يشير التوتر الحالي بين سوريا وتركيا والذي قد ينقلب الى حرب بين البلدين, الى أي حد هو الوضع معقد ومشحون في المنطقة . وبحيث ان أقل تغيير في التوازنات السياسية أو العسكرية القائمة يمكنه ان يشعل فتيل نزاع ليس بامكان أحد ان يتوقع نهايته أو آثاره المدمرة. وهذا يؤكد خطورة الابقاء على النزاعات والمشاكل بين الدول دون حل أو اكتراث جدي. الاتهامات التركية لسوريا بسبب الأكراد ليست جديدة بطبيعة الحال, فقد ظلت أنقرة تشتكي من ان جارتها تدعم حزب العمال الكردستاني وتوفر المأوى لقيادته. وسوريا لم تغير موقفها ايضا, فقد دأبت على نفي هذه الاتهامات وارجاع الشكاوى الى متاعب تركية داخلية. اذن قد يبدو لأول وهلة انه ليس هناك ما يدعو أنقرة لتصعيد الخلاف القديم الى هذا المستوى المتفجر والقريب من الحرب. نقول لأول وهلة, غير ان الأمر للأسف الشديد ليس كذلك, فالاتراك يشعرون من الجانب الآخر بالقلق جراء السياسة الامريكية الجديدة في شمال العراق, والقائمة على مساعدة الجماعات الكردية العراقية على تعزيز كيانها المصطنع. وهذا أمر يزعج تركيا, لأنها ترى فيه بذور دولة كردية قادمة في جنوب وشرقي هضبة الاناضول. وربما كانت أنقرة تعرف عن النوايا الامريكية أكثر بكثير مما هو معلن حتى الآن, أو ربما تتوقع حدوث تطورات جديدة في المنطقة غير مسيطر عليها. وبالتالي تشعر انها باتت في سباق مع الوقت للتخلص من حزب العمال الكردي, أو على الاقل تحجيم نشاطاته الى أدنى حد ممكن. وهي قادرة على القيام من وقت لآخر بعمليات عسكرية في شمال العراق حيث توجد معسكرات لهذا الحزب وقواعد انطلاق لنشاطاته. بيد ان هذه العمليات أثبتت عجزها عن تحقيق الاهداف التركية, ولا يبدو انها قادرة في أي وقت على القضاء على ذلك الحزب. وهي أوضحت من الجانب الآخر ان قوة حزب العمال لا تكمن فحسب في شمال العراق, وإنما هي موجودة ــ حسبما تقول أنقرة ــ في معسكرات للتدريب في لبنان ومكاتب لقيادته في سوريا. كما انها موجودة في عدد من الدول الأوروبية مثل ألمانيا حيث توجد جالية كردية كبيرة, وايطاليا التي أذنت مؤخرا للبرلمان الكردي في المنفى والتابع لحزب العمال الكردستاني ان يعقد اجتماعاته في قاعات البرلمان الايطالي. وهناك كذلك تسهيلات تقدمها اليونان لعناصر هذا الحزب, كتسهيل المرور والتحرك عبر أراضيها. بمعنى آخر فإن تركيا لا تواجه دولة أو ساحة بعينها وإنما معركتها هي على امتداد رقعة كبيرة, وان لم تكن تتفاوت في الأهمية والحجم والخطورة. وحتى وقت قريب كانت الحكومة التركية قادرة على تحمل المتاعب الناتجة عن المواجهة, فالوجود الكردي في أوروبا يظل في النهاية محصورا في الاطار الاعلامي والسياسي والتمويل المالي, غير ان هذا الوجود يكتسب أهميته في رقعتين أخريين هما لبنان وشمال العراق. ففي الأولى يتم اعداد المقاتلين وتدريبهم على المهارات العسكرية, وفي الثانية توجد القواعد التي ينطلق منها المقاتلون لمهاجمة أهدافهم داخل تركيا. ويمكن القول ان هاتين الرقعتين هما الاضعف والأهم في الوقت نفسه في سلسلة الوجود الكردي كله. ومن هنا فإن مهاجمة شمال العراق أو تهديد سوريا بالحرب, يراد لهما استباق أي تطورات غير مرغوبة في شمال العراق. وفي هذا الصدد نستطيع القول بأن التهديدات التركية ليس مقصود بها سوريا فحسب, وإنما في الواقع وعبرها جميع الدول التي تقدم المساعدات للأكراد. انه صوت المخاوف التركية الدفين الذي لا تستطيع ان تصرخ به سوى في وجه السوريين, غير ان هذا الصراخ قد يتحول الى أعمال حرب حقيقية في حالة الشعور باليأس والاحباط. وهو ما نأمل ان يبدده تدخل العقلاء والحصفاء من أهل المنطقة, ثم تتكفل البلدان بحله عبر التفاوض والحوار. كاتب وصحافي بحريني*