يعلق اللبنانيون امالا كبيرة جدا على الاستحقاق الرئاسي القريب, ويعتبرونه ــ اسقاطا لرغباتهم ــ بداية لتغيير لابد ان يحصل ــ وسوف يحصل ــ في البلد, وقد غذى هذه الآمال عندهم الكلام السوري عن تغيير يجب ان يحصل في لبنان لذلك فقد باتوا يربطون التغيير والحلول بـ(الشخص)ويتعاملون مع الرئيس العتيد سلفا بوصفه(مخلصا)و(منقذا)ويفترضون ان له قدرات عجائبية لا صلة لها بداهة بصلاحياته الدستورية من ناحية وبالمعادلات التي تحيط به من ناحية ثانية. السؤال الذي يطرح نفسه فعلا هو الآتي: ما المنطقي توقعه وتطلبه بمناسبة الاستحقاق الرئاسي او بالاصح ما الواقعي فعلا, وذلك وضعا لحد فاصل بين الواقع والوهم بين المنطق والمبالغة؟ الرئيس الماروني القوي وفلسفة الصيغة تشكل مارونية الرئيس مسألة محورية في الصيغة في لبنان, اذ كانت ولا تزال العنوان الاهم لما يسمى عادة الخصوصية اللبنانية في هذا الشرق. فقبل الطائف كان الرئيس مارونيا ــ بالعرف ـ ويتمتع بصلاحيات دستورية شاملة جعلت النظام السياسي نظاما شبه رئاسي وبعد الطائف بات الرئيس مارونيا ــ بالنص ــ واستمر يحظى بصلاحيات واسعة كما يؤكد ذلك قادة مسيحيون كثر. وعندما تكون مارونية الرئيس مثبتة على هذا النحو, وتثبيتها منطلق من فكرة الصيغة وفلسفتها, لا منطق في ان يكون الرئيس بلا وزن في بيئته وطائفته بل من المنطقي ان يكون الرئيس قويا في طائفته اولا. كان يمكن قبل الطائف ان يتحول رئيس غير قوي الى رئيس قوي بفعل ممارسته لسلطات دستورية شاملة وعلى اية حال لم يحصل هذا الامر بشكل دائم. اما اليوم بعد الطائف فمن الطبيعي والمنطقي ان يكون الرئيس ذا قدرة تمثيلية لبيئته بحيث يرى فيه الموارنة ممثلا لهم في معادلة الصيغة. التوازن الطائفي المعزز من ضمن الأزمة؟ من المنطقي اذا تطلب رئيس نزيه متجرد نظيف الكف... وذي قوة تمثيلية لطائفته. على اننا نسارع فورا بعد ذلك الى التساؤل: اذا كان مثل هذا التطلب منطقيا ضمن الواقع الراهن وبالعلاقة مع فلسفة الصيغة الراهنة, فهل يشكل ذلك الحل؟ قلنا غير مرة ونقول اليوم ان مايسمى (التوازن الطائفي) ان هو الا استحالة التوازن يفترض ان الميزان يشتغل كل يوم, لكن ليس هذا فقط فهو العنوان الفكري للمحاصصة, والمحاصصة ليست في واقع الامر سوى شكل من اشكال الحرب الاهلية الباردة الى هذا الحد او ذاك. ولا يمكن في اعتقادنا الحديث عن توازن الا في معرض الحديث عن توازن سياسي ــ وطني بين كتل وتيارات سياسية مختلطة والتوازن هذا تقرره عملية ديمقراطية. من هنا اذا حصل ان اتى رئيس ماروني قوي في طائفته اولا فان تجربة جديدة لما يسمى التوازن الطائفي بعد الطائف ستحصل, ستكون هذه التجربة الجديدة موضع متابعة ومراقبة ومواكبة بلا شك لكن يبدو ان هناك نقطتين يجدر ايرادهما سلفا. النقطة الاولى قلنا ان التوازن الطائفي محاصصة لا نهاية لها فهل يشكل تعزيز التوازن المذكور برئيس ماروني قوي للجمهورية انهاء للمحاصصة او بالادق هل يشكل ضمانة لانهائها؟ ذلك سؤال لا يسعنا الجواب عنه بالايجاب فورا. وهل يشكل ضمانة لفصل السلطات وتوازنها؟ وهنا ايضا يبدو ان الجواب معقد خلال السنوات التسع الماضية, وفي ظل الخلل في التوازن الطائفي كان واضحا ان الطائفتين الاسلاميتين السنية والشيعية تنازعتا فيما بينهما لوراثة الامتيازات السابقة في وقت كانت الطائفة المارونية في مرحلة ارتجاج فادى نزاع الطائفتين الى صراع بين المؤسسات الدستورية, وكان حله (هذا الصراع) يؤدي الى تداخل السلطات, بين حدي الصراع والتداخل لم يشتغل الدستور كما يجب ان يشتغل فعلا. التوازن الطائفي المعزز برئيس ماروني قوي للجمهورية من شأنه ان يصحح خلل التمثيل المسيحي في الرئاسة الاولى لكنه وحده لا يشكل ضمانة لاشتغال الدستور والضمانة هنا من امرين: توقف المحاصصة, وقيام المؤسسات في اطار مشروع للدولة. اما النقطة الثانية فهي ان تجربة تعزيز التوازن الطائفي برئيس ماروني قوي للجمهورية تبدو مفتوحة على احتمال ان تجدد الازمة السياسية في البلاد اي ان تبدو في امتداد ازمة التوازن الطائفي وضمنها اي ان تبدو مشروعا سياسيا مستحيلا. ماذا نقصد مما تقدم؟ فيما نعتبر انه من المنطقي تطلب رئيس نزيه وقوي في طائفته بالعلاقة مع فلسفة الصيغة وفلسفة التوازن الطائفي لا نرى انه من المنطقي توقع تغيير آلي فعلي في الوضع لان التجربة المحتملة على هذا الاساس ومن منطلق فهمنا لمقولة التوازن الطائفي مرشحة لاعادة انتاج الازمة التي عاشها البلد بعد الطائف. المطلوب انتاج التوازن السياسي ــ الوطني والسؤال الذي يطرح نفسه بعد ذلك: ما المطلوب؟ نفترض ان الاتيان برئيس نزيه وقوي يحدث صدمة ايجابية في الاوضاع ويعطي دفعا سياسيا جديدا هذا ما يجب ان نؤسس عليه كلبنانيين بالفعل. بهذا المعنى من المنطقي ان يعتبر اللبنانيون انتخاب رئيس هكذا مدخلا الى امور عدة. مدخل الى وفاق وطني متجدد اولا ينعكس في حكومة وفاقية منسجمة على مشروع للبلد. ومدخل الى تجديد الحياة السياسية في لبنان. ان المناخ الذي يخلقه مجيء رئيس جديد للجمهورية يجب ان يكون مناخا مؤاتيا لانطلاق حركة سياسية ــ ـحزبية تخرج من النطاق الطائفي ــ المذهبي وتطلق دينامية اختلاط في المجتمع اللبناني اي تطلق تيارا معاكسا للحالة الطائفية ـ المذهبية. وتجديد الحياة السياسية في هذا الاتجاه من شأنه ان يهيىء الظروف لتسوية سياسية متجددة لطائف ما اخر لطائف لبناني اذا جاز التعبير. وكل ذلك مدخل الى انتاج توازن سياسي ــ وطني فوق الانقسامات الطائفية, والى اعمار الداخل اللبناني ذلك ان الداخل اللبناني فقد مزيدا من مناعته باسم فلسفة (التوازن الطائفي) التي قضت فيما قضت بحكم خارجي دائم وبهذا المعنى نعتبر ذلك مدخلا الى ما نسميه باستمرار استعادة السياق الطبيعي لانتاج السلطة في لبنان انتاجا داخليا على توازن سياسي ــ وطني.