لم يحدث في عالمنا العربي ان اختلف الناس بجميع مستوياتهم العلمية وتوجهاتهم الفكرية حول شخص كما اختلفوا حول شخصية الزعيم الراحل جمال عبدالناصر . وأسباب الخلاف كثيرة, ولكن الغريب ان تستمر حتى بعد 28 عاما من وفاة ناصر. ولا أدعي بأنني ناصرية الا من حيث انتمائي الى ذلك الجيل الذي ولد على أطراف العهد الناصري ــ اذا صح التعبير ــ ومن حيث ايماني المطلق بذلك الحلم العربي الذي عاش لأجله ناصر ومات ايضا بالرغم من كل ما قيل وما سيقال حول هذه النقطة. لا أريد الدخول في متاهات الحديث عن جمال عبدالناصر الموديل أو النموذج العربي المفتقد حاليا, ولكنني تابعت حوارا من هذه الحوارات التي تدور في مناسبات كذكرى وفاة ناصر وحرب اكتوبر, وشدني في الحوار أمران: الأمر الأول: ان الحوار كان يدور في مجمله وتفاصيله عن تجربة عبدالناصر القومية, وكان المكلفون بتقييمها في الحوار التلفزيوني رجلين من اتجاهين متعارضين تماما في كل شيء, وهنا يقع المشاهد في متاهة حقيقية محورها هذا السؤال: من يصدق ومن يكذب؟ ومع من يقف؟.. والذي يقع في هذه المتاهة هم جيل ما بعد ناصر ممن يراد تفريغهم من كل محتوى وتوجه وانتماء, لسكبهم بعد ذلك في القوالب المعدة لهم سلفا. الأمر الثاني: تلك المشادة التي حصلت بين الرجلين! فحين سأل مقدم أو مدير الحوار: لماذا تعلقت الجماهير العربية بعبدالناصر؟.. أجاب القيادي الناصري: لأنه كان يعبر عنهم وعن الحلم العربي الذي كانوا يسعون اليه وكان هو تجسيدا واقعيا لهذا الحلم. هنا تدخل الطرف الثاني في الحوار وهو السكرتير العام لحزب الوفد المصري معلقا: لا داعي لهذه النبرة العاطفية أو الشاعرية, نريد أفعالا وتفكيرا منطقيا موضوعيا (والرجل دكتور في علم الاقتصاد). هنا أجدني منساقة وراء أطروحات القيادي الناصري, ليس حبا في الناصرية وعبدالناصر, ولكن ايمانا بأن الحياة في مجملها, وفي مشهدها السياسي تحديدا لا يمكن كتابتها بشكل صحيح بلغة واحدة هي لغة العقلانية والمنطقية. ليس لأن العقلانية والمنطقية والحتمية... الخ أساليب تفكير وعمل باطلة, فالعكس هو الصحيح, لكن اعتمادها لغة رسمية وحيدة لمشهد الحياة العام توجه غير صحيح اطلاقا. العقلانية والحتمية والموضوعية هي التي جعلتنا نعامل (اسرائيل) كدولة وكواقع موضوعي, وهي التي جعلتنا نفكك تاريخنا ورموزنا ونشوه كل رصيدنا التاريخي في سبيل الموضوعية والعلمية, وهي نفسها التي تدفعنا لتسويق نماذج حياتية وثقافية لا تمت الينا بصلة, فقط لأن الحتمية والواقعية تقولان بضرورة هذا التسويق لمسايرة العصر, وها نحن ننغمس في (حتمية) العولمة بلا داع على الاطلاق. نحتاج لشيء من العاطفية والشاعرية, لننتمي لقضايانا, وندافع عن رموزنا وثوابتنا ومجمل تفاصيل حضارتنا, أما ان يصبح التراث زجاجة بيبسي كولا, ويصبح الوطن (كوفي شوب) , وتتحول الثوابت الى أفلام (موفي) أمريكية, والرموز والنماذج الى هنود حمر قابلين للاعدام والانقراض.. فهذا هو اللاموضوعي واللاعقلاني تماما.