما والسينما الامريكية.. اختفى اليهودي البخيل الشره,, والايرلندي السكير.. والهندي المتوحش.. والسوفييتي القاسي والايطالي المجرم في عصابات المافيا.. والجنس الاسيوي الاصفر الذي يحترف القتل والافيون.. اختفى كل هؤلاء الاشرار وجاء الدور علينا لنحل محلهم وهو ما جعل الصحفي الامريكي جاي ستون يتساءل بمرارة: هل تخرج صورة العربي في عيوننا على انه واحد من ثلاثة.. مليونير او ارهابي اوعربيد؟ اين العرب والمسلمون العاديون في الميديا والسينما الامريكية؟ لقد آن الاوان لان تنتهي هذه الحرب غير المعلنة التي نخوضها بلامكاسب! في العشرينات كانت صورتنا هي صور البدوي المتوحش القاسي الذي يتاجر في العبيد.. وفي السبعينات اصبحت صورتنا هي صورة البدوي الثري العربيد النهم للنساء.. وفي التسعينات وصلت صورتنا الى صورة الارهابي الاصولي المتعصب الذي يصلي قبل ان يقتل الابرياء او يفجرهم انها صورة شخص همجي اشعث الرأس يتحدث بلكنة ثقيلة.. يشتهي ان يمتلك اموال العالم يشبه الخنزيز في ابتلاعه الطعام يقتل الاطفال بلا رحمة اذا لم يغتصبهم (16) وقد جعلت هذه الصورة العرب والمسلمين (العدو الاول للحضارة) والمتهم الجاهز في جرائم العنف والارهاب.. وفي التغطية الاعلامية.. ففي الانفجار الذي وقع في مدينة أوكلاهوما ــ في 19 ابريل 1995 والذي قتل وأصيب فيه حوالي 700 شخص ــ قال صحافيون ومسؤولون أمريكيون في البداية: ان الجناة هم أوناس من الشرق الاوسط.. ثم اتضح ان الجناة من الامريكيين البيض المتطرفين هما تيموثي مكفامي وبترس نيقولاس.. واتضح انه من بين 171 شخصا أدينوا بالارهاب في الثمانينات كان 11 شخصا فقط من العرب بنسبة 6% وفي التسعينيات كان 96% ممن أدينوا بالارهاب ليسوا عربا وليسوا مسلمين.. حسب تقرير للخارجية الامريكية صادر عام 1995. وبالرغم من ذلك يصر الكاتب اليهودي المتطرف أ. م. روزينتال في (نيويورك تايمز) على ان (كل الارهاب الموجه الى الولايات المتحدة مصدره الوحيد هو الشرق الاوسط) .. كان هذا في فبراير 1997.. وفي الشهر التالي نشرت صحيفة (ميامي هيرالد) كاريكاتيرا يصور مخلوقا يشبه القرد.. يطلق لحيته.. ويرتدي عمامة.. ويمسك هراوة.. مكتوب عليه كلمة (الاسلام) .. ومكتوب فوقها كلمة (كافر) وهو يقول: نحن نفجر النساء والاطفال الابرياء ونمزقهم أربا. واستغلت الاذاعة الالعاب الاوليمبية لمضايقة العرب والتشهير بهم.. في 23 يوليو 1996 قال المعلق الرياضي الاذاعي سكوت سلوان عبر الأثير.. انني أشعر بالسأم من الاوليمبياد.. وحينما ذهب محمد علي (كلاي) ليضيء الشعلة.. قال: خشيت ان يسقط محمد علي بالشعلة على شخص ملوث بالشحم من أبناء الشرق الاوسط ويفجر المكان. ولا تستجيب الميديا او السينما الامريكية لاحتجاجات العرب والمسلمين ولا تعتذر لهم حتى اذا ما أدركت انها أخطأت.. وهو ما يجعل حياة الملايين من العرب والمسلمين الامريكيين جحيما.. فبعد أي حادث ارهابي يتعرضون للتهديد بتفجير منازلهم ومحال أعمالهم.. وتلقى القمامة على المساجد.. وتسارع أجهزة الامن بالقبض على بعضهم.. ويعود الاطفال الى بيوتهم يبكون. ولاتكترث ادارة المدارس عادة بشكوى أولياء أمور الطلبة المسلمين والعرب من سوء معاملة أبنائهم الى حد قول ناظر مدرسة في مدينة لوس أنجلوس لوالدة طالبة اشتكت له من أن ابنتها تعود باكية من سوء معاملة زملائها لها: (اذا لم يعجبكم يا رعاة الابل البقاء هنا فأذهبوا الى الجحيم) ــ ص 26 من التقرير. وفي كلورادو اشتكت أسرة امريكية عربية مما جاء في كتاب التاريخ من أن (الاسلام دين مزيف) فرد الناظر بأنه سيقترح على الناشر ان يصف كل الأديان غير المسيحية بأنها أديان مزيفة) . ص 26. وفي ماريلاند تحدثت مدرسات عن أن المسلمين يؤمنون بآلهة كثيرة.. وان من القسوة ان يصوم الاطفال في رمضان. ــ ص 26. ولا يقتصر الأمر على الصحفيين ومنتجي الافلام.. بل يمتد الى بعض السياسيين الذين يعزفون نفس النغمة.. ففي اغسطس 1990 قال السيناتور ج. ج ايكسون (ان الحياة في العالم العربي ليست مهمة كما هي في العالم غير العربي) .. وفي يناير 1994 قدمت لجنة من الحزب الجمهوري تقريرا الى الكونجرس بعنوان (الاسلام ضد الكنيسة) . وهذه الصورة السيئة ليست مؤلمة نفسيا فقط وانما تساهم في كوارث سياسية أيضا.. فهذه الصورة هي التي جعلت جيفري هارت كاتب العمود في (واشنطن تايمز) يكتب قائلا: ان الرد الصحيح على هجوم ارهابي اسلامي هو شن هجوم فوري ومدمر ضد أي دولة شرق أوسطية (ص 25).. وهو ما حدث فيما بعد على السودان.. وهو ما يجعل العالم مستريح البال.. نائم الضمير والحصار مستمر على ليبيا والعراق.. كذلك استخدام هذه الصورة في سرعة قبول الكونجرس لفكرة قانون حماية الأقليات غير المسلمة في الشرق الاوسط.. وفي الاصطياد في الماء العكر وهم يتحدثون عن أقباط مصر. والمثير للدهشة والاستياء ان الافلام الامريكية التي تشوه صورتنا تعرض في دور السينما والفضائيات العربية وهو ما يؤثر في نفسية الأجيال الشابة.. وما يشجع على انتاج مزيد من هذه الافلام انها ستدر للولايات المتحدة مع نهاية هذا القرن 200 مليار دولار.. نصفها يأتي من الخارج ــ ص 29. ولايهتم أحد في الولايات المتحدة بكل الاحتجاجات والاعتراضات من جانبنا على هذه الصورة.. فنحن في نظرهم (جنس في طريقه الى الانقراض) او جنس خطابي ينفعل لغويا ولكنه في النهاية لا يفعل شيئا, وهو في النهاية سيهمد كما تهمد فقاعات الصابون. كلنا بضاعة واحدة في نظرهم.. نذوب جميعا في كؤوسهم وفي هواهم ونتحول الى سائل واحد لا لون.. ولا رائحة.. ولا طعم له.. فعشقنا في نهاية الامر هو من طرف واحد. وقد تكون الصورة رهيبة.. وقبيحة.. وسوداء.. ولا انسانية.. فيها الكثير من التعسف والتعمد وسوء النية.. لكن.. لابد أن نعترف بأننا ساهمنا فيها.. وأعطينا مئات الفرص لتثبيتها. فقد استغلت بعض الجماعات المتطرفة الدين استغلالا واضحا وراحت تقتل وتفجر وتذبح وتهدد.. وفي عالم ضاق بتكنولوجيا الاتصالات راحت الصورة تكبر وتنمو وتتضخم حتى شملتنا جميعا. وفي عصر الديمقراطية وحقوق الانسان نجد حركة طالبان في افغانستان ــ وهي محسوبة في عيون الغرب على الحركة الاسلامية مهما أنكرنا ــ تشنق خصومها بغير محاكمات.. وتحرم الغناء وتمنع التلفزيون وتعزل النساء في الكهوف وتجبر الرجال على اطلاق لحاهم.. والحقيقة ان من يشاهد انصار حركة طالبان على شاشة التلفزيون لا يجد اختلافا واضحا بين صورتهم وصورة المسلمين في العقلية الامريكية.. والمؤكد ان هناك أخطاء في التعميم.. لكن منذ متى والناس في الغرب تفرق بين مسلم معتدل ومسلم متطرف.. ولا بين عربي يؤمن بالعلم وعربي يؤمن بالخرافة؟.. ان الملامح السيئة في الصورة العامة للشعوب تعم. وأغلب الشخصيات المشهورة في الغرب لا تسر.. عمرعبد الرحمن.. حسن الترابي.. صدام حسين.. وعندما تبرز شخصية لامعة على مستوى الكون مثل نجيب محفوظ نجد خنجرا قد رشق في رقبته. ولسنا في حاجة الى تكرار ما فعله قتال المسلمين والمسلمين في الحرب بين ايران والعراق.. وقتال العرب والعرب في حرب الخليج الثانية.. والتوتر المستمر بين العرب والمسلمين على الحدود السورية التركية.. فلو كنا نحن المسلمين والعرب نذبح أنفسنا بأنفسنا فلماذا نطالب العالم بان يعاملوننا برفق وسماحة وموضوعية؟ وعندما تطل الميديا الغربية لتعرف القضايا التي تشغلنا لا تجد سوى الختان وتكفير الكتاب والاصرار على عودة المرأة الى الظل تمهيدا لفرض المزيد من النفوذ لشهريار.. ان شهريار ليس خرافة ولا وجها فلكلوريا مستوردا من الف ليلة وليلة.. انه موجود في خبزنا اليومي وطعامنا وهو يخرج الينا أحيانا من رغوة الصابون وشاشة التلفزيون.. هو ليس صورة مجازية.. ولا فصلا من التاريخ القديم.. انه جزء متزايد من تاريخنا المعاصر. لقد تعودنا ان نلقي المسؤولية على الاستعمار واللوبي اليهودي وقوى الشر التي تتربص بنا.. ونحن لا نعفي كل هؤلاء من المسؤولية.. ولكن لانعفي أنفسنا منها أيضا.. ان البكتريا لا تهاجم الا الجراح والاماكن المفتوحة في الجسم.. وقبل ان نلومها ونصرخ من هجومها علينا اغلاق الجراح ومعالجة العيوب.. وسد الثغرات.. علينا ان نبدأ بأنفسنا.