يصعب على المراقبين متابعة الاضطرابات التي يشهدها الاقتصاد العالمي دون التفكير فيما يمكن ان نطلق عليه مرحلة الكساد الكبرى, ذلك ان هناك العديد من اوجه الشبه التي تدعو للقلق بين ما يحدث الآن على الساحة الاقتصادية العالمية وما حدث في مطلع الثلاثينات من القرن الحالي, وكلها تشير إلى اننا نتعامل مع قوى هائلة تستعصي على الفهم ولا يمكن السيطرة عليها بصورة كاملة. وعادة ما ارفض فكرة التشابه في اوجه الكساد خاصة وانها تطفو على السطح وتصبح واضحة للعيان عندما يعاني الاقتصاد من الضعف, وغالبا ما تمثل سوء استخدام متهورا لمفردات اللغة, فمرحلة الكساد الكبرى لم تكن ابدا مجرد فتور في النشاط الاقتصادي, وانما كانت اسوأ كارثة اقتصادية في تاريخ العصر الصناعي الذي تعود بداياته إلى القرن الماضي, لقد انخفض الناتج القومي الامريكي بمعدل 30% خلال الفترة الممتدة من 1929 إلى 1933 وقفزت معدلات البطالة من 3% إلى 25%, بينما كل حالات الركود في فترات ما بعد الحرب لم يتعد اعلى معدل للبطالة 9.7% سنويا وكان ذلك عام 1982. إذن .. ما هو الداعي للمقارنة الآن لن تكون الاجابة ان بعض اوجه الشبه الواضحة ــ بدأت مع انتعاش اسواق المال ــ اسفرت عن نفسها بجلاء بين, ذلك انه في حقبة العشرينات من القرن الحالي ارتفع متوسط مؤشر داو جونز الصناعي بمعدل 344% وذلك من 27 اكتوبر 1923 إلى 3 سبتمبر 1929 في حين بلغت نسبة انتعاش الاقتصاد في العقد الحالي 295% حيث وصلت إلى ذروتها في 17 يوليو لتسجل 9337097. ولن تكون الاجابة ــ كما يعتقد معظم الامريكيين ــ هي ان امريكا وصلت لمرحلة الرخاء الدائم, ان التفسير الاصلح لما يحدث هو ان هناك دولا عديدة تواجه حالات قوية من الكساد الاقتصادي, ففي العام الحالي سينخفض اقتصاد اندونيسيا بنسبة 15% واقتصاد كوريا الجنوبية بنسبة 7% وتايلاند بنسبة 8% وذلك طبقا لتقديرات صندوق النقد الدولي, أما روسيا فقد عانت معظم سنوات التسعينات من حالات حلزونية من الهبوط الاقتصادي. بيد ان هذه التراجيديات بمفردها لا تستدعي بالضرورة اسباب مرحلة الكساد الكبرى, ان ما يبرر اوجه المقارنة حقا هو ان سلسلة الانهيارات الاقتصادية ترتبط ويعتمد بعضها على بعض, وذلك بالضبط هو ما حدث في الثلاثينات, ان مشاكل اي بلد تؤدي إلى تعميقها في بلد آخر, وكان حجم التجارة العالمية قد انخفض بنسبة 25% خلال الفترة من 1929 إلى 1932. وازعم ان فهمنا للكساد قد ازداد مؤخرا بفضل محللين اقتصاديين من امثال باري اتشنجرين وبيتر تيمن, ففي رأيهما ان الآخذ بمعايير الذهب قد قوضت الآليات الطبيعية لاستعادة النشاط الاقتصادي, ذلك انه في سبيل حماية احتياطي الذهب (الذي يتم الطلب عليه مقابل الاوراق النقدية) , بذلت الدول بضخ موارد مالية في خزائن البنوك التي تواجه سحوبات المودعين, وذلك ادى إلى تعثر هذه البنوك وضعف الطاقة الشرائية, وعندما رفعت بلدان (مثل بريطانيا عام 1931 والولايات المتحدة 1933) يديها عن الاخذ بمعايير الذهب, تحسن اداؤها الاقتصادي. وما يثير القلق حاليا هو ان هذه العملية مشابهة ـ هروب رأس المال ــ تؤدي إلى انتقال الاعتبارات الاقتصادية, من بلد لآخر عبر ارجاء العالم, فالدول الفقيرة تفقد حساباتها (بالدولار والين والمارك) التي كانت تمول حركة التجارة العالمية, وحتى تمنع هروب رأس المال تقوم هذه البلدان برفع اسعار الفائدة أو تعويم العملة, وفي كلتا الحالتين ستكون هناك متاعب اقتصادية, فرأس المال انتقل بالفعل من آسيا إلى امريكا اللاتينية وإلى العديد من دول الاتحاد السوفييتي السابق, ولعل معاناة الصين حاليا تعود إلى تعاملاتها الضخمة مع بلدان منطقة آسيا. ويمثل انتاج هذه البلدان نحو نصف حجم الاقتصاد العالمي تقريبا التي عانت جميعها من حالات ركود أو واجهت معدلات نمو بطيئة لاقتصادياتها. وإذا تمكنت كل من الولايات المتحدة ودول القارة الاوروبية نحو 40% من حجم الاقتصاد العالمي من زيادة معدلات النمو الاقتصادي لديها, فسوف يساعد ذلك كثيرا في دعم انتعاش الاقتصاد العالمي وإزالة اسباب القلق, لكن ليس واضحا حتى الان ان كان بامكانها ذلك. بيد ان انتقال رؤوس الاموال العالمية إلى الولايات المتحدة لا يعني اوتوماتيكيا تحفيز الاقتصاد الامريكي, والسبب ببساطة هو ان مجلس الاحتياط الفيدرالي ينظم شروط الائتمان, فإذا ما حدث وأن تدفقت رؤوس اموال ضخمة من الخارج على الولايات المتحدة, يقوم مجلس الاحتياط الفيدرالي بضخ اوراق دولارية اقل للحفاظ على استقرار سعر الفائدة ثم تخفيضها لاحقا, ونفس الشيء ينطبق على ألمانيا على الرغم من انهم لم يقوموا بتخفيض سعر الفائدة بعد. والخطورة هنا هي اننا جميعا نتعرض للخسارة, صحيح ان الولايات المتحدة لاتزال بعيدة عن مؤشرات الكساد الاقتصادي, إلا ان معدل البطالة سجل 4.6% في سبتمبر الماضي, ويتوقع العديد من الخبراء الاقتصاديين حدوث الكساد ابان العام المقبل, وعند حدوثه سيقوم مجلس الاحتياط الفيدرالي بخفض سعر الفائدة وسيجتمع قادة العالم لمناقشة كيفية وقف هروب رؤوس الاموال, إن ما ظهر حين غرة قد يتوقف حين غرة. الكاتب من كبار صحفيي وكتاب الواشنطن بوست والنيوزويك خاص بـ (البيان) خدمة واشنطن بوست