شنت رموز الحكم والمؤسسة العسكرية في تركيا هجوما حادا على سوريا بزعم استمرار دمشق في ايواء مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي يخوض منذ فترة حربا ضارية ضد الدولة التركية من أجل اجبارها على الاعتراف بحقوق الاقلية الكردية في تركيا , وكان من الاسباب الاخرى للهجوم الاعلامي التركي والذي وصل الى حد التصعيد الشديد وحشد القوات التركية المسلحة على طول الحدود مع سوريا, ان الأخيرة: تقدم المساعدات العسكرية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني والذين يتخذون من وادي البقاع اللبناني مقرا لهم, كما تتهم المصادر الرسمية السياسية والعسكرية التركية سوريا بغض الطرف عن الاسلحة التي تدخل الى مقر الحزب المزعوم في وادي البقاع, هذا فضلا عن اتهام أنقرة لدمشق والذي لا يستند الى معلومات موثقة بالتغاضي عن اقامة عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في البقاع وسط قواته, وبأن دمشق تستخدم هذا الأمر كورقة ضغط ومساومة ضد تركيا لاثنائها عن المضي في مشروعات شرق الأناضول التي تحصل من خلالها تركيا على النصيب الاكبر من نهري الفرات ودجلة وبما يؤثر سلبيا على حصتي سوريا والعراق من مياه النهرين. غير أن توقيت التصعيد الخطير ولهجة التهديد المتغطرسة التي وجهتها تركيا الى سوريا في الأيام الماضية تشير الى دلالات بالغة الحساسية والخطورة, فلم نتعود هذه اللهجة المتعجرفة قبل سنوات عندما كانت تركيا ضعيفة في قدراتها العسكرية والتي كانت تتميز بتقادم نظم الدفاع والاسلحة, وحتى الفترة التي عاصرت أزمة وحرب الخليج الثانية ومابعدها لم تعرف تصاعد التهديدات التركيز ضد سوريا الى حد أن يعلن رئيس الأركان التركي ان بلاده في حرب غير علنية مع سوريا, وأن تقوم تركيا بتحريك قواتها المسلحة الى الحدود السورية والاعلان عن اجراء مناورات عسكرية على طول هذه الحدود في نفس الوقت الذي يجري فيه حلف الناتو مناورات عسكرية في بحر ايجه. هذا فضلا عن أن المسؤولين الاتراك لم يعيروا اهتماما بالتصريحات الامريكية التي دعت الى نزع فتيل التوتر وضبط النفس وعدم تصعيد الموقف حفاظا على الاستقرار الاقليمي, ورغم أن ما ذكره المسؤولون الامريكيون لم يتضمن ادانة واضحة للتهديدات التركية لسوريا. ومما يثير الريبة والشك في توقيت هذه التهديدات هو صمت اسرائيل التام وعدم صدور أية تعليقات من قبل حكومة نتانياهو ووزارة الدفاع الاسرائيلية وهو أمر نادر في مثل هذه الحالات. لا يوجد جديد في الخلافات التقليدية ان التساؤل عن الدوافع الحقيقية للتصعيد التركي ضد سوريا وعن توقيت هذا التصعيد تنبع أهميته من ان مصادر الخلاف والتوتر بين البلدين كانت قائمة ومعروفة وكان كل من الطرفين يعود اليها من وقت لآخر ولم يحدث ان اقترنت التصريحات والمواقف التركية التي تبرز اسباب النزاع مع سوريا بلهجة تهديد أو نبرة التصعيد ولم يصل الامر الى حد حشد قوات عسكرية على الحدود مع سوريا. فقد بررت تركيا استيلاءها على الجزء الاكبر من مياه الفرات في اطار مشروعات تنمية شرق الاناضول (جاب) واقامة سدود عديدة لحجز المياه, والقسم الاعظم منها بدقة, عن سوريا والعراق, وأهم هذه السدود (سد أتاتورك) .. بررت تركيا ذلك بمزاعم لا تتفق مع قواعد القانون الدولي التي وضعتها لجنة هلسنكي, وكذلك النصوص الواردة في اتفاقيات دولية لتقاسم المياه السطحية بين الدول المشاطئة للانهار الدولية, ومن أهم هذه المزاعم ان تركيا كدولة منبع تتوافر لها مزايا استراتيجية واقتصادية تجعلها تحتفظ بنسبة كبيرة من مياه الفرات خصوصا لتنمية مواردها المائية والكهربائية والزراعية والحيوانية, ومن هنا ترفض تركيا تقاسم مياه الفرات ودجلة مع سوريا والعراق. كما ترفض الالتزام بالمبادىء التي اتفقت بشأنها مع سوريا والعراق منذ الخمسينات, وزاد الامر سوءا اعلان تركيا عن عزمها بيع المياه لاسرائيل في (مشروع انابيب السلام) ورغم ادعاء تركيا بأن هذه المياه سوف تأتي من نهري جيجون وسيحون الداخليين الا ان النوايا التركية التي لا يمكن الثقة بها تدفع الى الشك في ان تمتد اطماعها الى حد نقل مياه الفرات ودجلة الى اسرائيل. ومن جانب اخر فانه لا يوجد جديد في الاتهامات التركية لسوريا بمساندة حزب العمال الكردستاني حيث تقوم تركيا من آن لآخر بتحريك حملاتها العسكرية الى شمال العراق منتهكة سيادة الدولة العراقية لمطاردة قوات حزب العمال الكردي, ومطامحه الى اقامة شريط حدودي عازل على غرار اسرائيل في جنوب لبنان هذا بالاضافة الى عدم وجود شيء جديد في سعي المؤسسة العسكرية التركية الى تحقيق اهداف داخلية لتكريس سيطرتها على المجتمع السياسي والاحزاب السياسية والحكومة التركية ولتثمين تحالفها العسكري مع اسرائيل تحت اعتقاد خاطئ بان تقوية التوجه العلماني المفروض عسكريا يستلزم اقامة تحالف استراتيجي مع اسرائيل واضعاف العلاقات مع الدول العربية والاسلامية, وعدم السماح بتكرار ما فعلته حكومة نجم الدين اربكان ذات المنحى الاسلامي والتي اجبرها الجيش التركي على الاستقالة. اتفاق واشنطن واصابع اسرائيلية يبدو ان التفسير الاقرب الى الدقة للتصعيد التركي الخطير ضد سوريا ينبع من ظواهر غير معلنة وان كانت ذات علاقة مباشرة بهذا التصعيد, فبعد سنوات قليلة من التعاون العسكري التركي الاسرائيلي وصل هذا التعاون الى حالة التحالف الاستراتيجي شبه الشامل, فطبقا للاتفاق ومذكرة التفاهم اتفق الطرفان على القيام بزيارات متبادلة ومنتظمة بين القيادات العسكري رفيعة المستوى من جانب, ومن جانب اخر يجري الطرفان مناورات عسكرية مشتركة بصفة منتظمة وخصوصا في الاراضي التركي وباهداف مريبة منها القيام بغارات جوية في العمق لمطاردة قوات معادية مما يقوي الاعتقاد بأن الهدف هو الضغط على سوريا وتهديدها الى حد اجبارها على عدم استخدام ورقة حزب العمال الكردستاني ضد تركيا, كما نص الاتفاق على التطوير تقانيا ومعلوماتيا لنظم الدفاع والمراقبة والانذار المبكر التركية من قبل الجيش الاسرائيلي وشركات صناعة السلاح الاسرائيلية, وكذلك قيام اسرائيل بتطوير طائرات اف ـ 5 التركية والتصنيع المشترك للدبابة الاسرائيلية من طراز (ميركافا) وللصاروخ الاسرائيلي المضاد للصواريخ (حيتس) او السهم. بيد ان الخطير في التحالف الاستراتيجي الاسرائيلي ــ التركي والذي يرجح ان تكون نتائجه قد اثمرت بقوة في هذه الايام وكان وراء التصعيد العسكري والسياسي التركي ضد سوريا, وهذا الشيء الخطير هو ان الاتفاق سالف الذكر تضمن تعاون الطرفين في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية والامنية وكذلك بخصوص التحركات والتصرفات التي يرى الطرفان انها تضر بامنه القومي, وبالطبع فان المقصود او المستهدف من هذا الموضوع الخطير هو سوريا بالدرجة الاولى ثم العراق, حيث توجد مصالح مشتركة ومتشابهة لكل من تل ابيب وانقرة في حصار وتطويق سوريا والضغط عليها من اجل تقديم تنازلات كبيرة سواء في مباحثات التسوية السلمية الثنائية او متعددة الاطراف, او في موضوع وجود حزب العمال الكردستاني في وادي البقاع اللبناني, ومن هنا فان المرجح بقوة ان تكون اسرائيل امدت تركيا بمعلومات وادلة مزعومة من تحركات سورية مفاجئة لدعم مقاتلي حزب العمال بل والزعم بأن سوريا سمحت لبعض هؤلاء باستخدام الحدود السورية للانطلاق منها الى الحدود التركية, وهذا ما اتضح بجلاء من مزاعم تركية باندهاش مصادر عسكرية في انقرة من الظهور المفاجئ لمقاتلين من الحزب في منطقة وهاتاي الحدودية التركية وقد سبق ان حدثت فضيحة عميل الموساد الذي امد الجهاز بمعلومات خاطئة عن استعدادات عسكرية سورية و اعترفت قيادة الموساد بذلك. يضاف الى ذلك سبب اخر يتعلق باتفاق واشنطن الذي اشرفت عليه وقادته ادارة كلينتون ووزيرة الخارجية الامريكية اولبرايت بين حزبي الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني بزعامة طالبان والبارزاني, فهذا الاتفاق الذي ابرم منتصف سبتمبر الماضي تضمن التأكيد على اقامة اتحاد فيدرالي في العراق بما يكرس تقسيم البلاد الحالي, وقد عارضت تركيا بشدة الاتفاق ليس فقط لان واشنطن لم تشركها في اي من مراحل التفاوض ولكن ايضا لمخاطره على وحدة سلامة العراق وبما يكفل اعطاء مبرر للاكراد بالمطالبة بنفس الامر وبحقوق اكثر للحكم الذاتي بل قد يصل الامر الى حد الانفصال خصوصا وان الاكراد في تركيا هم اكبر الاقليات الكردية في المنطقة عددا وانتشارا من الناحية الجغرافية والاستراتيجية, اذ يبلغ تعدادهم مالا يقل عن 12 مليون نسمة. هذا فضلا عما ابدته المصادر الرسمية التركية من الالم والمرارة لتقليل دور تركيا في تسوية المشكلة الكردية في العراق, ولان البارزاني لم يستجب لنصيحة انقرة لدى زيارته لها قبل توجهه الى واشنطن بتجنب الزام نفسه بأية صيغة بسيادة العراق وسلامة اراضيه وعدم نسيان ان العراق, عاجلا او آجلا, سيعيد فرض سيطرته على شمال البلاد, والمح المسؤولون الاتراك الى احدى النتائج السلبية لاتفاق المصالحة بين حزبي الاكراد العراقيين المتنازعين, والذي الهيمنة الامريكي يدعم على تقرير مصير العراق, وهي ان تركيا قد تواجه صعوبات ملموسة تتمثل في معارضة الحزبين الكرديين العراقيين للعمليات التي تشنها تركيا عبر الحدود مع العراق وفي عمق شمال الاراضي العراقية ضد قواعد حزب العمال الكردستاني هناك. ومن هنا يمكن القول ان تركيا التي تدرك هذه الصعوبات المحتملة بقوة تتجه الى تهديد سوريا والضغط عليها من اجل طرد قوات حزب العمال الكردستاني المعارض من وادي البقاع, وتجد في ذلك مصلحة مشتركة مع اسرائيل التي تريد من سوريا ان تقبل بشروطها بخصوص المرتفعات السورية وحزب الله والوجود السوري في لبنان. استاذ بكلية الاقتصاد جامعة القاهرة*